Menu

إلى أين تتجه الأزمة في الكيان؟

كميل أبو حنيش

تكاد استطلاعات الرأي التي تحاول التنبؤ بنتائج الانتخابات القادمة في "الدولة العبرية"، والتي يجري تنظيمها للمرة الخامسة على التوالي في غضون ثلاثة سنوات ونصف، تعيد استنساخ ذات النتائج في الخريطة الحزبية والسياسية، وتحديداً بين المعسكرين المتصارعين على السلطة، طوال السنوات الماضية، مع انزياحات طفيفة هنا وهناك، وظهور واختفاء أحزاب جديدة، مع بقاء التوازن قائماً بين المعسكرين، من دون حسم واضح لأيٍ منهما، بما لا يسمح بتشكيل حكومة مستقرة، أو حتى من دون إيجاد تحالفات ثابتة من شأنها أن تكسر حلقة الأزمة التي تمر بها "دولة" الكيان في السنوات القليلة الماضية، الأمر الذي يكشف عن استفحال هذه الأزمة المركبة التي تعايشها الدولة والمجتمع على حدٍ سواء.

فهذه الأزمة – وإن بدت – في ظاهرها تتمحور بين المعسكر المؤيد لنتنياهو وبين المعسكر المناوئ له – غير أنها أيضاً- تكشف النقاب عن الأزمة البنيوية الشاملة بين مختلف المكونات السياسية والاجتماعية والطبقية والأيديولوجية.

لقد فشلت "الدولة" العبرية بعد مرور أكثر من سبعين عاماً على إنشائها في خلق "الشعب اليهودي" أو "القومية اليهودية" أو المجتمع "اليهودي" المتجانس، وتهاوت أسطورة بوتقة الصهر؛ إذ أظهرت هذه العملية التجريبية واقعاً مغايراً، وحلت محلها التعددية الثقافية، بما تنطوي عليه من تناقضات وصراعات متعددة، وهو ما سمح بانتقال هذه التناقضات إلى الساحتين الحزبية والسياسية، ويمثل هذا الخلل أحد مظاهر الأزمة القائمة حالياً، وهو ما يمكننا وصفه بأزمة الهوية.

وثمة مظهر آخر لهذه الأزمة يتمثل بارتفاع حدة الاستقطاب بين مكونات المجتمع: (الاشكناز – الشرقيون – الروس – الأثيوبيون – العرب- العلمانيون – المتدينون – الأثرياء والفقراء...الخ)، مع أن الصراع السياسي حالياً يتمحور بين المكون الاشكنازي الذي ما يزال يهيمن على الدولة ومؤسساتها، فهذا المكون المنقسم عامودياً وأفقياً، لم يسبق له أن شهد انقساماً وصراعاً على هذا النحو من التشظي والتدهور السياسي، واختفاء الأحزاب الكبيرة أو اضمحلالها لصالح الأحزاب التي تقوم على الأشخاص حتى باتت هذه الظاهرة الأكثر بروزاً في المشهد الحزبي (ييش عتيد – لبيد، يسرائيل بيتنا – ليبرمان، تكفاحدشاة ساعر، كحول لفان  – غانتس...)، علاوةً على حزب الليكود الذي يقوده نتنياهو والذي حَوّله إلى اقطاعية خاصة.

ويمثل الاقتصاد وتزايد معدلات تمركز الثروة، وتزايد معدلات الفقر وجهاً آخر لهذه الأزمة، حيث يرتبط حزب الليكود بمراكز رأس المال "الإسرائيلي" والعالمية، ويؤثر مصالحها على مصالح الطبقات الفقيرة والمتوسطة، وهو ما ألحق ضرراً فادحاً بهذه الطبقات نتيجة للسياسات الاقتصادية النيوليبرالية التي انتهجتها الحكومات التي رأسها نتنياهو في العقد الأخير، مما سمح بظهور أحزاب وشخصيات ركبت موجة الاحتجاجات على الواقع الاقتصادي والاجتماعي، ولكنها سرعان ما كانت تتحالف مع نتنياهو ومعسكر اليمين، كما كان عليه الحال مع فقاعة موشي كحلون التي ظهرت سريعاً، وانطفأت سريعاً، وهو ما جعل من الأزمة الاجتماعية عنواناً هامشياً في المبارزات الانتخابية.

أما التهديدات الأمنية وعلاقات "إسرائيل" الخارجية وملف التسوية مع الفلسطينيين، فقد احتلت مكاناً هامشياً ولا نكاد نلحظ لها أثراً في سلسلة الانتخابات السابقة وحتى الحالية، وهو ما يميز الأزمة السياسية الحالية عن سائر الأزمات السابقة.

ويمكننا القول أن الأزمة السياسية الحاصلة في معارك الانتخابات الخمسة الأخيرة، هي أزمة قيادة بامتياز. وهي أزمة غير مسبوقة عنوانها الصراعات الشخصية على قيادة الدولة بحيث يضع اليمين، نتنياهو في كفة والدولة بأكملها في كفةٍ أخرى، فيما يبدو في المعسكر الآخر أكثر من طامحٍ لوراثة نتنياهو: بينيت ولبيد وليبرمان وغانتس وساعر، وهو تنافس غير مسبوق في ضوء إخفاق هذا المعسكر في الاتفاق على شخصية محددة لتنافس نتنياهو.

وبغض النظر عن نتائج الانتخابات القادمة التي من المرجح أن تعيد ذات لوحة الانتخابات السابقة؛ يبقى السؤال الهام والمعلن: هل ستبقى المنظومة العربية والفلسطينية في حالة انتظار لما ستسفر عنه نتائج الانتخابات "الإسرائيلية"؟ وما هي البدائل الأخرى التي يمكننا اختيارها بدلاً من الانتظار؟

إن هذه الحالة المتأزمة في "دولة" الكيان، ينقصها لاعب تقليدي ومؤثر، هو اللاعب الفلسطيني، الذي كان حاضراً في المشهد الانتخابي وبقوة؛ بيد أنه في السنوات الأخيرة لم يعد يفرض مثل هذا الحضور؛ بسبب الضعف والعجز والانقسام والارتهان للحلول الخارجية.

يتعين علينا كفلسطينيين أن نجزع لأننا مغيبين تماماً عن المشهد الانتخابي؛ لذا ينبغي أن نستعيد تأثيرنا السياسي والنضالي لكي نبقى في وعي الآخر الصهيوني، ونَقِضّ مضاجعه ليل نهار.