Menu

تل أبيب، بيروت؛ تسخينٌ على الغاز!

أكرم عطا الله

نشر هذا المقال في العدد 39 من مجلة الهدف الإلكترونية

جسُّ النبضِ الأخيرِ هذهِ المرّة؛ الجولةُ التي رافقتها تهديداتُ السّلاحِ من الجانبين؛ كانت جولةُ الوسيطِ الأميركيّ أموس هوكتشاين مختلفةً عن المحاولاتِ السابقة، فهي تتحرّكُ على وقعِ التحضيراتِ للحرب، فالجانبانِ يدركانِ حجمَ الهُوّةِ بينهما، وكلُّ طرفٍ يعرفُ إمكانيّاتِ خصمِهِ جيّدًا، يدركُ لبنان ما يمكنُ أن تفعلَهُ إسرائيل، لكن تل أبيب تعرفُ أنّ القوّةَ التي يمتلكها حزبُ الله تضاعفت بما لا يقاسُ عن 2006، حين لم تستطع إسرائيلُ حسمَ الحرب، وتدرك أنّه بات أكثرَ عددًا، وأبرزَ تكنولوجيًّا، واكتسب خبرةً ميدانيّةً في معارك سوريا.

الغازُ بدا كلمةَ السّرِّ في الانتصاراتِ والهزائمِ العسكريّةِ في رفعِ رايةِ النّصرِ أو رايةِ الهزيمةِ في تصعيدِ الخطابِ أو الاستسلام، هكذا بدا الأمرُ بعدَ حرب روسيا وأوكرانيا والعقوبات الأوروبيّة على روسيا، والعقوبات الروسيّة على أوروبا بقطع الغاز، ما يبشّر بشتاءٍ قاسٍ في أوروبا، التي تحاولُ تجاوزَهُ بأيّةِ وسيلةٍ وتحاولُ روسيا بلوغَهُ بأيّةِ وسيلة. وفي معركةِ الإرادةِ في القارّة الأوروبيّة، يأتي الغازُ الذي ستبدأ إسرائيل باستخراجِهِ ليكسرَ هذهِ المعادلةَ في غيرِ صالح روسيا.

أوّلُ محاولةٍ لفتحِ الملفِ جرت منذ عقدين عام2002، حيث حاولت الولاياتُ المتّحدة التي كانت تقاريرُ مؤسّساتِها تشيرُ إلى ضرورةِ ضمان أميركا لربع إنتاج العالم من النفط والغاز للحفاظِ على المستوى نفسه في ولاياتها، ومن هنا جاءَ موضوعُ احتلالِ أفغانستان وخطّ غاز أوراسكوم، واستدعاء موظّف شركةٍ أميركيّةٍ تعملُ في مجال النفط لحكم البلاد "حامد كرزاي"، وبعدها احتلال العراق، والسيطرة على البترول هناك، ثمّ ليبيا دولةً منتجةً للنفط.

زادت أزمةُ الحربِ في أوكرانيا من الحاجةِ إلى الغازِ بشكلٍ ملحٍّ وعاجلٍ، وشكّلت تلك فرصةً لإسرائيلَ بل وفرصةً مزدوجةَ البيع بأسعارٍ أعلى، وكذلك الظهور لاعبًا فاعلًا في إطارِ الأزماتِ الدوليّة، القادرَ على حلِّها والحصولِ على مكانةٍ سياسيّةٍ مهمّةٍ قادرةٍ على استثمارها في أوروبا، التي بدأت تشهدُ بعضَ التململِ في نظرتها لإسرائيل الاستيطانيّة التي تنزاح نحو اليمين، تجاهَ طلاق "القيم والثقافات" مع قادم الزمن وتلك فرصتها.

لكن لبنان الذي يملك ذراعًا مسلّحًا باتت كلُّ أزمةِ الغاز تصبُّ في مصلحةِ هذا الذراع وحضوره السياسيّ، وكأنّه كان ينتظرها في ظلّ فقر لبنان، وأحيانًا الحروب تحلُّ الأزماتِ على نمط "نظريّة" السادات في حرب 73 عندما انخفض احتياط العملة الصعبة في البنك المركزيّ وقال كلمته الشهيرة في مجلس الوزراء وهو يحمل غليونه "إذن نولع"، والأهمُّ هي فرصةٌ لهزيمة التيّار المطالب بسحب سلاح الحزب.

كان لبنان يطالبُ لـ 860 كيلو متر ثمَّ عامَ 2012، قدّمَ للأممِ المتّحدةِ وثائقَ جديدةً معدّلةً بعدَ دراسةٍ من قبل خبرائِهِ والخبراءِ البريطانيّين تضيف 1430 كيلو متر، أي 2290، وكان "الوسيطُ الأمريكي" سابقًا قد اقترح تقسيم الـ860 بحيث يكون 500 للبنان و360 لتل أبيب التي تلقّفت المقترحَ ووافقت عليه ورفضها لبنان.

وسطَ الأزمةِ الدوليّةِ التي تعصفُ بالعديدِ من دول العالم؛ سارعت إسرائيلُ في إبحارِ السفينةِ أنرجين لاستخراج الغاز بعد الانتهاء من مرحلةِ الكشفِ والتنقيب، وهو ما أضاءَ كلّ الأضواء الحمر في بيروت؛ لتقولَ بلسانٍ واحدٍ رغمَ الخلافات "إنّ هذا عملٌ استفزازيٌّ وعدوانيّ"، وسارعت لاستدعاء الوسيط الأميركي وليحمل الحلّ الوسط، وهو إضافة 300 كيلو متر على المطالبات الأوليّة، ليصبحَ 1160 كيلو متر وهو الأمرُ الذي لا تتعاطى معه إسرائيل التي تعدّ اللحظةَ فرصتَها التاريخيّة.

إذن، فالأزمةُ قائمةٌ وربّما قادمة، حيث تدركُ تل أبيب والولاياتُ المتّحدة أنّ ما يملكه لبنان من وسائلَ خشنةٍ قادرةٍ على التعطيل، فالأزمةُ في صالحِهِ وأصبحَ أكثرَ تفوّقًا وخبرةً، وبغرفِ العمليّاتِ مع الروس في سوريا اكتسبَ ما هو أبعدُ من الخبرة بل التكنولوجيا، وهو ما أشارت له إسرائيل التي انشغلت طوالَ سنواتِ الأزمة في سوريا في قطع الطريق على طرقِ إمدادِ الحزبِ بالأسلحة، ومنها الصواريخُ الدقيقة.

روسيا ليس لها مصلحةٌ في استخراجِ الغاز من البحر، وبالتحديد حقل كاريش التي وصلت له السفينة، وكذلك حزب الله... وهنا تقاطعُ مصالح هائل بين الجانبين، وفيما تخوض روسيا حربها غير المباشرة ضدّ الولايات المتّحدة، جاء ذلك أكثرَ صراحةً في خطاب بوتين الأخير عن نهاية نظامِ القطبِ الواحد؛ يخوضُ لبنان حربَهُ ضدَّ إسرائيل، وفي ذروة الأزمة الكونيّة ووسط تقاطع المصالح: فهل ستدفع روسيا تجاهَ الحربِ لمنعِ استخراجِ النفط؟ وهل ستزوّد حزب الله بمعدّاتٍ عسكريّةٍ تملكُها في سوريا؟ وهل سيخوضُ حربَها بالدرجةِ الأولى؟

كلُّ هذا واردٌ في ظلّ الاندفاع الروسيّ الجامح من أجل مصالحه في أوكرانيا، ومن الطبيعيّ أن يسعى لإغلاق الثغرة التي يفتحها حقل كاريش، ولديه طرفٌ جاهز، بل ينتظرُ اللحظةَ كما ذكر لأسبابٍ عديدةٍ، وأبرزُها ظهورُهُ حاميَ حمى الدولة والمصالح اللبنانيّة بعد أن كان محلَّ خلافٍ في لبنان طوالَ العقد الماضي، والأمرُ وصل حدَّ تحميلِهِ مسؤوليّةَ كلِّ كوارثِهِ وانهيارِهِ الاقتصاديّ والسياسيّ والاجتماعيّ وتقاطع المصالح بهذا الشكل يجعل من سيناريو التصعيد أكبر من سيناريو الحلّ والهدوء.

ماذا ستفعلُ إسرائيل التي تريد هدوءًا يمكّنها من استخراج الغاز لا غير؟ كيف يمكن أن تضمنَ تدفّقَهُ وصمت لبنان الذي يملك ما يمكنه من إيذاءِ إسرائيل ووقف الإنتاج؟ هل ستقدّمُ إسرائيلُ تنازلًا وهي لا تتحدّث إلا بلغةِ القوّةِ والتهديد؟

كلُّ المؤشّراتِ تدلُّ على أنّنا ذاهبون إلى صيفٍ لن يكون هادئًا في أحسن الأحوال، فالهُوّةُ عميقة، والرغبةُ كبيرةٌ بين كلا الجانبين لكسر الآخر ودرجة التحفّز أعلى، وإلا لماذا رفع لبنان السقف في المبادرة التي حملها الوسيط الأميركي لتل أبيب؟