المُقدّمة:
حَاولتُ فِي هَذهِ الدِّراسةِ الوقوفَ عَلَى مفهومِ المُثقَّفِ وَمَلامِحِه، وصُولًا للتَّحدّياتِ المُتعدّدةِ التي يُعانِي مِنهَا؛ مُستعرضةً لآَراءِ نُقّادٍ غَربيّينَ وَعَربٍ، مُتحدِّثةً عَنْ مَواقفَ ورُدودِ أفعالٍ لكِلا الطَّرفين. وَفِي الدِّراسةِ وَقفةٌ مَع عَددٍ مِن المُفكِّرينَ والأُدباءِ الذين كَانَت لَهمْ بَصمةٌ فِي التَّاريخِ، لنَرَى: كيفَ تَعاملُوا مَع هَذهِ التَّحدّياتِ؟ وكيفَ الحَالُ التي وَصلُوهَا؟ فَهَل يَستطيعُ المُثقّفُ فِعلًا مُواجهةَ أزماتِهِ الثَّقافيّةِ؟ هَل يَستطيعُ أنْ يُوصلَ صَداهُ الفِكرِي إِلى مُجتمعِهِ؟ وَكيفَ؟
هَذهِ الأَسئلةُ وَأسئلةٌ عَديدةٌ تُثيرُها هَذهِ الدَّراسةُ، قَد لا يَكونُ إيجادُ الحَلِّ هُو الهَدفُ الأوَّلُ، إنَّما تَحفيزُ الذِّهنِ للتَّساؤلِ عَن مَوقعِنا مِن الثَّقافةِ، ورِغبةً فِي الارتقَاءِ نَحوَ الحَقيقَة.
مفهوم المُثقّف:
لَم يَكنْ مَفهومُ المُثقَّفِ مُتداولاً، فَهو مُصطلحٌ جَديدٌ عُرفَ - بِدايةً - فِي فَرنسا، وَكانَ سَائداً عِندَ العَربِ -سَابقاً- مُصطلحُ الفَقيهِ. إذَا أردنَا أَن نُعرِّفَ المُثقّفَ فأوَّل ما يَتراودُ لذِهننَا، أنَّه الإنسانُ الذي لدَيهِ كَمٌ مِنَ الشَّهاداتِ وَالمَعرفةِ، بَينَما مَاركس يُميزُهُ بالقَولِ: "المُثقفُ الذي يعملُ عَملاً فِكرياً".
وَيَقولُ غُوته الشَّاعرُ الألمَانِي: "ليسَ الشُّعراءُ الكبارُ شُعراءً لأنَّهم أَتُوا بأَشياءَ جديدةٍ، وَإنَّما لأنَّهم أبرزُوا الأَشياء كمَا لو أنَّها تَظهرُ لأوَّلِ مَرة".
المُثقّفُ فِي تَعريفٍ آَخرٍ -وأَظنَّهُ الأَصوبُ- هُو مَنْ يَطرحُ نَفسَهُ بِشكلٍ مُؤثرٍ يَفهمُ المَشاكلَ، وَيَطرحُ الحُلُولَ اِستناداً لرَصيدٍ مَعرفِي وَمُمَارسَةٍ أَكاديميةٍ، وَيستطيعُ أَنْ يَنتَشِلَ المُجتمعَ مِنَ الجَهلِ والتَّعَصُبِ والطَّائفيةِ. عَليهِ، أَن لا يكونَ مَغروراً ولا مُتعَاليَاً.. ولا يُوتُوبيَاً.. أَن يكونَ بَعيداً عَن ازدِوَاجِيةِ المَعاييرِ، لكَي لا يَفقدَ ثِقةَ النَّاسِ بِهِ.
أَقسامُ وأنواعُ المُثقّف:
ميَّزَ المُفكِّرُ الإيطَالِي أنطونيو غَرامشي المُثقَّفَ بنَوعين:
- المُثقّفُ التَّقليدِي الذي يَبقى عَلى الحِياد، فلا يَعتبرُ نفسَهُ جزءاً مِنْ طَبقتهِ، ولا يُوظِّفُ اِمكانياتِهِ لمُناصَرتِها.
- والمُثقّفُ العُضوي الذي يَشعرُ أنَّهُ جزءٌ مِن طَبقتهِ ويُمثلُها وتُمثلهُ، وَيحاولُ أَنْ يُحسِّنَ أَحوالَها.
وَمِن خِلالِ قِراءاتِي وَجدتُ الدَّارسينَ يُصنفُونَهم حَسبَ دَورِهم إِلى المُثقّفِ المُحايدِ الذي ظَلَّ وَفياً لوَظيفتِهِ النَّقديةِ والمَادِية الذي سَلَّمَ واستَسلمَ للمَالِ والحِزبِي الذي انتَمى لحزبٍ معينٍ وفَقدَ كَلمتَهُ المُستقلةِ، والمُهاجرُ الذي اصطَدَمَ بالوَاقعِ فغَادرَهُ ولوَّحَ بأفكارِهِ عَن بُعدٍ، والمُستعرضُ الذي يَتبعُ الشُّهرةَ "مُثقّفُ الكَمِيرا"، والتُّراثِي الذي يُدافعُ عَن التُّراثِ والعاداتِ والتَّقاليدِ.
التَّحدياتُ التي يَتعرضُ لهَا المُثقّف:
- التَّحدِي الذَّاتِي: "اِعرفْ نَفسَكَ بنَفسِكَ" مَقولةٌ مَشهورةٌ ما زِلنَا نَقرؤهَا وَمنهَا أَرى أَنَّ قِسطاً وَافرَاً مِن التَّحدياتِ يَقعُ عَلَى عَاتقِ المُثقفِ، تَارةً بسَببِ اِرتفاعِ مَنسوبِ الأَنا دُونَ أن يَعِي إمكانياتِهِ فيَقعُ فِي فخِّ الإدعَاءِ، وبسَببِ الصِّراعاتِ بينَهُ وبينَ أقرانهِ، وربَّما بسببِ عَدمِ تَقبَّلهِ للرَأي الآخرِ فيَتحولُ ما هُو جَماعِي إلى ما هُو فردِي ويحدثُ الوهنُ.
ومن هنَا تَنتجُ مَواقفُ سَلبيةٌ تُؤدِي إلى تَعطيلِ عَجلةِ المُضِي نحو الهَدفِ المُرادِ، وتَارةً بسَببِ عَدمِ قُدرةِ المُثقّفِ على مُواءَمةِ الخِطابِ، ومُتطلباتِ العَالمِ الرَّقمِي.. فبعضُ المُثقّفينَ لا يَستخدمُونَ الحَاسوبَ، بالوقتِ الذي نحنُ فيهِ بمَواجهةِ جيلٍ تَحكمُهُ العَولمةُ، وآخرونَ ليسَ لدَيهم صَفحاتِ تَواصلٍ ليطرحُوا من خلالِها أفكارِهم وقضايَاهم تَحتَ ذرائعَ مُتعددةٍ.
ووجهَةُ نَظرِي لا بدَّ من المُواكبةِ لاستمرَارِ العَلاقةِ بَينَ الكَاتبِ والمُتلقِي ولتَكونَ المَسافةُ ليسَت ببعيدةٍ بينَهما.
- التَّحدِي الاِجتِمَاعِي والدِّينِي: يَقولُ أَدونِيس "نَحنُ فِي المُجتمعِ العَربِي لا نَتحدّثُ عَن تَغييرِ المُجتمعِ، إنَّما نَتحدّثُ عن تغييرِ السُّلطَة". نَحنُ فِي مجتمعٍ لا يَحترمُ المُثقّفَ ويَصبُّ عَليه جامَ الغَضبِ.. وكُلُّ مَفهومٍ تَحررِي، تَجديدِي، يُواجَهُ مِن قِبلِ السُّلطةِ الدِّينيةِ المَدعومةِ مِن السُّلطةِ السِّياسيةِ والمُتدخلةِ فِي الشُّؤونِ الحَميميةِ للشَّخصِ؛ فتَجعلُ من المُفكِّرِ مُلحداً، كَافراً، لا بدَّ من التَّخلصِ منهُ، والأَمثِلَةُ عَلَى ذَلكَ كُثر. وما تَزالُ هناكَ هُوةٌ بينَ المُثقّفِ والمُجتمعِ، لم يَستطعْ النُّزولَ إليهِ، ولم يَستطعْ أنْ يكتبَ بلغَةٍ سائلَةٍ تُوصلُهُ إليهِ.
- تَحدِياتُ السُّلطةِ السِّياسيةِ: عِندمَا زَجَّ مُوسولِينِي المُفكّرَ أنطونيو غَرامشي بالسِّجنِ قَالَ "يَكفِي أَنْ نُوقفَ هَذا العَقلَ عَن التَّفكيرِ" وفعلاً تُوفي بعدَ خُروجِهِ من السِّجنِ بفترةٍ قريبةٍ؛ نتيجةً لطُرقِ التَّعذيبِ التي كَانَ يَتعرضُ لها.
أمَّا الفَيلسُوفُ الفرنسِي مِيشيل فُوكو فِي كتابِهِ "المُراقبَة والمُعاقبَة" فيَرى: "أنَّ بَينَ السُّلطةِ والشَّعب عَقدٌ تُقدِّمُ لهُ الحِمايةَ ويُقدِّمُ لهَا الوَلاءَ والطَّاعَةَ هُو عَقدٌ غيرُ مكتوبٍ إنَّما مُنفَّذٌ".
ويرَى بأنَّ السُّلطةَ مَوجودةٌ في المُجتمعِ في المَدرَسَةِ والمُستشفياتِ وَالجَامعاتِ والسُّجونِ وأنَّها انتقلَتْ بتطبيقِ العُنفِ على العُقولِ والثَّقافاتِ والنَّفسياتِ، وبالتَّالِي فهِي تَحوّلَتْ مِنْ سِلطةٍ خَشنةٍ كانَت بالسَّابقِ تُسَيطرُ عَلى الأجسَادِ إلى سُلطةٍ نَاعمةٍ تُسيطرُ عَلى الثَّقافاتِ.
وعبدُ الرٍحمنِ الكَواكبِي يَرَى: "الحَاكمُ لا يُحبُّ أَنْ يَرى وَجهَ عَالمٍ أو مُثقّفٍ ذَكِي".
يَقولُ المُفكّرُ عَزمِي بَشارَة: "كلَّما زادَتْ الهَيمنةُ عَلَى الثَّقافةِ؛ تَقلُّ الحَاجةُ للسَّيطرةِ".
والسُّلطةُ السِّياسيةِ لا تَستعينُ بالسُّلطةِ الدِّينيةِ لردِّ أَذَى المُفكّرِ بل تَستَعِينُ أَيضاً بالعَامَّةِ للوقُوفِ فِي وَجهِ النُّخبِ المُفكرةِ وإدانتِها، وَمن رُؤيةٍ للنَّاقدِ والشَّاعرِ مِيخائيل نُعيمة: "إنَّ العلاقةَ المُثلى بينَ الأديبِ والدَّولةِ هِي ألا يكونَ علاقةٌ". واعتبر: "مِن حُسنِ طَالعِ الأدبِ أَن لا تهتمّ الدَّولةُ بهِ لأنَّها عِندمَا تَهتمُّ تُسخِّرُ الأدبَ لَأغراضِها الشَّخصيةِ وتَجعلُ من المُفكرينَ والأدباءِ أَبواقاً لهَا".
ومن آراءِ الشَّاعرِ والمُفكرِ الكَبيرِ أَدونِيس: "الثَّقافةُ العَربيةُ تُعلِّمُ الرِّياءَ والكَذبَ والنِّفاقَ وأنَّ النِّظامَ السِّياسِي يُوظِّفُ أَشخَاصَاً لخِدمةِ أَفكارِه، ويُؤسسُ لثَقافةٍ تَرتبطُ بخُطَطهِ".
أُسلوبُ المُفكِّرِ فِي طَرحِ أَفكارِهِ وردُّ السُّلطاتِ عَليه:
- لَم يَحفلْ سُقراط بكلِّ الاِنذارَاتِ التي دَعتهُ للبُعدِ عن عُقولِ الشَّبابِ فحُكِمَ عليهِ بالإعدامِ سُمَّاً.. لقدَ اختارَ المُواجهةَ وقدَّمَ حَياتَهُ مُقابلَ مُعتَقدَاتِهِ.
- أمَّا تلميذُهُ أَفلاطون فقد اختارَ المُهادنةَ والحِوارَ لتَغذيةِ الفِكرِ.
- واستخدمَ اِيفان كريلوف الرُّوسي الجَد أُسلوبَ الرَّمزِ في نَقدِهِ
- في العُصورِ الوسطَى في أُوربَا شَهدتْ حَالةَ اِصطدامٍ مَع السُّلطةِ وتَحدِيداً السُّلطة الدِّينيةِ.
- كُوبرنيكوس: عَالمُ الفَلكِ تَهيَّبَ فِي نَشرِ كِتابهِ التي رَفضتْ كلُّ المَطابعِ نَشرَهُ ولم تُنشرهُ إلا قبلَ موتهِ بقَليل.
- جوردان برونو: اختارَ المُواجهةَ مع السُّلطةِ وحُكِمَ عليهِ بالإعدامِ وأُحرِقَ فِي السَّاحةِ العَامةِ.
- غَاليلو: تَحدّى السُّلطةَ الدِّينيةِ وعِندمَا خُيِّرَ فِي المَحكمةِ بينَ المُهادنةِ والمُواجهةِ، اختارَ المُهادنةَ وأَنكرَ أَفكارَهُ وحُكِمَ عليهِ بالإقامةِ الجَبريةِ.
- عَبدُ الله بن المُقفع: فِي كتابهِ كَليلة ودُمنة التفَّ بنقدِهِ اللاذعِ بلسَانِ حَيواناتٍ، وقدْ قَبضَ عليهِ سفيان بِن مُعاوية والِي البُصرة وأمرَ بتَقطِيعِ أطرافِهِ عِضواً عِضواً وألقاهَا بالتَّنورِ حتَّى أتَى على جَسدِهِ كُلِّهِ.
- الرَّازي: اتهمَهُ الفَيلسوفُ الغَزالي بالكُفرِ بكتابِه تَهافت الفَلاسفةِ.
- حَسن البَصرِي: كَادَ يَعدَمُهُ الحَجاجُ بن يُوسف.
- ابن رُشد: رَأوهُ مُلحداً فأحرَقُوا كُتبهُ.
- جَمالُ الدِّين الأفغَانِي: هَاجمَهُ الوُعَّاظ وأئمةِ المَسجدِ حتَّى اضطرَ لمغادرةِ الأَستانة.
- عَبدُ الرَّحمن الكَواكبِي: عَانى مِن مُضايقاتٍ عَديدةٍ مِنَ السُّلطةِ العُثمانيةِ.
- عَلي عبد الرَّزاق: انتُزِعَتْ شَهادتَهُ العلميةِ وأَوقفُوا رَاتبَهُ.
- نَاصر حَامد أبو زِيد: اُعتبر مُرتدَّاً وطَلَّقوهُ من زَوجتِهِ فاضطرَ للجوءِ إلى هُولندَا.
-عَلي شَّريعتي (الإيراني): حُكمَ عليهِ 18 سنة بالسِّجنِ بتُهمةِ الزَّندقةِ ونُفِي إلى لُندن ومَاتَ مَقتولاً فِي آخر السَّبعينياتِ.
- وأَخيراً نَوال السَّعدواي التي عُنِّفتْ اجتماعيَاً ونُبذَت وحُرمتْ مِن المُشاركةِ فِي المُؤتمراتِ الثَّقافيةِ الحُكوميةِ.. وحتَّى بعدَ وَفاتِها عُنِّفتْ مِن العَامَّةِ.
الأمثلةُ كَثيرةُ بكثرةِ مُفكّرِينَا ولكنْ ما قَدمتهُ نُموذجاً لطريقةِ التَّعاملِ مِن قِبلِ الطَّرفين.
فهل الثَّقافةُ جزءٌ مِن الأَزمةِ أم هِي الحَلُّ؟ هَل دَورُ المُثقَّفِ غَائبٌ أم مُغيَّبٌ؟ ثمّ لماذا المُثقَّفُ يَضعُ نَفسَهُ دائماً فِي مَوقفِ المَقهورِ ويَنتظرُ من يُخلِّصُهُ؟ إلى مَتى سيقفُ المُثقَّفُ بينَ مِطرقةِ السُّلطةِ وسِندانِ العَامَّة؟ وهَل المطلوبُ مِن المُفكرِ المُواجهةُ أم المهادنةُ؟ هَل المَطلوبُ منهُ الانتِحَارُ مِن أَجلِ مَواقفِهِ؟
هذِهِ الأسئلةٌ وسِواها قَيدُ الإجابةِ حتَّى إشعارٍ آَخَر.

