Menu

الشعر المسرحي في الأدب المصري المعاصر

عطا درغام

مع بداية ظهور الحركة المسرحية كان الشعر هو لغة المسرح الأولي، فمن ثم كان يحرك انفعالات الجماهير، ويوافق حاجاتهم الدائمة إلي مفرج قوي، ومطهر لآلامهم المكبوتة، كما كان مرآة تحاكي ما تزخر به النفوس من أشواق، ومن يُراجع أعمال الدراما الإغريقية لمس ذلك.
وربما كان دليلًا علي فهم الأقدمين لطبيعة المسرح الشعرية أنهم لم يقصروا الشعر علي التراجيديا كأسلوب موائم للغة البطل النبيل في كارثته، بل إنهم كتبوا الملهاة بوزن من أوزان الشعر كذلك لبطل من عامة الشعب.     
الفعل ليس جليلًا من جنس أفعال المآسي، بل إنه ليس مؤهلًا حقيقة للتسامي كي يوظف له الشعر، بقدر ما هو موجه لتحميل مضامين السخرية والزراية والشواهد كثيرة في أعمال أريستوفان الإغريقي وبلوتس وتيرنس الرومانيين.
ولقد ظل الشعر المسرحي قويًا، دالًا على نفسه لقصائد حتى وهو في مكمنه يعاني انكماشه في أوربا في العصور الوسطي عندما استهجن القسيسون تمثيل آثاره القديمة؛ لأنها تعبر عن حضارة وثنية مارقة.   
فلم نعدم أن نجد راهبة (تغافل الرقباء) وتستخرج من إحدى الخزائن مخطوطًا لتيرنس وتقرؤه، وتخط أناملها بعض صفحات من الحوار المسرحي- في محاولة لمحاكاته- لم تكن من الأهمية بمكان، لكنها شارة على التنبيه لأهميته ودليل على مقدرته على الوجود. ثم لقد حدث أن فاقت أوربا من حناديس الظلام، وشرحت كتاب الشعر لأرسطو بعدما تراكم عليه غبار الزمن، وكان المسلمون قد سبقوها إلي ترجمته، وابتدأت أوربا عصر النهضة بالاختلاف إلي الإنسانيات، وما كانت الإنسانيات إلا التراثين الروماني والإغريقي، عادت إليهما تبعثهما من جديد، وتدرسهما في جامعاتها الوليدة، وأن الشعر لأهم مصنفاتها.   
ومرة أخري وضعت للشعر المسرحي أصوله، وظهر شعراؤه وجمهوره ومحبوه بل ومقننون له وقضاة أمناء على هذه الأصول، حتى انهم أدانوا من يحيد عنها.. ولقد عرفنا أن المذهب الكلاسيكي متضمنًا الاستنباطات الأرسطاليسية من أعمال رواد المسرح الإغريقي.    
وعرفنا من الشعراء "كورني" و"راسين" اللذين استطاعا في إطاره أن يعبرا بشعرهما المسرحي عن ظاهرة كانت تميز عصرهما النبيل، هي ظاهرة الصراع بين الواجب والحب، بما يستتبعها من حاجة إلى التوفيق بينهما.. وهذا أملي الشعر التقليدي ذا الأبيات الطويلة والحوار المتاني والمونولوجات الوفيرة المتجهمة والمتجهة إلى أعماق النفس البشرية المجردة درسًا وتحليلًا.
وكانت الظاهرة الشكسبيرية في إنجلترا مظهرًا قويًا من مظاهر البعث، ولقد تقيد شكسبير بقواعد أرسطو وانفك غالبًا عن هذه القواعد. وامتلك الشاعر النابغة القدرة علي النفاذ إلى لب الأشياء، بل إلي النفس البشرية عامة؛ فجمع في مسرحه نماذج حية من البشر ساعدت على حياة المسرح الشعري وخلوده، لا سيما أن النبلاء والسوقة يتلاقون في هذه النماذج، وكذلك الأساليب المتعددة لنظام الكلام؛ فثم الشعر المقفى الغنائي والمرسل المنطلق والنثر، حسب الموقف ووفق المرتبة. ثم إن المسرح الشعري بعد ذلك قد وقف ساكنًا إذ وقع في شرك شكسبير؛ فأصبح من الصعب بالنسبة للشعراء الجدد الإفلات منه، أو خلق دراما شعرية ناحية من نفوذه أو من التأثر به، ودخل في تحد مع النثر إثر دعوة محاكاة الحياة التي تستدعي إنطاق الشخصيات كما تتكلم في حياتها اليومية، والغريب أن زارعي هذه الدعوي في البدء كانوا هم الرومانسيين الذين يفهم عنهم أنهم يميلون إلى الخيال والعاطفة الخصبة.     
وحل المسرح النثري محل المسرح الشعري منذ أواخر القرن التاسع عشر عندما هذب النثر، وأصبحت الحاجة ملحة لمعالجة المشكلات الاجتماعية؛ فإذا بإبسن وإسترندبرج وبرناردشو وتشيكوف آخرون يوطدون دعائمه، مما عد نكسة للشعر المسرحي في المسرح الأوربي، إلا أن دعوى العودة بالمسرح إلى طبيعته الأولى الشعرية التي تحقق بها مولده، والتي ينبغي أن يظل عليها لم تخفت؛ لقد نهض شعراء أمثال بيتس وبريخت ولوركا وغيرهم بعبء محاولة إحياء الشعر المسرحي، فاستثمر بيتس التراث الإيرلندي في ذلك.
وابتكر بريخت قواعد يعارض بها قواعد أرسطو فيما يؤثر عن بريخت باسم المسرح الملحمي؛ فكتب مسرحيات أخاذة ترجمت ومثلت فضلًا انها نبهت الأذهان إلى ضرورة المسرح الشعري، وإلى حقيقة أن النثر لا يمكن أن يقف معه على صعيد واحد، أو يفجر طاقات يفجرها الشعر، أو يوفر مذاقه، أو يوفر بما يحققه من نشاط، وبما يحركه من اجناس الشعر المختلفة.    
وأسهم الشاعر الإسباني لوركا إسهامًا عظيمًا في إنهاض المسرح الشعري؛ فاستغل التراث الشعبي الإسباني، واستثمر ما يتناثر فيه من أهازيج شجية وأغان طلية مثل أغاني المهد، ومجسمًا حالة المرأة في إسبانيا وضعف حيلتها؛ فملأ بألوانه الحالمة فراغًا جسيمًا ممتازًا بأسلوبه عن أسلوب شكسبير.
وجرت محاولات متعددة أخري لترسيخ أقدام الشعر المسرحي، إلا أن المحاولة الناجحة حقًا هي تلك التي بذلها الشاعر الناقد الإنجليزي ت.س. إليوت، حن رأى أن يقترب بالحوار الشعري من لغة الحياة اليومية ومن توقيعها، حتى يتقبله الجمهور الحديث إلى درجة اضطر فيها أن يخلي الشعر في كثير من الأحيان شاعريته ويدنو به من النظم.  
وإذا كانت بلادنا قد عرفت المسرح بمجهودات مارون نقاش وصنوع وتوفيق الحكيم؛ فإنها لم تعرف الشعر المسرحي في شكله الأدبي مهما تنوعت الأقوال عن ذلك إلا عن طريق الشاعر أحمد شوقي.  لقد اتجه شوقي إلى فرنسا في بعثة أوفده بها الخديوي لتلقي دراسة القانون؛ فتوفر على المسارح الفرنسية وتعلم الكتابة المسرحية، وكتب عندئذ مسرحية "علي بك الكبير"، وأرسلها للخديوي الذي تجاهلها حين كان لا يفهم الشعر إلا أن يكون قصيدة مديح تشبع شوقه للعظمة.  
وعاد شوقي إلي مصر، حيث ساعدته الظروف علي ابتعاده عن القصر وانغماسه في الشعب؛ فبدأ كتابة الشعر المسرحي وأعاد صياغة علي بك الكبير، على أن التوقيت الدقيق لميلاد المسرح الشعري في بلادنا هو نشر شوقي لمسرحية "مصرع كليوباترا" سنة 1927 والتي توالت بعدها مآسيه الأربع الشعرية، متأثرًا فيها خطى شاعري القرن السابع عشر الفرنسيين "كورني" و " راسين"، وكذلك مترسمًا آثار شكسبير ومتخذًا من الصراع بين الواجب والحب موضوعًا؛ على أن شوقي لم يكتب المأساة فحسب، بل كتب ملهاة جعل بطلتها من أفراد الشعب مستوحيًا الكاتب الكوميدي "موليير"، وهذه الملهاة "الست هدى".  
غير أن هذا الاكتساب الحضاري قد تراجع بموت شوقي سنة 1932، إلا أن الفيض قد امسك بأرضه، فد ظل متصلصًا بتحول عزيز أباظة من شاعر غنائي تخصص في الرثاء إلي شاعر مسرحي يكتب بأسلوب قريب من أسلوب شوقي، ويعبر عن نفس الصراع الدائر في النفس البشرية بين الحب والواجب، هذا إلى جانب ابتعاد الأمجاد العربية والإسلامية، والمسح الشامل لأسباب الانكسارة القومية التي ألمت بهذه الأمة؛ فلقد فاجأ عزيز الجمهور المصري بأول مسرحية شعرية له وهي "قيس ولبنى" سنة 1943، ثم توالت مسرحياته بعد ذلك على فترات من الزمن.     
لقد طرح التطور مسألة الشكل كسؤال ملح يحتاج إلى إجابة انبعاثًا من أن القالب التقليدي، الملائم للتطريب لا يصلح لمواقف المسرح المتعددة والذي اختلفت وظيفته، وربما كان الشاعر علي أحمد باكثير هو الذي نهض بالإجابة علي السؤال بصورة جادة حين ترجم "روميو وجولييت" في شعر مرسل منطلق لا يتقيد بروي أو بوحدة البيت، ثم اتبع هذه الترجمة مسرحية شعرية من تأليفه "إخناتون ونفرتيتي" التي كتبها وفق تفعيلة قريبة التوقيع من توقيعات النثر هي تفعيلة البحر المتدارك من بين البحور التي تتشابه تفعيلاتها. ثم لقد رسخ الشاعر عبد الرحمن الشرقاوي الشكل الجديد حين كتب "مأساة جميلة" عن موضوع عصري هو نضال فدائيي الجزائر؛ معتمدًا على وحدة التفعيلة لا البيت، ومستطيعًا أن يدير حوارًا في حدودها يقصر أو يطول مشابهًا للمحادثة اليومية، على فرض أنها تفصحت فقدر للتيار الجديد أن يتغلب. ولقد غذاه الشرقاوي بمسرحياته الأخرى التي انتهج لها الواقعية الاشتراكية، خارجًا على التيار التقليدي الذي احتفل بالصراع بين الواجب والحب، وعلى الرغم من ذلك التجديد ظل الإنتاج المحافظ موازيًا له، يمونه عزيز أباظة بين الفينة والفينة وله جمهوره الذي يقرؤه، إن تعذر أن يري أعماله ممثلة على المسرح.  
ثم إن صلاح عبد الصبور قد استطاع في حدود الشكل الجديد أن يرتفع بالمسرح الشعري إلى مستوي يحقق ما يصبو إليه الشعراء الأوربيون من بعث للدراما الشعرية الحديثة، حين وفق صلاح عبد الصبور إلى الشعر الخالص في إطار الموضوع المعاصر، متوسلًا لذلك بحالة من الشاعرية يضفيها على شخصياته رمزية أو أسطورية، مما قربها إلى تعقل الجمهور وتصوره للغتها المجنحة، وإن ظل جمهور مسرحياته محدودًا ولكنه يرهص بإمكان العودة بالمسرح إلى نهج الشعر لإخصاب الحياة عامة ولغزو مناطق من اللاشعور لا يتوصل إليها النثر.    

وفي هذا المجال، جاءت دراسة الدكتور كمال محمد إسماعيل إلى دراسة الشعراء المسرحيين المصريين الأربعة الذين ورد ذكرهم، فخصص لرائد المسرح الشعري وهو شوقي فصلًا درس فيه أعماله المسرحية الشعرية علي ضوء المذهب الكلاسيكي الذي برز فيه "كورني" و "راسين"؛ مسترشدًا بقواعد المذهب الرومانسي التي أرساها "فيكتور هوجو" وزملاؤه وغير قاطع تقديري لانسلاخات الشاعر المحلية عنهم، وجاءت الثلاثة فصول الأخرى للشعراء الثلاثة التاليين له ،والذين جمعوا بين سلامة اللغة وتوفير الفعل المسرحي مع تفاوتهم فيما بينهم وتباينهم في الأداء وهم: عزيز أباظة، وعبد الرحمن الشرقاوي، وصلاح عبد الصبور.      
ويذكر الكاتب أنه استثمر في فهم أعمال صلاح عبد الصبور مذاهب عدة منها الكلاسيكي ومنها الواقعي، والرمزي واللامعقول، وخاصة لا معقول "يوجين يونسكو" وقد اتخذ عناوين فرعية جانبية داخل الفصول تختلف أو تتشابه في فصل مع عناوين الفصل الذي يليه. وقد اتخذ من الاختلاف والتشابه وفق تركيز اهتمامات الشعراء المذهبية مراكز الثقل لدي كل شاعر علي حدة، أو عند كل شاعرين متفقين في المذهب والوجهة؛  فقد خصص عنوانًا للصراع مثلًا عند شوقي، وكذلك عند عزيز أباظة، لغلبة هذا العنصر في أعمال الكلاسيكيين وجوهرهيته واستهدافهم إياه. وهذا أيضًا بالنسبة للوحدات والفصل بين الأنواع ولعزل الغناء عن الفن التمثيلي، ثم اللون المحلي الذي جعلته يلتصق بالحبكة، من حيث قصد كل من الشاعرين الأولين إلي تمجيد الوطن أو القومية في شخوص أبطالهما أو لاستحياء جزء عزيز من التراث أو مهان منه، كمطلب أساسي قبل أن تكون الدراما هي ذلك المطلب ثم جعل الكاتب عنوانًا مستقلًا لدراسة الشعر واللغة في توافقهما مع المسرح أو انشعابهما.     
أما عند عبد الرحمن الشرقاوي، حيث تبرز الناحية التعليمية؛ فخصص الكاتب عنوانًا بهذا الاسم إلى جانب مناقشة الالتزام بالوحدات وغفل عن مناقشة الموضوعات الأخرى التي التزم بها في أعمال المسرحيين الأولين، والتي تقلصت أهميتها في المذهب الواقعي ثم تحليل المسرحيات، حيث لاحت بشائر الدراما.  
وفي مسرحيات صلاح عبد الصبور لم يلتفت الكاتب إلى المقصد ووسائله حيث انطفأت الناحية التعليمية المباشرة واتخذت الرموز مسلكًا، وانتهج تحليل المسرحيات مباشرة دون الاهتمام بمناقشة قواعد الوحدات الثلاث؛ حيث إنها ليست ذات بال في المسرح الرمزي أو اللامعقول؛ إذ تتخذ المسرحية قواعدها الموضوعية والزمانية والمكانية من داخل العمل نفسه، ومن تواصله دون اللجوء إلي القياس المكاني أو الزماني الخارجيين.
ويُشير الكاتب أنه أثناء دراسته لمسرحيات الشرقاوي وعبد الصبور نحا إلي الاهتمام بالفكرة وبرؤية رسم الشخصيات وتحريكها وتطوير الحدث، وأنه رجع إلى بعض الحقائق التاريخية عندما تكون في علاقة شديدة بشخصية حساسة، وإن انصب اهتمامه على دراسة طبيعة الشعر وتنوعه وتوافقه مع الفعل وأدائه الموسيقي وإساغة الجمهور له، وسبر غور طبيعة اللغة المستخدمة.