Menu

تقرير"إعادة إعمار غزّة".. شاحنات الخرسانة مثقلة بالشّروط السياسية

فادي الشافعي

خاص بوابة الهدف

مرّ ما يزيد عن العام على العدوان الصهيوني ضد قطاع غزة في 10 مايو/ أيار 2021، ورغم ذلك؛ لم تحقق عملية إعادة إعمار ما دمرته قوات الاحتلال الصهيوني إلا إنجازات محدودة، لا تتناسب مع حجم الدمار، ولا أهمية إعادة البناء بالنسبة إلى الأسر المتضررة. ويبدو أن الشروط السياسية التي فرضت على العملية أثقلتها.

تعد عملية إعادة إعمار ما دمرته الحرب قضية حقوقية إنسانية ترتبط بحق كل إنسان في الحصول على المأوى، ويرى الخبير في الشأن الاقتصادي مازن العجلة، في حديث مع "بوابة الهدف" أنّ قضية إعادة إعمار ما دمره العدوان الصهيوني ضد قطاع غزة قضية حقوقية انسانية واجتماعية بالدرجة الأولى إلا أنها أُثقلت بالأعباء السياسية، هذه الأعباء أفرغتها من كونها موضوعًا محليًا فحسب. مضيفًا: "كلّ عمليات إعادة الإعمار السابقة في قطاع غزة أثقلت بالشروط السياسية الأمريكية والأوروبية والإسرائيلية إلا أنّ إعادة إعمار ما دمره عدوان أيار/ مايو 2021م شهدت تشديدًا لهذه الشروط خاصة الإسرائيلية التي تربط إعادة الإعمار بهدنة طويلة الأمد وإعادة الأسرى المفقودين "الإسرائيليين" في قطاع غزة؛ وهو ما خلق سياقًا سياسيًا أكثر تعقيدًا مما سبق، أدّى إلى نشوء معوّقات جديدة تحول دون إنجازه رغم أولويته الإنسانية والاجتماعية.

وأكّد العجلة الذي أعدّ ورقة بحثية بعنوان: "إعادة الإعمار في قطاع غزة بعد عام على العدوان الإسرائيلي" أنّه: "بعد عام على بدء عملية إعادة الإعمار؛ لا إنجاز حقيقي، وكل ما تمّ هو مجرد تعويض عن الأضرار الجزئية، بينما لم يجرِ أيّ اختراق في علاج المباني التي تعرضت لأضرار كليّة نتيجة للسياق السياسي المعقّد الذي تجري فيه العملية".

جدير بالذكر أنّ عدد المباني المدمرة كليًا بلغ 331 مبنى، فيما بلغ عدد الوحدات السكنية المتضررة كليًا وجزئيًا 27,346 وحدة سكنية، منها 1,019 وحدة مدمرة كليًا، و706 وحدات أضرار جسيمة وغير صالحة للسكن، و25,621 وحدة أضرار جزئية، وبإضافة الوحدات السكنية التي لم تُعوّض جراء الاعتداءات السابقة (2008/2009، 2014)، والتي يبلغ عددها 1,575 وحدة، فإنّ العدد الإجمالي يبلغ 2,990 وحدة سكنية.

وأشار العجلة إلى أنّ وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين غطّت حوالي 47% من التعويضات المقدّمة للمتضررين، يليها تجمّع المؤسسات وبنسبة 30%، ثم اللّجنة ال قطر ية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي بنسبة 3% لكل منهما، و16% من مؤسسات أخرى.

وشدد على أنّ أصحاب الوحدات المدمّرة بشكل كامل هم أكثر الفئات التي تعاني من بطء إعادة الإعمار؛ حيث يوجد 95 وحدة سكنية فقط في المراحل الأولى من إعادة البناء بتمويل من اللجنة القطرية لإعادة الإعمار، على الرغم من أن التمويل يكاد يكون مضمونًا لإعادة بناء حوالي 250 وحدة سكنية، وتم التعهد به في البداية، لافتًا إلى أنّ إعادة الإعمار بعد أكثر من عام ليس كما هو مأمول.

كما أشار إلى أنّ ما تعهدت به دولة قطر جرى صرفه من المنحة الشهرية القطرية، وليس ما تعهدت به للإعمار، بينما تحولت المنحة المصرية للتطوير وليس لإعمار ما تم تدميره، معتبرًا أنّ السياسات الحالية لإعادة الإعمار يشوبها القصور في سياق المعوقات، ولا يرجع سبب هذا القصور كنتيجة لأي من سياسات المحلية الفلسطينية وإنما نتيجة للضغوطات السياسية الخارجية؛ خاصة في ظل تأثير مجموعة من اللاعبين الإقليميين والدوليين على العملية أبرزهم "إسرائيل" التي تسيطر على المعابر وتفرض حصارًا مشددًا على قطاع غزة منذ 15 عامًا، بالإضافة إلى الضغوطات الأمريكية على الدول التي لديها نية في تمويل إعادة الإعمار، معتبرًا أنّ هذه العوامل مجتمعة أدّت إلى سياسات متعارضة وغامضة أحيانًا، وعكست عجزًا محليًا حدّ من تحقيق الإنجاز.

كما اعتبر أنّ التغيّر الذي طرأ على أولويات المنحة المصرية أدّى إلى تغيير في السياسات، علمًا أنه باستثناء المرحلة الأولى من هذه المنحة التي تمثلت في المشاركة المصرية في إزالة ركام الأبراج المدمرة، حيث حددت اللجنة المصرية لإعمار قطاع غزة أنّ "المرحلة الثانية من المنحة تتكوّن من 6 مشاريع (إنشاء 3 تجمعات سكنية بمدينة الزهراء، وبلدة جباليا، ومدينة بيت لاهيا، وتطوير شارع الكورنيش، إضافة إلى تطوير ميدانين رئيسيين بإنشاء جسرين). بينما استهدفت المنحة القطرية المساهمة في إعادة إعمار المرافق سيما في قطاعات الصحة والتعليم والكهرباء، إضافة إلى المنازل التي دمرت بسبب الاعتداءات ومع ذلك، لم يتم الاتفاق على بدء الصرف الفعلي للمنحة القطرية حتى تاريخه، وأنّ ما تم إنجازه في موضوع الإعمار بتمويلٍ قطري، جرى الإنفاق عليه من المنحة القطرية الشهرية فقط، بحسب وزارة الأشغال في قطاع غزة.

وفيما يتعلّق بالتوقعات المستقبلة؛ رجّح العجلة استمرار الوضع الراهن، الذي يتمثل في استمرار التقدم البطيء جدًا في الإنجاز، في ضوء استمرار المعوقات التي تحول دون تفعيله، وهذا مرتبط بشكل وثيق في تطورات الوضع السياسي، لأنّ ربط هذا الملف بالاشتراطات السياسية يثقله، ويضيف إليه مزيدًا من الأعباء، مشددًا على أنّ سلطات الاحتلال هي المسؤول الأول عن الدمار في غزة؛ وعليه تقع مسؤولية جبر الضرر وتعويض الضحايا وفق القانون الدولي.

بدوره، قال مدير عام الإعمار في وزارة الأشغال بغزة محمد عبود، خلال حديثه في ندوة المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية (مسارات) تابعتها "بوابة الهدف" إنّ الوزارة تمكنت رغم التحديات من إزالة الركام وأنقاض المباني التي خلفها العدوان الأخير بشكل كامل، مؤكدًا وجود بطء في عملية إعادة الإعمار لعدة أسباب، لافتًا إلى أن وزارة الأشغال بغزة تصرف دفعات مالية حاليًا لإعادة إعمار 500 وحدة سكنية، تتركز في منطقة الرمال وسط مدينة غزة، خاصة في شارع الوحدة، لافتًا إلى أنّ التحدي الأكبر هو إعادة إعمار الأبراج التي تمثل الوحدات التي تحويها نحو ثلث ما تم تدميره، معتبرًا أنّ إعادة إعمارها معلّق، في الوقت الحالي، لأسبابٍ سياسيّة، رغم وجود وعود بإعادة إعمار برج الجلاء قريبًا.

وأشار إلى أنّ الوزارة صرفت تعويضات لأكثر من 75% من أصحاب الوحدات السكنية المتضررة بشكل جزئي، بالاشتراك مع الشركاء، لافتًا إلى فجوة تمويلية تقدّر بـ 13 مليون دولار لتمويل نحو 14 ألف وحدة سكنية تضررت جزئيًا، وأنّ 1300 وحدة لم تعوّض بعد، تضررت قبل عدوان 2021 بفجوة تمويلية تقدر 45 مليون دولار، مؤكدًا أنّ الدول التي قدمت المنح الحالية ترفض إدراج الوحدة السكنية التي تضررت فير غير العدوان الأخير ضمن حساباتها.

وأضاف: لم تقدّم قطر المنحة التي تعهدت بها لإعادة الإعمار عقب عدوان 2021، وما يجري صرفه هو ضمن المنحة الشهرية التي تقدمها، بالإضافة إلى بعض المنح ذات القيمة الصغيرة التي قدمتها مؤسسات دولية، مشددًا على أهمية الدور الشعبي والاحتجاج في دفع الدول المانحة للإيفاء بتعهداتها لإعادة إعمار غزة، وسيجري تحريك القضية على المستوى الشعبي خلال الأيام القليلة القادمة كونها قضية إنسانية من الدرجة الأولى.

من جانبه، رأى الباحث في الشؤون التنموية محسن أبو رمضان، خلال حديث مع "بوابة الهدف" أنّ ربط إعادة الإعمار بـ"جبر الضرر" الناتج عن العدوان المباشر أو غير المباشر هو خلل منهجي بالتعاطي مع القضية، معتبرًا أنّ إعادة الإعمار يجب أن ترتبط بعملية التنمية الشاملة، مشيرًا إلى أنّ قطاع غزة مهمّش منذ فترة زمنية طويلة وغير مدرج في الأولويات على سلم التنمية، معتبرًا أنّ المعالجات الجزئية لقضايا الإسكان يجب أن تجري في ضوء الزيادة الديمغرافية الطبيعية ومحدودية المساحة بالإضافة إلى ندرة الموارد، والحصار وآليات الرقابة المفروضة على القطاع.

وشدد أبو رمضان على أهمية تحييد ملف التنمية في قطاع غزة عن المنازعات السياسية عبر آليتين، إمّا عبر تشكيل حكومة وحدة وطنية، أو عبر هيئة وطنية مهنية (تكنوقراط) تشمل ممثلين عن الحكومتين في غزة والضفة بالإضافة إلى ممثلين عن المنظمات الأهلية والقطاع الخاص ذات الصلة.

وحذّر أبو رمضان من خطورة الحلول الجزئية التي تأتي في سياق "السلام الاقتصادي" وتهدف إلى تحفيف حدة الاحتقان وليس الوصول إلى حلولٍ جذرية، لأنّ الاحتلال يستطيع إلغاء أيّ تسهيلات أو تفاهمات جزئية يجري التوافق عليها معه ويستخدمها كورقة ضغط متى أراد، مشددًا على ضرورة الضغط ومطالبة المجتمع الدولي برفع الحصار مرةً وإلى الأبد، وإعادة التكامل بين غزة والضفة في بنيةٍ سياسيّةٍ وجغرافية وقانونيّة موحّدة.

ختامًا، تتحمّل سلطات الاحتلال الصهيوني المسؤوليّة الكاملة عن الخسائر المادية والمعنوية التي لحقت بأهالي غزة، وعليها واجب "جبر ضرر" الضحايا وتعويضهم حسبّما ينص القانون الدولي في هذا السياق، وهذا يتطلّب جهدًا مضاعفًا من كافة الأطراف المعنيّة والفلسطينيّة منها للضغط على الاحتلال بشتّى الوسائل من أجل توفير الحد الأدنى من شروط العيش الكريم والحق في السكن، لا سيما لشريحةٍ كبيرةٍ وهامّة من أبناء شعبنا خاصّة الفقراء والمهمّشين منهم الذين تتعمّد "إسرائيل" استهداف بيوتهم في كل عدوانٍ تشنّه على القطاع في سياق جرائمها المستمرة.