في مقالتين سابقتين كتبت بعنوان "من الذي عليه توحيد اليسار الفلسطيني؟" و "اليسار هوية كفاحية أولا". وختمت الثانية بشعار نحو بناء يسار عروبي كفاحي. إنني أطرح هذا الباب لنقاش المهتمين: من هم المهتمون؟ هم الذين خبروا الحالة العربية بفهم عميق ولا يرضوا عن الحال القائم؛ هم الثوريون الذين يحلمون بوطن عربي حر ومستقل ومتكامل البنيان الاقتصادي الاجتماعي، وجماهيره تعيش حياة كريمة وتستطيع الحصول على مستلزماتها وكل الخدمات الأساسية بيسر وسهولة؛ هم الذين يناضلون من أجل وحدة الأمة وتطهير البلاد من كل أشكال النفوذ الأجنبي الغاشم، وتطهيرها من كل عملاء الاستعمار ومطاياه الذين يمسكون رقاب الناس ويذلوهم خدمة للأجنبي وخدمة لبقائهم؛ هم الذين يصرون على أن خيرات الوطن والأمة هي من حق الجماهير الشعبية صاحبة المصلحة في وطن حر واقتصاد مستقل، يقوم على إنتاج الخيرات المادية التي يتوجب إنتاجها محليا بديلا عن سلطة وسيادة الكومبرادور ومفسداته كلها، وتأمين الاحتياجات الضرورية للبلاد عبر علاقات متكافئة لا إذلال فيها وبدون وساطة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وشروطه.. هؤلاء الذين يرون أن الاشتراكية هي المستقبل ومرحلة تاريخية لصالح الطبقات الشعبية من العمال والفلاحين وعموم الشغيلة والباعة والكسبة ومن يساندهم وينتمي إلى مصالحهم بشكل جذري؛ هؤلاء الذين يرون أن الاشتراكية هي مستقبل الشعوب وهي الدواء الشافي من كل استغلال ومن كل اضطهاد. إن الوطن العربي وكونه في أغلب نواحيه خاضع للنفوذ الأجنبي ولحكم طبقات استغلالية وأداة لحكم الأجنبي، إنما هو بحاجة لثورة تحررية تنهي النفوذ الأجنبي وحكم الطبقات الرجعية الممثلة بحكومات عميلة وخاضعة وتتضطهد شعوبها، طبقات الريع والكومبرادور من البرجوازية المالكة والوكيلة وما يتبعها من جهاز دولة تستبد وتعزز بقائها، ومعها كل منظومات الفكر الرجعي وثقافة الاستسلام والخنوع؛ ثورة تنهي القسمة الأجنبية وما ارتبط بها من سياسات ومعاهدات مذلة للشعوب؛ ثورة تجهز على القوى السياسية والأدوات التي تعزز ال قطر ية والخضوع للأجنبي ومسايرة أنظمة الحكم الرجعية؛ ثورة تجهز على تمكن الأجنبي من الثروات بكل أشكالها التي يتحكم الأجنبي بها استخراجا وتسويقا.. الثروات التي يمنع العدو من التوجه للاستفادة منها وتنميتها لمصلحة الشعوب، ويمنع كل سياسة تنموية محلية ارتباطا بمصالحه في السوق الدولية؛ ثورة تضع نصب عينها تأميم النفط والغاز والثروات المستخرجة من باطن الأرض والبحار والتحكم بها وبعوائدها لصالح الأمة وكل تكوينات المجتمع العربي من المواطنين الأحرار؛ ثورة تخطط لتنمية على أسس كفيلة بضمان التنمية واستثمار الطاقات المادية والبشرية لصالح الجماهير الشعبية؛ ثورة تكنس كل مخلفات الاستعمار العثماني والأوروبي وبقايا المجتمعات القديمة وتنقل البلاد إلى الحداثة حرة أبية قادرة على إدارة نفسها بنفسها؛ ثورة تقودها قوى التحرر الوطني والاجتماعي وبقيادة ثورية مخلصة لهذه الأهداف وتقوم بالثورة حتى نهايتها المظفرة، وتقطع نهائيا أية حبل سري مع الاستعمار وخدمه في المنطقة، وتقيم علاقاتها وتحالفاتها مع الدول والشعوب بندية واحترام متبادل لا خضوع فيه. لقد تمكنت أنظمة الحكم في بلدنا من ضبط حراك القوى السياسية ومواقفها بما ينسجم مع بقاء هذه الأنظمة وتمكنت من إخضاع بعض الاحزاب، ومطاردة البعض الآخر واختراقه، وقمع البعض الآخر وتجليس البعض. إن كثيرا من القوى السياسية ترى من بقائها في الصورة غاية المراد وهي وإن رفعت بعض الشعارات القريبة مما هو مطلوب إنما لاستخدمات بقاء القيادات التي تعفن أغلبها، وقوى اليسار لم تعد قوى يسار ثوري كفاحي كما تتطلب الظروف الموضوعية سواء في الهوية أو الممارسة وحتى في الشعارات.
إننا لا نكاد نرى أي انجازات بالمعنى التاريخي لمختلف أحزاب اليسار العربي وهي إما تقاعست أو صفقت؛ فإنجازات التحرر الوطني بمقدار ما حصلت في الواقع كاملة أو منقوصة، قامت بها البرجوازية الصغيرة ودون مشاركات تذكر من أحزاب اليسار في الجزائر والسودان و مصر والعراق وتونس وغيرها، والكثير من البلدان صنّعتها بريطانيا وصنعت حكامها واستقلالها المشبوه كما دول الخليج والأردن ولبنان. كما أن تصفية الإقطاع وتوزيع الأرض على الفلاحين في البلدان التي قامت بذلك كان بفعل حركات تزعمها الجيش كما في مصر والعراق وسوريا وغيرها، أي قامت بها البرجوازية الوطنية وهذه مهمتها طبعا، وأنجزتها وفقا لرؤاها هي وبحدود آفاقها. إن هذا يفتح الباب على ضرورة وضع البرامج الثورية التي تستجيب للتحرر السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وهنا أضيف للأهمية البالغة التحرر الثقافي بما يتناسب مع مصالح الأمة في المحطات الثورية المختلفة والمتعاقبة.. كما يفتح الباب على التحالف مع القوى (إن وجدت) في كل محطة وفق متطلباتها وضروراتها.
في الماضي كانت البرجوازية الوطنية هي التي تتزعم الدعوة والقيادة والممارسة للتحرر الوطني، وكان يمكن أن يطلق على البرجوازية القائدة في هذه الحالة "البرجوازية الوطنية" وكانت نسبيا مخلصة لدورها ولوطنها. عندما نبحث اليوم، فإن البرجوازية الوطنية في علب العرائس أيام زمان، والطبقات السائدة والمتحكمة تخلص لمصالحها وتبعيتها أكثر بكثير من إخلاصها الوطني؛ فالقوى المتحكمة الخارجية والداخلية لم تكن تلعب بل خططت ونجحت وأيدت الفساد والإفساد.. كيف يمكن لقوى وطنية أن تستدعي الأجنبي لتدمير بلادها وتكون وطنية حقا؟!
نموذج صغير عاشته فلسطين قبل أوسلو وبعده ولنقل بعد أوسلو: كان النهب والفساد أمام الجميع وتحول رجال سلطة أوسلو إلى نهابين واستفادوا من الخاوات والمال العام وأصبح لهم ممتلكات وعقارات ووزعت عليهم الوكالات التجارية بمختلف أشكالها وأهميتها وتنوعها، وتحولت نسبة ملموسة منهم مباشرة أو بواسطة أقاربهم إلى وسطاء تجاريين ولهم مستفيدين من موظفي السلطة وخارجها، وأصبحت مصالحهم مع الاحتلال أهم من المصالح الوطنية، وقد توج ذلك بالتنسيق الأمني ليس كوظيفة فحسب، بل هم أنفسهم أصحاب مصلحة أنانية فيه ويؤيدوه بأنه مصلحة وطنية عليا لا مندوحة عنها، وهذا النموذج هو وصفة تمت بنجاح كما هو في معظم البلدان. كما أن وصفة الطائفية في العراق ومعها أكبر أشكال الفساد وأكثرها انكشافا والبلاد تضيع وثرواتها تضيع والبلد مقسم طائفيا ومذهبيا وجهويا وقبليا وعرقيا، وتمزّقه الاستعصاءات والولاءات، ولا من يرفع الصوت أو يعلق الجرس.
ونموذج آخر على غياب قوى المستقبل هو السودان الذي يحترق بكل أشكال الحرائق، بينما الشعارات المرفوعة هي تبديل زي الحاكم من عسكري إلى مدني وإجراء انتخابات؛ رغم الاستعصاءات الهائلة التي تتربع عليها ما يسمى بقوى التغيير، ودون يقين أن هذا التغيير سيخرج السودان من أزماته المركبة، ولا توجد قوى تقدمية تتفاعل مع المحيط الملتهب وتستقطب الجماهير نحو أهداف ثورية. هناك من طرح عليّ أن تكون الحركة اللازمة حركة قومية وشعاراتها قومية؛ لا بأس من حركة كهذه، ولكن بوصفي يساري باق على يساريته، فإنني أدعو لمناقشة تأليف حركة يسارية تلتزم بالنظرية الثورية الوحيدة المتسقة حتى النهاية والمنهج المادي الجدلي والثورة الاشتراكية، وهي التي تلبي مصالح الجماهير الغفيرة من الطبقات الشعبية العمال والفلاحين الصغار والمثقفين الثوريين ومن يتبع هذا النهج ويتقاطع مع أهداف الأمة. (يتبع)

