Menu

الرسائل تُقرأ من عناوينها

عدنان الصباح 

بعناية فائقة اختار الرئيس الأمريكي توقيت صلاة الجمعة للاجتماع بالرئيس محمود عباس والخروج بمؤتمر صحفي علني وهو بذلك يريد أن يقول لنا أن لا مقدس لكم: لا دينيا ولا وطنيا ولا سياسيا ولا اجتماعيا وأنه يعلن رسميا وعلى رؤوس الأشهاد عدم احترامه لنا كفلسطينيين وعرب.  

في زيارته لدولة الاحتلال دخل الرئيس الأمريكي من أكثر بواباتهم انخفاضا في نصب الكارثة والبطولة وانحنى على ركبتيه أمام آخر سيدتين بقيتا على قيد الحياة من الناجين من النازية، مظهرا كل الاحترام والتضامن بينما لن يلتفت إلى سيدات مخيم الدهيشة التي تقع على أسوار مكان اجتماعه برئيسنا وفي أول تصريح له أعلن أنه صهيوني.

الفعل الأهم في زيارته كان التوقيع المشترك على "إعلان القدس " وللتسمية هنا أيضا دلالتها، فهو تعميد علني لإعلان ترامب عن القدس عاصمة لدولة الاحتلال، وفي هذا الإعلان الذي عَمّد قدسنا كعاصمة لمن يحتلون بلادنا، لم يأت أبدا على ذكر قضيتنا إلا بكلمة تشير إلى موقف شخصي للرئيس الأمريكي وقد وردت بهذا النص "يعيد الرئيس بايدن التأكيد على دعمه الطويل الأمد والمتواصل لحل الدولتين، وللتقدم نحو واقع يمكّن للإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء التمتع فيه بإجراءات متساوية من الأمن والحرية والازدهار" ونلاحظ هنا تعبير طويل الأمد في إشارة إلى انعدام الأمل، وقد وردت وحدها بالاسم الشخصي للرئيس بايدن بينما كان الإعلان يتحدث في كل فقراته عن مواقف الولايات المتحدة.

مرة واحدة جاء ذكر الفلسطينيين بشكل مشترك بالنص التالي "كما يؤكد القادة على التزامهم المشترك بالمبادرات التي تعزز الاقتصاد الفلسطيني وتحسن نوعية حياة الفلسطينيين"، وأخطر ما في ذلك هو منح إسرائيل الحق بالتحدث عن حياة الفلسطينيين الاقتصادية.

التعبير الوحيد الذي أظهره الرئيس الأمريكي بالاهتمام بقضايا الفلسطينيين جاء في القدس التي عمدها كعاصمة للمحتلين، عبر زيارته لمستشفى المطلع وإعلانه عن الدعم الذي ستقدمه إدارته للمستشفيات الفلسطينية.      

ما قاله الرئيس عباس عن قبول إسرائيل في المنطقة وشروط ذلك الواقعية، جاء الرئيس الأمريكي ليكسر كل شيء ويفعله، فهو قد أعلن بوضوح مسبقا أن حضوره إلى المنطقة، جاء بهدف دمج إسرائيل في المنطقة وضمان قبولها والتشارك معها من دول المنطقة بالقيام بما يخدم مصالح الولايات المتحدة، وقبل أن يصل إلى جدة أعلنت السعودية فتح مجالها الجوي أمام الناقلات الإسرائيلية وهو هدف إسرائيلي قديم، ويمنح اقتصاد دولة الاحتلال خطوة كبيرة في موضوع النقل والتجارة الخارجية، وهذه إشارة مسبقة ومجانية إلى ما قد تسفر عنه اجتماعات جدة.

رئيس الولايات المتحدة التي تتصرف بكل قوة ضد روسيا في أوكرانيا تتصرف بعكس ذلك كليا في الموضوع الفلسطيني ويكتفي رئيسها هنا بالتحدث عن آرائه الشخصية، بل حتى إنه لم يعلن ذلك باسم بلاده أو باسم إدارته بمعنى أن حديثه عن الدولتين هو رأي شخصي لا أكثر وهو لم يجد ما يقوله بمؤتمره الصحفي مع الرئيس عباس إلا عن التحسينات الحياتية اليومية لا أكثر ولا أقل، بل إنه ذهب إلى حد تقديم النصائح لنا لتحسين أداء المؤسسات والشفافية، بإشارة وقحة إلى أن واقع الحال لدينا هو عكس ذلك.

ختام زيارة بايدن كان بمغادرة مطار اللد المحتلة قبل دخول السبت ليدخل أرض الحرمين يوم الجمعة وليخرج أهل مكة لملاقاته يوم إجازتهم الدينية، مكررا لهم ما قاله أيضا في بيت لحم: أن لا مقدس للعرب والمسلمين وأنهم أيضا يقرون بذلك، فأي دبس إذًا يمكن أن ننتظر من نمس البيت الأبيض.