Menu

"أم الروبابيكيا" لإميل حبيبي بين القصّة والمسرحيّة

د. نهلة راحيل - ناقدةٌ وأكاديميّةٌ ومترجمة/ مصر

إنّ تَجْرِبةَ مسرحةِ النصوصِ السرديّةِ بأنواعها المختلفة، وإخراجها للعرضِ المسرحيّ تضيفُ رافدًا مهمًّا في فهم العمليّة الإبداعيّة بوصفها عمليّةَ تداخلٍ عامٍّ للنصوص، حيث تملكُ النصوصُ الأدبيّةُ في طيّاتها العديد من التأويلات التي تسمح بإعادة خلق المزيد من الدلالات مع مرّات القراءة المتعدّدة. وفي هذه الحالة، يقيمُ النصُّ المُعَدُّ عن القصّة علاقاتٍ متجدّدة بين النصين؛ الأصلي والممسرح.

ويقصد بمصطلح "المسرحة" إنشاء عملٍ مسرحيٍّ يقوم على حكايةٍ تنتمي إلى جنسٍ أدبي آخر، كالرواية أو القصة القصيرة أو غير ذلك من المصادر المكتوبة أو الشفهيّة. وإلى جانب المعنى المباشر الذي يستدعيه المفهوم (تحويل مادّة أدبيّة إلى المسرح)، فإنّه يعني تخصيص الكتابة إلى خشبة المسرح مباشرةً، في مقابل الاتّجاه الأدبيّ في كتابة النص المسرحي، وبذلك فإنّ النصوص الممسرحة تتأثّر غالبًا بحقيقة كونها تُعرض في وجود جمهور، وكذلك بنزعتها نحو الاعتماد على نصٍّ آخر.

"أم الروبابيكيا، هند الباقية في وادي النسناس، مونودراما " (1992) للكاتب الفلسطيني إميل حبيبي، هي مسرحيّةٌ من فصلٍ واحد، تتحدّث عن امرأةٍ فلسطينيّة - هند بنت الفرّان المعروفة بأم الروبابيكيا - باقية في وادي النسناس في حيفا تعيشُ وسطَ أنقاض بيوت جيرانها الذين هُجّروا عام 1948، وتنتظر عودة أهل الحيّ من الغائبين. وقد تمَّ عرض المسرحيّة على خشبة مسرح "الميدان" بحيفا عام 2010، وكذلك عُرضت ضمن فعاليات مهرجان "مونودراما" عام 2005.

وتحكي المسرحيّة قصّة تلك المرأة الفلسطينيّة البالغة الخمسين من عمرها، التي رفضت النزوح إلى لبنان مع زوجها وأولادها الثلاثة (حسن وحسني وحسنية) بعد نكبة 1948، وبقيت في بيت العائلة في وادي النسناس في حيفا تنتظر عودتهم مع عودة الغائبين الآخرين الذين تشرّدوا عقب نكسة 1967، وهو زمنُ انطلاقِ الأحداث بالمسرحيّة. وكانت مهنتها بيع المستعمل من الأثاث والأواني والملابس وغيرها من متاعٍ عربيٍّ منهوبٍ أو متروكٍ كانت تقوم بإصلاحه وتجديده ثمّ بيعه، ولكن بعد الاحتفاظ بكنوزها من قلادات وأساور ورسائل حب أوّل من فتيان رحلوا مع أهلهم منتظرة عودتهم لترد إليهم كنوزهم. وقد اضطرّت لهذا العمل بسبب الفقر الذي تعيشه بعد الضغوط الاقتصاديّة والاجتماعيّة التي فرضها الاحتلال الصهيوني على الفلسطينيين ليهجروا الوطن تاركينه للمستوطنين اليهود، وبعد أن كانت تلقب بـ "ملكة الوادي غير المتوّجة" أصبح الجميع في وادي النسناس يلقبونها بـ"أم الروبابيكيا".

 وتتلخّص حكاية هند- الباقية في وادي النسناس- في طلاق زوجها لها وتركها وحيدة بعد اكتشافه رسالة غرامية مخبأة في إحدى فُرش المنزل فظنها "خائنة"، وهي الصفة التي نسبها إليها أيضا أبناء وطنها المهجّرين خارج فلسطين؛ لأنها قبلت أن تظل باقية في حيفا عقب سقوطها في أيدي الصهاينة ورفضت أن ترحل عن الحي رغم رحيل زوجها وأولادها.

وبهذا تكون المسرحية مستمدة في الأساس من قصة "أم الروبابيكيا" التي جاءت ضمن المجموعة القصصية "سداسية الأيام الستة" (1968)، ويسرد بها حبيبي حكاية امرأة في أواخر مرحلة الشباب ظلت باقية في وطنها رغم نزوح زوجها وأولادها عقب النكبة، تجمع أثاث المهجرين وبقايا متاعهم عقب رحيلهم عن مساكنهم خوفا من عصابات الإرهاب الصهيوني، ثم تقوم بإصلاحه وبيعه. وقد مزج بها قصة أخرى هي "النوريًّة" التي جاءت حكاية بطلتها "زنوبا" على لسان "هند" التي تورد طوال أحداث المسرحية عددا من الشخصيات المأزومة التي مرت بها وتجسد من خلالها الواقع المأساوي الذي عاشت فيه عقب الحرب وما فرضته من شتات.

وكما هو معروف فإن عنوان المسرحية هو المعلومة الأولى التي يتوجه فيها الكاتب للمتلقي مباشرة، ويعتبر جزءا من الإرشادات الإخراجية له علاقة ما بمعنى المسرحية، وقد احتفظ حبيبي بعنوان القصة عند مسرحتها بـ "أم الروبابيكيا"، وأصحبه بعنوان فرعي يحدده "هند الباقية في وادي النسناس"، وآخر  يشير إلى تجنيسه، حيث أضاف أسفل عنوان المسرحية كلمة "منودراما"، مما قد نعتبره المؤشر الأول للقراءة الجديدة للنص الذي كثّف الكاتب من خلاله منظوره السردي وبؤرة أحداثه بعد مسرحته عن نص سردي قصصي قصير؛ فالمونوداما آلية تعتمد على أداء شخصية واحدة تروي الأحداث مخاطبة الجمهور مستعينة بتقينات المسرح المختلفة، وتعتمد في رواية الأحداث واستدعاء الشخصيات الأخرى- بشكل رئيس- على تيار الوعي.

وقد قامت "هند"- أم الروبابيكيا- بسرد مأساتها التي صنعها الاحتلال الصهيوني، واستدعاء ذكرياتها وذكريات جيرانها المشردين في مشاهد المونودراما المختلفة القائمة على الاسترجاع والمونولوج وتوظيف الأغاني الشعبية. وقد اختار  الكاتب لمسرحيته شكل المونودراما لأنه يسمح بتحويل أي نص أدبي (في هذه الحالة القصة القصيرة) إلى نص مسرحي دون أن يتطلب الأمر اللجوء إلى العديد من الإجراءات التحويلية، فكان إعداد مونودراما "أم الروبابيكيا- هند الباقية في وادي النسناس" عن قصتي "أم الروبابيكيا" و"النورية" هو الوسيلة التجريبية التي لجأ إليها حبيبي بوصفها الأقرب إلى الكتابة السردية القصصية في اعتمادها على لغة حوار نابعة من شخصية واحدة تنقل المتلقين بين الماضي والحاضر وبين المستويات المكانية المختلفة التي تستدعيها أثناء الحكي، وهي الوظائف التي ترتبط بالسارد العليم للنص القصصي الذي يتحكم في رواية الأحداث ونقلها للقارئ من منظوره الخاص.

من هنا تثير مسرحة النصوص السردية التساؤل حول التقنيات المستخدمة فيها، فإن اختيار الكاتب المسرحي لعناصر ما من الرواية أو القصة وإغفاله لعناصر أخرى له أسباب، وبناءه لتلك العناصر بشكل معين له أسباب أيضا، إذ هناك فارق -لا شك- بين الرواية أو القصة التي تعتمد على السرد وإن تخللها الحوار، وبين المسرحية التي تعتمد على الحوار والحركة وإن تخللها بعض المقاطع السردية.

وعلى أي حال، فإن مسرحة النص السردي تعتمد على الرؤية الخاصة للكاتب المسرحي سواء يمسرح نصه الخاص أو نص لكاتب آخر، حيث يكون بمثابة ناقدٍ للنص الأصلي يراه وفق تفسيره الخاص ويعيد صياغته من جديد، وقد لا يتقيد بترتيب الأحداث وسيرها، بل يقوم بتطويعها حسب رؤيته الجديدة شريطة ألا يؤثر ذلك على الأحداث الرئيسة.

فقد تتفق الكتابة السردية والمسرحية في البنية الحكائية التي تقوم على عناصر فنية مشتركة كالشخصية والصراع والزمان والمكان وغيرها، إلا أن أسلوب المعالجة الفنية للحكاية تختلف في كل منهما، مما يجعل مسرحة النصوص السردية تجربة ليست باليسيرة أمام الكاتب المطالب بتكييف عمل روائي أو قصصي أو وثائقي وإعادة صوغه بما يتلائم مع طبيعة المسرحية ليحقق التأويل الجديد للنص الأصلي.

ورغم أن هناك اختلافات تقنيّة بين كتابة النص السردي وكتابة النص المسرحي، فإن الكاتب المسرحي قد يكون قادرًا على تطويع تلك الفروق النوعية التي تواجهه عند مسرحته للنص الذي اختاره، وذلك من خلال استخدامه للتقنيات الدرامية التي تساعده على تحويلها إلى نص مسرحي وإضافة وجهة نظره الخاصة التي تتيح له محاورة النص الأصلي، ومن ثم إنتاج نص هو في النهاية إبداع الكاتب المسرحي يضع فيه تصوره الخاص للقصة التي يمسرحها.

وعند الحديث عن إجراءات تحويل النص القصصي إلى نص مسرحي، نجد أن القصتين تحتويان في الأساس على عناصر درامية واضحة أمكن استغلالها في وضع رؤية مسرحية للنصين، وهو ما أعطى مبررًا واضحًا لاتجاه الكاتب إليهما كمصدر لنصه المسرحي مونودراما "أم الروبابيكيا"؛ فمع تطور التقنيات التجريبية والخروج عن أعراف الكتابة السردية المعروفة، عرفت النصوص السردية تقاليدا جديدة أخرجتها عن نطاق الجنس الأدبي المحدد لها؛ حيث أفرد كُتّابها مكانًا واضحًا للحوار والمشهد والمواقف الصراعية وغيرها، لتمتزج داخلها الصيغة الدرامية بالصيغة السردية في علاقة ديناميكية متبادلة. من هنا اشتلمت القصتان على العديد من العناصر الدرامية التي جعلت منهما نصين صالحين لأن يصبحا نواة لنص/ لعرض مسرحي، ومن أهم تلك العناصر: ترهين السرد، ظهور الراوي، تقنية المشهد، المؤشرات السردية، محدودية الزمان والمكان، وغيرها من عناصر استغلها حبيبي كركيزة أساسية عند مسرحة القصة ومزجها بأجزاء منتقاة من قصة "النورية" بما يلائم طبيعة المسرح.

ومن هنا حملت القصة نفسها في بنيتها السردية عناصر درامية عديدة، شكلت مجتمعة لدى "حبيبي" مرجعًا مهما لجأ إليه خلال إعادة صياغة القصة دراميًا وإعدادها للعرض المسرحي، وخاصة مع تشابه القصة القصيرة والمونودراما في التكثيف والإيجاز والسرد بالصوت الواحد.

ولذلك اعتمد "حبيبي" كثيرا على الأجزاء الحوارية الموجودة في النص الأصلي واحتفظ بها في حواره المسرحي، لكنه لجأ إلى اختزال بعضها مع مراعاة اللغة الحوارية التي تناسب الشخصية، لكنه لم يستفد كثيرا من المؤشرات السردية التي مهدت لتلك المقاطع الحوارية بالقصة في تحويلها إلى إرشادات مسرحية تسبق الحوار المسرحي أو تتخلله.

كما قام باختزال المقاطع السردية الطويلة بالأصل القصصي وقام بتحويلها إلى مونولوجات بَوْحيّة تتراوح بين الطول والقصر، مما جعل المتلقي يرى الحدث في حركته ويتابع الزمن في سريانه، وهو ما يتفق مع طبيعة النص/ العرض المسرحي، وبهذا نجح الكاتب في الاستفادة من المعطيات الدرامية المتضمنة بالقصة الأصلية دون تعمد التقليد للنص الأصلي.

وقد استخدم الإرشادات المسرحية- كإحدى التقنيات الأساسية التي يُبنى من خلالها الخطاب المسرحي- في الوصف الخارجي لشخصياته أو في تجسيد المكان/ الزمان المسرحي، وقد أبدع "حبيبي" في الاستفادة من هذه التقنية خاصة في العناصر الصوتية والبصرية والحركية التي تتلائم مع ضرورات النص/ العرض المسرحي.

 وأفاد كذلك من محدودية المكان والزمان ببنية النص القصصي، ولجأ في نصه المسرحي إلى العودة إلى الماضي داخل الحوار ليُكمل الأحداث التي دارت في زمان آخر ومكان آخر، واستدعى المكان من خلال الإرشادات المسرحية التي تعّين معطيات الفضاء الدرامي.

وأخيرا، يمكن القول إن "حبيبي" في نصه المسرحي قد نجح في استغلال اقتراب القصة القصيرة من المسرحية في القالب البنائي المكثف والاعتماد على اللغة الحوارية، وقد تفاوتت استفادته من العناصر الدرامية بالنص الأصلي الذي يقوم بمسرحته تبعا لوجهة النظر التي يرغب في إبرازها، بشكل يساعده على إبراز عناصر جديدة- في الشكل والمضمون- تلائم قناعاته الفكرية ورؤاه الفنية، التي تدور حول تأكيد حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم رغم الرحيل عنه من ناحية، وتأكيد تمسك الباقين منهم داخل الوطن بهويتهم الفلسطينية من ناحية أخري. وهي الرؤية ذاتها التي بثها في قصته الأصلية ولكنه أضاف عليها في نصه الممسرح ما أسهم في تصعيدها دراميا وجعلها أشد وضوحا وتأثيرا في المتلقي.