Menu

مقاهي الحرافيش

عطا درغام

مقهى.jpg

للمقهى مكانة خاصة في حياة المصريين في العصر الحديث، بما له من أهمية اجتماعية وثقافية، وبما يعنيه من قيم إنسانية قائمة على التلاقي والحوار، ويحمل المصريون عشقًا خاصًا للمقاهي، فعلى حد تعبير نجيب محفوظ متحدثًا عن نفسه "طول عمري أعشق المقاهي وندواتها حتى أن قصصًا لا تخلو منها فالحياة هنا.. ومن هنا يبدأ التاريخ".    
بالفعل فعلى المقاهي بدأت علاقات أدبية وفنية وسياسية واجتماعية وفكرية شهدت طاولاته مولد أعمال شاركت في تطور فنون الإبداع المختلفة، كما انعكست التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية على أشكالها.    
فمن المقهى بكراسيه وطاولته إلى "الكوفي شوب" و"مقاهي الإنترنت" التي اجتذبت فئات مخالفة عمريًا واجتماعيًا، ومن كونه مشاركًا فاعلًا من خلالها، إلى مكان التسلية وقتل الفراغ، ومن مكان به عناصر التشويق من خلال الطرز المعمارية المميزة إلي طاولات تمتد على جانبي الشوارع المجاورة له.    
وقد ورد وصف المقهى في كتاب "وصف مصر" بأنه مكان رحب متسع، مبني عادة من طابق واحد يتميز بالهندسة المعمارية الإسلامية في الزخرفة، تنعكس آثارها على صناعة أبواب ونوافذ وسقوف وأعمدة المقاهي، يجلس الناس فيه على مساطب مفروشة بالحصر، وكانت تكعيبات العنب ونباتات الزينة تحيط دائمًا بالواجهة".    
ورغم أن هذه الصورة التي قدمها علماء الحملة الفرنسية لشكل المقهى المصري في نهاية القرن التاسع عشر، إلا أنها تعطي لنا صورة واضحة عن اهتمام المصريين بالمقاهي، والتي انتشرت في الآونة الأخيرة بشكل لافت للنظر حتى وصل عدد المقاهي بالقاهرة فقط- وفق إحدى الدراسات عام (2011) إلى ما يقرب من (42) ألف مقهى، ويبلغ عدد المترددين يوميًا المليون ونصف المليون مواطن؛ حيث تحولت المقاهي إلى مشاريع تجارية تدر أرباحًا على أصحابها.    
والهوس بالمقاهي يكاد يشترك فيه معظم سكان العالم، فهناك "المقاهي الباريسية" ذات الطابع الكلاسيكي، خاصة "مقاهي الحي اللاتيني"، وهناك مقهى أقيم فوق وسط كنيسة القديس بطرس في مدينة الفاتيكان، والذي يقع فوق سطح الكاتدرائية عند قاعدة البقبة التي صممها الفنان مايكل أنجلو، ويطل المقهى على مشهد جميل ورائع لميدان القديس بطرس.    
وفي بكين "هناك آلاف المقاهي لعل أشهرها مقهى "لاوشا" في أحد شوارع العاصمة الصينية، حيث يجلس الزبائن وأمامهم طاولات مربعة يأكلون بذور عباد الشمس وبعض الأطعمة الخفيفة ويشاهدون عروض الفنون الشعبية على أحد المسارح المقامة أمام المقهى، وربما الصورة تذكرنا بالمقاهي المصرية في مطلع القرن العشرين مثل "ريش" و "الفيشاوي" و "أوبرا" و "متاتيا" وغيرها التي كانت تقدم أمامها عروض "الحكواتي" و "المحباظتية" و"الغناء الشعبي" و "الأراجوز".    
وقد تطور الأمر إلى أن تحولت أرصفة هذه المقاهي إلى مسارح قدمت عليها الأوبريتات الغنائية، وكانت البداية الحقيقية لأشهر مطربي وملحني وممثلي النهضة الفنية أمثال أم كلثوم وعبد الوهاب وعبده الحامولي ويوسف وهبي ونجيب الريحاني وفاطمة رشدي. وكانت هذه المقاهي بالإضافة إلى المسارح التي أقيمت على "حديقة الأزبكية" نافذة جديدة لتقديم الأصوات والوجوه الجديدة في الفن.    
وبالمثل حفل الوطن العربي بمجموعة من المقاهي الأدبية الشهيرة ومنها "مقهى تحت السور" في تونس، ومقهى "الكمال" في سوريا، ومقهى "القصيد" الذي كان يجلس عليه الطاهر حداد، وفي الأردن مقاهي" إربد" و "الزرقا" و "شهرزاد" و"عمان" و"اليرموك". وفي لبنان مقاهي "النجار" و"الفتوح" و "الجنوب" و "متري"، وفي بغداد وجدت مجموعة من المقاهي في شارع المتنبي مثل مقهيى "أم كلثوم" و"الشابندر" و "حسن عجمي" و "الزهاوي" والذي سُمي بذلك نسبة إلي الشاعر العراقي الشهير جميل صدقي الزهاوي وكان من رواده "معروف الرصافي و "محمد مهدي الجواهري"، وكذلك مقهي "النعمان" الذي ضم النخبة المثقفة التي آمنت بالفكر الناصري وغيرها.    
وعلى الرغم من التغيرات الشكلية والجوهرية في بنية وشكل المقهى إلا أنه سيبقى أحد الظواهر المكانية المهمة في تاريخ ومستقبل الشعوب، حتى وإن بدا تأثيره هامشيًا مع دخول عناصر ترفيهية تنتمي إلي ثقافة العولمة.    
وقد ظهر المقهى كبطل درامي في عدد كبير من الروايات والأعمال السينمائية والتلفزيونية بداية من أعمال نجيب محفوظ التي ارتبطت معظمها بالمكان مثل "زقاق المدق" و "الثلاثية الشهيرة التي تضمنت بين القصرين وقصر الشوق والسكري" و "قشتمر" و "الكرنك". وكان مقهى "الكرنك" هو البطل الرئيسي في رواية "الكرنك"، حيث كانت ملتقى لمجموعة من الطلبة الثوريين الذين يتعرضون لممارسات أمنية عنيفة، حيث يرصد الفيلم مرحلة شديدة القسوة في تاريخ مصر الحديث، ويقدم نقدًا لاذعًا للمرحلة الناصرية خاصة استغلال بعض رجالها لنفوذهم الأمني والعسكري.    
وفي الدراما التلفزيونية جاء المقهى كعنصر محوري في عدد من المسلسلات نذكر منها "شارع المواردي" المأخوذ عن رواية بنفس الاسم، حيث تدور الأحداث حول "مقهى المواردي" الذي شهد تحولات اجتماعية عاصفة
ومن أشهر المقاهي التلفزيونية أيضًا "مقهى السماحي" في مسلسل "ليالي الحلمية" تأليف أسامة أنور عكاشة، فقد شكل المقهى عنصرًا دراميًا فاعلًا، حيث شهد عددًا من الصراعات السياسية والاجتماعية بين أبطال المسلسل بين بطلي المسلسل "سليم البدري" و "العمدة سليمان غانم".    
وعلى مستوى السرد شكل المقهى فضاءات مختلفة في بنية بعض الروايات المصرية، بالإضافة إلى روايات نجيب محفوظ، ومنها الزيني بركات "لجمال الغيطاني"، و"ألعاب الهوى" و "أحمر خفيق" لوحيد الطويلة، و"فوق الحياة قليلًا" لسيد الوكيل، و "المقهى الزجاجي" محمد البساطي، و "النوم مع الغرباء" بهاء عبد المجيد، و "تغريدة البجعة" مكاوي سعيد، وغيرها من الأعمال التي استفادت من المقهى والأجواء المحيطة به من حكايات وشخصيات وتواريخ.    
وظهرت صورة المقهى بتجليات مختلفة في الشعر المصري الحديث بداية من صلاح عبد الصبور، وأحمد عبد المعطي حجازي مرورًا بأمل دنقل ونجيب سرور- الذي كتب ديوانًا كاملًا تحت عنوان "بروتوكولات حكماء ريش" وصولًا إلى الجيل الجديد من شعراء قصيدة النثر.    
رحلة ممتعة يأخذنا فيها عيد عبد الحليم في كتبه الرائع (حكاية مقاهي الحرافيش) الذي يتناول تطور المقهى في مصر والوطن العربي، وتتبع تاريخ ظهوره القهوة في عمق الحضارة العربية وكذا الحضارة الغربية.    
وتناول أشهر المقاهي في مصر (مقهى ريش- مقهى الفيشاوي- مقهى عرابي- مقهياوبرا- مقهى بترو- مقهى إيزافيتش-مقهى عبد الله- مقهى بترو— مقهى إنديانا- مقهى الحرية وغيرها)، ومقاهي الفن (مقهى بعرة- مقهى أم كلثوم- مقهى المختلط- مقهى إسترا).