Menu

هوامشُ على حالةٍ ثقافيّةٍ منقسمة

أحمد مصطفى جابر

نشر في العدد 40 من مجلة الهدف الرقمية

-1-

ما الثقافةُ؟ أجزمُ ألّا أحدًا يملكُ تعريفًا وافيًا جامعًا جازمًا، خارجَ ما درج في التعريفات الأكاديميّة، لكن ما من شكٍّ أنّها تتجسّدُ عاملًا حيويًّا مؤثّرًا في حياة الأمم والشعوب والأفراد؛ وهذا العاملُ لا يقبلُ الجمودَ والثباتَ على نمطٍ واحد، بل تنبعُ أهمّيته من ديناميكيّته وتغيّره مع المجريات التاريخيّة التي تتعرّض لها الشعوبُ والمجتمعاتُ والحيواتُ الشخصيّة أيضًا، ولذلك من البدهي أن تختلفَ الثقافة من مجتمعٍ إلى آخر، ومن جماعةٍ إلى أخرى ضمنَ المجتمع الواحد. كونها ليست مجموعةَ مكوّناتٍ ثابتة، تصلحُ لكلّ زمانٍ ومكان، بل هي متطوّرةٌ ومتغيّرة، ولا أبالغ إن قلت إنّها متردّدةٌ ومتعثّرةٌ أحيانًا، وهي - وإن كانت تشكّل في كثيرٍ من الأحيان الإطارَ الجامعَ الذي يحدّد مواقعَ البشر ومواقفهم من أنفسهم ومن العالم - ليست لغةً أو أدبًا أو فنًّا أو فكرًا مجرّدًا، بل هي كلُّ هذا وأكثر منه في سياقٍ تاريخيٍّ يتحدد بالظروف التاريخية، والقيم المادية والمعنوية التي تنمو وتتبلور في سياقٍ مخصوص، إنّما هي هُويّة الشعب (شعب نحدد بالذات) التي خرجت منه وتنتمي إليه وكوّنت شخصيته. كما أن صمودها في وجه العواصف إنّما هو صمودٌ لهوية الشعب ودفاع عن شخصيته وتاريخه من جهة، وربما تكون أيضًا تعبيرًا عن تناقضاته وتعثره واسترخائه الكسول في حالاتٍ أخرى.

-2-

إنّ إطلاق إبداع الشعب وتفجير مكنوناته الروحية والمعنوية لا يجب أن يكونا رهينة لإرادات "منظور الأنف" الضيّقة التي تريد من المثقف التطبيل والتزمير لفكرة أو موقف، ولا أن ينتج المبدعون أعمالهم كآلات تحركها السلطة السياسية أو المادية أو الاجتماعية المسيطرة لتأكيد صحّة مواقف تياراتها وأصحابها. وبديهي إنّ تطور (بمعنى نضوج وسطوع) الثقافة والفن والإبداع إيجابيا لا يستقيم مع التأطير المسبّق والخضوع لأهداف المشتغلين بالسياسة، بل وظيفته هي إضاءة وكراقبة وكشف ونقد وتحفيز القيم والقدرات الكامنة.

-3-

وضمن السياق أعلاه، نلحظ عمق الأزمة التي ما زالت تلم بواقع الثقافة الفلسطينية عبر مراحلها التاريخية الماضية ولا سيما منذ مسار أوسلو ووصولا إلى الانقسام السياسي (فليسمه القارئ ما يشاء)، وحتى الآن، حيث بات الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج يواجه شبح الفرقة والتمزق في ظلّ غياب المؤسّسات الوطنية الجامعة، ومنها المؤسسات الثقافية.

والسؤال البارز هو كيف أسهم الصراع الأيديولوجي والسياسي الفلسطيني - الفلسطيني في إضعاف الهوية الثقافية الفلسطينية وإهمال الفكر والثقافة (إن سؤال أي فكر وأي ثقافة هو مشروع تماما ومستحق الإجابة برأي الكاتب) على حساب السياسة؟ وكيف تبلور هذا في زمن الانقسام خصوصاً؟

لقد أثبتت السنوات الماضية أن طرفي الانقسام ليسا في الحقيقة سوى صورة مرآة لحقيقة لا عقلانية واحدة، متمركزة على الذات لا ترى إلا نفسها في سياق مشوه تعمل جاهدة للملمة شتاته واصلاح عيوبه التي تزيد ولا تنقص، والفلسطيني اليوم، ليس فقط على المستوى الثقافي أو الجغرافي المحدد، بل في مستويات متعددة متقاطعة ومتوازية، يجد نفسه منقسماً، بين داخل وشتات.. بين غزة والضفة.. بين مقاوم ومفاوض، بين عقيدتين مضطربتين، عقيدة «واقتلوهم حيث ثقفتموهم»، أو «إن جنحوا للسلم فاجنح لها» في الترويج الأيدلوجي، كلاهما معيار تطرف ولا عقلانية كما يتمظهران في الخطاب الأيديولوجي العقيم الذي يتم تسويقه.

-4-

في تفكيكه لصور المثقف وتمييزه بين مثقف البرج العاجي والمثقف العضوي، يحدد إدوارد سعيد وظيفتين لمثقف مأمول، نقد الواقع من وجهة نظر السعي لتغييره، واقتراح البدائل والوسائط السياسية التي (تؤمن) للمجتمع تحرره وخلاصه وغده الأفضل. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل وقع المثقف الفلسطيني في حبائل الانقسام؟ وإلى أي مدى استجاب مثقفنا لهاتين الوظيفتين في زمن الانقسام؟

مما يؤسف له أن للتسويق الأيديولوجي سطوة مدعومة بقوة مال وقمع أمني على طرفي الانقسام، فوقع المثقف في حبائل انحياز أو حياد متخلياً عن وظيفته الأصلية، وهذا في رأيي غالب أعم وإن لم يكن إجماعاً.

انجر المثقف لشعار السياسي، متجاهلاً الخطر الجسيم الذي يصيب الجسم الفلسطيني، وما يتسبب به موقفه، كحارس لقيم كلية، عبر انحيازه السياسي، مستخدماً تبريرات من ذات النوع مغمسة بالأيديولوجية، فإذا كان المثقف (ضميراً للشعب) حسب غرامشي وبموافقة منه، فهل يجوز له الانحياز لقطاع من الشعب، حتى لو كان هذا القطاع أغلبية منتخبة، مذكرين أنها أغلبية سياسية في الجوهر، أيديولوجية في العناوين؟ هل ما يحدد المثقف وموقعه هو صندوق اقتراع أم مبادئ يمكن أن نسميها فوق انتخابية؟!!

وإذا كان المثقف مسؤولاً عن الدفاع عن المضطهدين في كل مكان وزمان وجغرافيا، فهل ميز مثقف فلسطيني بين مضطّهد نسبي من نظام محلي مستبد وبين مضطّهد كلي هو الشعب، الذي يدفع ثمن الانقسام في زمن الاحتلال المطبق على الوطن والشعب؟ هل ميز المثقف في انحيازه للانقسام بأحد طرفيه بين انحياز لمظلومية نسبية مؤقتة على حساب مظلومية كبرى يحصدها الشعب نتيجة الانقسام؟!!

-5-

تعاملت سلطة الانقسام مع المثقف كما مع الحالة الثقافية، كما هو حال الدولة الوطنية التالية للاستعمار والمستمرة حتى الربيع العربي، تفرض نفسها مرجعية وحيدة وشاملة ليس للثقافة فحسب، بل لمعايير تسمية المواليد الجدد أيضاً، فهي تمد المثقفين الخاضعين لجغرافيتها المادية أو المعنوية، بالمشروعية المطلوبة باعتبار ما تقوله السلطة هو المشروع الوحيد.

للأسف تنازل المثقف عن وظيفته النقدية ارتهاناً لشعار سياسي متبدل، فاستبدل المعرفي السرمدي (طبعا مع تحفظ مسبي على فكرة المعرفة السرمدية) بالسياسي اللحظي المنفعي، دفع المثقف النقدي ثمناً غالياً بدءاً من التهميش مروراً بالاتهام بالعمالة أو السقوط الديني والأخلاقي، والتشكيك بنزاهته الفكرية والأخلاقية.

في زمن الانقسام، لا يجد النص الثقافي مشروعيته إلا محمولاً كناية السلطة، وصورة بديلة عن حقيقة مرة جوهرها أن لا صوت يعلو فوق صوت الغنيمة، كرسي الحكم، بغض النظر إذا كان هذا الكرسي لا يحمل أي دلالة واقعية ترتبط باسمه ووظيفته في زمن الاحتلال.

وبسبب حالة الاستقطاب لا يجد مثقف حر ومبدئي ومخلص لوظيفته النقدية، تسويقاً ولا سوقاً لأعماله أو لجهوده، فالسوق، جمهور تمت أدلجته والتسويق حكر على أبناء طرفي المعادلة، يدخل المال خادماً بدوره للشعار السياسي، مدعوماً بالإرهاب والتخويف، وتصبح عبارة الشعار السياسي مفتاحاً لدخول جنة مال النشر والخروج إلى العلنية التي هي مطلب كل مثقف.

 

-5-

ترتكز ثقافة الانقسام على رفض نسبية الحقيقة ورفض الحوار المتبادل، والاعتماد على الأخلاقيات النسبية والصح والخطأ والكفر والإيمان، ثنائيات نجدها بكثرة في أدبيات الانقسام ومقولات مثقفيه.

ومثقف الانقسام يركن إلى يقينية نفعية تخلو من رومانسية قيمية، وثقافته ترفض التعدد محتفية بأحادية سرمدية تفرض يقيناً إيمانياً وامتثالاً وركوداً في تشديد على خطاب خشبي وبلاغة تضيع المعنى، ورفض اختبار جدي (لحقيقتهم) تشترطه المعرفة الرصينة، فيتحول الدين إلى سوط والسياسة إلى مهرجان لفرقة فولكلورية، هذا النوع من التنظير الثقافي يفضي إلى مكانة سلطوية الشكل والمضمون تضمن لحاملها راحة مادية ومعنوية، بل وأمنية مقبولة، تنجيه من ألغام الحدود أو المناطق الحرام التي يكابد مثقف نقدي حقيقي بالتمترس بها ولا يخشى في الحق لومة لائم.

-6-

ثمة أمر آخر حول أهمية حضور البعد السياسي في الخطاب الثقافي، فبقدر ما نطالب بحضور البعد الثقافي في الخطاب السياسي، وأكثر من ذلك ضرورة استناد الخطاب السياسي إلى منظومة ثقافية متكاملة وطبعا قيمية وأخلاقية، لا يمكن تجاهل أهمية البعد السياسي في الخطاب الثقافي، لأن المثقف المحايد هو مثقف خشبي لا معنى لكلماته، ورفض الحياد هنا لا يعني الالتزام بطرف بقدر ماهو القدرة والجرأة على نقد الطرفين واجتراح حلول بديلة.

والنقطة الثانية أهمية رصد المؤشرات الاجتماعية أو الانزياحات في الراسخ الاجتماعي، باعتبارها مقدمات للتغيير عبر تراكمها ووضعها في سياقها، وهذه من بديهيات شغل المثقف النقدي الذي لا يكتفي بالتحليل بل يراقب ويستنبط ويتنبأ، في سعيه للتمهيد لمرحلة جديدة لا يريد أن يكون من ضحاياها.

والنقطة الثالثة: أنه آن الأوان أن نكف عن ادعاء قدرتنا على تعليم الآخرين، أرى أننا شعب كثير الكلام، ولسنا شعبا عظيماً بمعنى استثنائي، وإنما عظمتنا في كوننا مجرد شعب عادي، يسعى لاستعادة حصته المسلوبة في مسيرة التاريخ الإنساني، وأن نأخذ مكاننا من جديد بين الشعوب العادية الأخرى، وبما أننا كثيرو الكلام والتنظير فهذا يقلل من انتباهنا لتجارب الآخرين، كالثورة الجزائرية مثلاً، التي لم تكتب حتى الآن كتجربة غنية ملهمة، ولنتذكر أنها ثورة منجزة ومنتصرة دون الحديث عن تجارب أحدث وأكثر تنوعاً.

-7-

ثمة أسطورتين لا بد من دحضهما أيضا: الحديث عن تفوق المشروع الصهيوني الثقافي لأن هذا مرتبط بحيز القيم والنزاهة وعدل القضية، حيث لا يمكن مقارنة مشروع سياسي أيدلوجي بمشروع ثقافي حضاري، بافتراض أن تجربة شعبنا (مجرد مشروع)، والأسطورة الأخرى تتعلق بالجيل الجديد الذي يروج أنه الحل والمنقذ النهائي والتاريخي.

أرى أن الملاحظة لا تنطبق على مجرد (جيل) وإنما الأفراد المستقلين تاريخياً ومن كل الأجيال الذين كانت قدرتهم على التقاط الجديد والمتفرد والاستثنائي عن السياق العام أكبر من قدرة المؤسسات والجماعات المنظمة ومن ضمنها الأحزاب والنظم، التي تأخذ وقتها لإقرار ما هو جديد، كون هذا الجديد سيتحول ضمن سياق الجماعة ليمثل كل أفرادها ضمن نظم متعارف عليها، والفرد لا يخضع لكل هذه التعقيدات، ولكن برأيي أن الثقافة الجديدة بتبلورها في إطار حزب أو جماعة هي بالتأكيد أقوى وأكبر نفوذاً، ولكنها للأسف تبقى دائما متأخرة خطوة بسبب الاسلط السياسي الأيدلوجي في هذه الأحزاب، وتلافي هذه الثغرة منوط بحل المشكلات المستعصية التي تفتك بالأحزاب، سواء الدمقرطة أو إحلال الفرد في مكانته الطليعية وغيرها من معضلات.

في الختام؛ طوي زمن الانقسام بمعناه الحقيقي يقتضي أن تطوى معه ثقافة معيبة وقيم مختلفة، والانقسام يجب أن يدفن بكل ما حمله من هرطقات (وطنية أو أيدلوجية) وغيرها لمصلحة حقيقة واحدة ترتكز على نزاهة أخلاقية ومعرفية علمية لا تحابي ولا تخضع ولا تبيع نفسها بمال زائل أو أمن مزيف.