Menu

حكاية حي مصر القديمة لخالد أبو الروس

عطا درغام

شرع عمرو بن العاص بعد عودته من الإسكندرية وإتمام فتح مصر في تخطيط الفسطاط عام 21 ه-641ه؛ لتكون أولى عواصم مصر الإسلامية.. وهي تقع إلى الشمال من مدينة بابليون العتيقة بمسافة 420 مترًا، حيث عسكرت قوات عمرو للمرة الأولى، وذلك بهدف جعلها دار مستقر للقبائل العربية. وقد عهد عمرو إلى أربعة من المسلمين بالفصل بين القبائل في تنظيم خطة كل منها، وهم معاوية بن حديج التجيبي وشريك بن سمي الغطيفي وعمرو بن قحزم الخولاني وجبريل بن ناشرة المعافري.

وتم تقسيم الفسطاط على هيئة خطط مثل خطة أهل الراية؛ أي حاملي الأعلام والمراد هنا ألوية القبائل- حيث كان لكل قبيلة لواء يحمله رئيسها، وكان أصحاب الألوية رؤساء الجند لذلك كانت هذه الخطة تسمي خطة الرؤساء، وخطتا الحمراء الدنيا والقصوى. وكانت أكبر الخطط تجيب وعطيف وخولان ومعافر، وكلها قبائل يمنية، وما إن أخذت تكتمل هذه الخطط حتى أخذ الناس يتسابقون فيها على بناء الدور والمساجد. وقد خالفت بتلر هذا الرأي فقالت: "والظاهر أن الذي قام بتنفيذ هذا الأمر- أي تخطيط الفسطاط- إنما هم القبط لدرايتهم بفن العمارة التي كان يجهلها العرب".. ولكن يري الكثير من المؤرخين وعلى رأسهم عبد الرحمن زكي أن تخطيط الفسطاط في ذلك العهد لم يكن من التعقيد بحيث يحتاج إلى معماريين مهرة من القبط.    
وقد عمرت الفسطاط واتسعت حتى قال ابن حوقل "إنها مدينة كبيرة نحو ثلث بغداد ومقدارها نحو فرسخ للمسافة على غاية العمارة والخصب والطيبة واللذة ذات رجاب في محالها وأسواق عظام ومتاجر فخام...".    
ويري أندريه ريمون أن مساحة الفسطاط قد بلغت زمن الفاطميين نحو 300 هكتار (أي 740 فدانًا) في حين قدرها بعض الجغرافيين بنحو 2700 مترًا. وقد امتاز موقع الفسطاط بحصانة طبيعية، يتضح لنا ذلك من خلال تحديد مسار المدينة طبيعيًا فهي تمتد شمالًا حتي كوم الجارح وقنطرة السد منطلقة جنوبًا من الرصد" الذي كان قائمًا علي ذروة الشرف المطل علي بركة الحبش"- وحدها الغربي هو الشاطئ الأيمن لنهر النيل، والذي كان ينتقل علي تتابع السنين مع تنقل الشاطئ نحو الغرب والحد الشرقي ينتهي إلي القرافة.
وكثر سكان الفسطاط حتى إننا نجد المقدسي في القرن الرابع الهجري لم يكتف بما سمعه عن مدى اكتظاظها بالسكان، فأراد أن يتأكد من ذلك فقال: "وسمعتهم يذكرون أنه يصلي قدام الإمام يوم الجمعة نحو عشرة آلاف رجل، فلم أصدق حتى خرجت مع المتسرعة إلى سوق الطير فرأيت الأمر قريبًا مما قالوا..".    
ويستخلص أندريه ريمون رقمًا لتعداد سكان الفسطاط خلال القرن الرابع الهجري أيضًا من وسط العديد من التقديرات، ويرى أن عدد سكانها آنذاك يقترب من 120 ألف نسمة.    
ويرصد خالد عزب حال الفسطاط في العصور التالية من النشأة فقد ازدهرت في العصر الأموي على يد الوالي مسلمة بن مخلد الانصاري"47ه—62ه، الذي بنى مقياس الروضة ودارا للصناعة، وكذلك على يد عبد الملك بن مروان الذي شهدت الفسطاط في عهده نهضة عمرانية كبيرة.    واستمر عمران الفسطاط وازدهارها حتى زمن الفاطميين، وبالتحديد منذ بداية حكم المستنصر، فيرى المقريزي وغيره من المؤرخين أن تدهور الفسطاط حدث نتيجة سببين:    
"الشدة المستنصرية وما تبعها من خراب ودمار حل في ربوع البلاد.
حريق الفسطاط في عهد وزارة شاور بن مجير السعدي عام 1168م أثناء قدوم عموري ملك الأفرنج – أو مري كما ابن أبي السرور البكري- ونزل في جموع علي بركة الحبش" يريد الاستيلاء علي مملكة مصر وأخذ الفسطاط والقاهرة، فأضرمت النار في الفسطاط حتى احترقت، واستولى بعد ذلك أسد الدين شيركوه على الوزارة، ولكنه لم يمكث طويلًا إذ توفي وخلفه ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي الذي عمَّر الكثير من خرائب الفسطاط، فلم يحذو حذو سابقيه من بناء ضواحٍ جديدة وترك آثار الماضي، بل عمل جاهدًا على إحياء المدن القديمة؛ فقد عقد العزم على إحياء مدينة مصر، نعني الفسطاط السابقة التي عمها الخراب وتراكمت عليها الأتربة، فضرب سورًا في استحكامات بدر الجمالي، وقيل إنه مد سور بدر الجمالي شمالًا من نهايته عند الخليج على النيل، حيث موضع حصن المقس، أما من الجهة الشرقية، فقد مد الحائط جنوبًا حتي باب الوزير قرب القلعة.    
ويري سير لينبول: "أن فكرة الأسوار لم تكن إلا تطورًا لأسوار بدر الجمالي القديمة، ولكن رغم ذلك لا ننكر فضل صلاح الدين في وقف النزيف الذي حل بمدينة مصر منذ عهد الفاطميين.. فد كان صلاح الدين مشغولًا بمشروعاته الحربية في بلاد الشام لدرء خطر الصليبيين عن ديار الإسلام.    
وخلال العصر المملوكي نجد أن مدينة مصر (القديمة) قد حدث اهتمام بها من جانب بعض السلاطين وجاء ذلك مرهونًا بأحوال البلاد الأمنية، فالناصر محمد بن قلاوون شيد بها بعض المباني الدينية كالجامع الجديد الناصر قرب فم الخليج، وكذلك انصب اهتمام الغوري حول ذات المنطقة فقام بهدم قناطر المياه القديمة، وأعاد تشييدها من جديد عند موردة الخلفاء قرب الجامع الجديد مما وفر المياه للمنطقة التي دبت فيها الزروع والبساتين بعد السنوات العجاف التي شهدتها وحل بها السكان بعد العجر.    
ولما أقبل العصر العثماني اتخذت مصر القديمة منعطفًا آخر، فقد درج على وصفها بلقب (حي) رغم احتوائها على ميناء أشبه بخلية النحل من كثرة الرواج التجاري له.. وقيل إن الخراب قد عمَّ أجزاء كبيرة منها وقل نشاطها واتخذت بولاق دور الزعامة بوصفها ميناء القاهرة الأول. فهل صحيح أن مصر القديمة قد توارى دورها خلال العصر العثماني، خاصة القرن السابع عشر وهي الفترة التي تعنيها هذه الدراسة؟ ويطرح الكاتب العديد من التساؤلات، هل عمّ الخراب تلك المدينة وريثة الفسطاط ذات الماضي التليد ولم تكن هناك ثمة محاولة للعمران من جانب الحكومة (الإدارة العثمانية)؟
وهذه بعض التساؤلات التي تحاول الدراسة الإجابة عنها في جو من الإنصاف بغية الوصول إلى الحقيقة التاريخية وكشف اللثام عن مدينة كانت ذات ماضٍ جميل حفها الوادي الأمين بالرعاية والنماء عبر عصورها القديمة.