Menu

غسّان كنفاني - الانتقالُ من زمنِ الخطابةِ إلى زمنِ الكتابة

نشر في العدد 40 من مجلة الهدف الرقمية

أيمن الغزالي

هكذا تتراءى لنا ذكراه، دون أن تتجلّى لنا مواصلته، لأنّ أسئلةً كبيرةً ما زالت تؤرّقُ خواطرنا، على امتداد أكثرَ من ربعِ قرن، ونحن نتلوّى ضائعين، حتى ليدركنا صحوة، فننغمس في حبل الزمن المقطّع، كما اليوم، وهما على حدِّ سواء، إذ لا نزال نتداوى للشفاء بإبداعاته، حتى ليرغمنا من قوّة البؤس على فعل الأمل، بقدر ما يولّد فينا إحساسًا بالعجز ووعيًا بالقوّة وخوفًا من القادم. ولم يكن الوقوع على غسّان كنفاني محض صدفة، أو تعسّفًا أمّلته نزعةٌ انتقائيّةٌ في الاختيار، بل جاءت متطورةً مع معرفتي به من خلال أعماله وأثاره الإبداعيّة الهائلة، للكشف عن كلّ جوانبِهِ سواءً على الصعيد الروائي أو النضالي، لكنني الآن أختصر فيه الجانب الإبداعي فقط بما نلمسه، حتى لا نخرجَ بإحساسنا، فيفلت هدفنا، الذي قدّمه لنا خلال فترة حياته القصيرة، من خلال تطوّر الرواية الفلسطينيّة، وكذلك ذكرى استشهاده في السابع من تموز.

إنّ ما أعدّه مدخلًا لمقالتي هذه هو الإشارة إلى مسألةٍ مهمّةٍ بدايةً عن تفرّد غسان كنفاني علامةً روائيّةً فلسطينيّةً متميّزةً بشكلٍ خاصٍّ وروائيًّا عربيًّا بشكلٍ عام، وقدرته في حرق الحالة الخاصة للشرط التاريخي الفلسطيني وانصهارها ضمن السياق الإنساني العام. لقد كرّس غسّان كنفاني تجربته وقضيّته لتكونَ في السياق الإنساني العام بدلًا من تكريس العامل لقضيته، حتى تصبح "تجربة الإنسان الفلسطيني تجربةً إنسانيّةً وفلسطينيّةً في آنٍ واحد". وقد لا أتمكّن في هذهِ المقالةِ الصغيرةِ من محاولة الدراسة بقدر ما هي تعريفٌ بغسّان كنفاني من خلال إلقاء الضوء على أعماله مقدّمًا نماذج من تجربته الروائيّة لتكون دليلًا على إمكاناته الفنيّة، والفكريّة والنضاليّة، إذ لا يمكن فصل هذه الإمكانات عن بعضها البعض. علمًا أنّه كان أكثر تقدّمًا كروائي، وكاتب، من كونه مناضلًا، وسياسيًّا، وذلك من خلال ما قدمه لنا من واقعٍ مريرٍ بكلّ تفاصيله والتعبير عنه ببساطة وبكلّ حسٍّ مرهف، باحثًا عن أقصر الطرق وأسهلها لإيصال ما يريد، إلى أكبر جمهورٍ ممكن، على حساب البناء الفني.

إذ إنّ ما قدّمه غسّان كنفاني سواءً كان مكتملًا، أم غير مكتمل هو مغامرة أو تجربة متفردة بشكلها ومضمونها، انطلاقًا من تحقيق جدلية السياسي والأيديولوجي في صياغة فنية متقدمة.

إن غسان لا يكرر، كان همه، ما يريد طرحه، بغض النظر عن الشكل والطريقة، كان عنده شيء، أشياء لا بد أن تقال في وقتها دون تحريض أو تزوير أو زيادة أو نقصان ودون إنذار أو خجل، أو خوف، الذي يمكن أن تولده ظروف النقد والمدارس.

إن الحياة الخصبة التي قدمها لنا، برغم قسوتها وعمقها، كانت دليلاً على الود العميق الذي تولّده مشاعره تجاه أرضه وشعبه أو صادرة عن أحلام كرّسها عقم الواقع ومرارة المرحلة وعمق المأساة، لتتداخل الصور من جديد في جدل مثمر وخصب عن حياة الإنسان الفلسطيني أو ما ينتظره.

يكتب غسان كنفاني إلى غادة السمان، يقول:

"إن الدنيا عجيبة وكذلك الأقدار، إن يداً وحشية قد خلطت الأشياء في السماء خلطاً رهيباً فجعلت نهايات الأمور بداياتها والبدايات نهايات".

هذا الكلام يعكس هموم غسان كنفاني في زمن التردي والانهيار، زمن السقوط الذي قدمه في كل أعماله بشكل متنام وجدير بالاهتمام والقراءة، ففي "رجال في الشمس" يقدم لنا الكاتب حالة العجز، والبحث عن التوازن التي تبصر الكاتب في تعليلها، كخطاب جماعي للصاحين من الهاربين من حالة العجز والفرار. أما في "ما تبقى لكم" وهي من أهم أعماله، يقدم لنا نموذجاً من رحلة الفرار الفلسطيني، بعد حالة العجز والتخبط التي بدأها في "رجال في الشمس"، حين يصبح الهم الخاص هو الأهم حتى الشخصي منه، وإن ما يلفت الانتباه في هذه الرواية حالة السؤال الذي يحمل في ثناياه مصيراً آخر.. إلى أين..؟!

لتكون الصحراء، ساحة أخرى بانتظار مواجهة أخرى، وجهاً لوجه هذه المرة، وذلك انطلاقاً من قصور الطاقات والأداة، حتى لتغدو أداة التدبير والتقاطع، فيما بعد، هاجساً في بناء ذات منفصلة روحياً عن الأرض، لتبدأ فعلها في الصحراء. إن ما تنتجه هذه الروابط الجديدة سيكون لها موضوعها ومادتها عند الكاتب غسان كنفاني، ففي رواية "عائد إلى حيفا" يحلم بالتحرر مما تنكره السياسة، ليقدم حدثاً جديداً عنصره الأساسي القطيعة التي بدأت تفرز محاورها في مخادعة الذات على نحو مفجع. هكذا تبدأ الأفعال وتنتهي الأحلام والهواجس، والطموحات، لأن كل شيء لا يبدأ بالأرض ولا ينتهي بها سيكون في الذاكرة، سيبتعد، ثم يقترب منها، حتى الموت.. (لا يكتسب معناه بعيداً عن الأرض).

وبالمقابل، فالهرب لا يعني النجاة (لأن الهرب تحقيق معادلة إدراك فعلها الخفي). أما في "ما تبقى لكم" يقول:

".. كل أنصال الفولاذ في العالم ليس بمقدورها أن تحصد من فوقك عرقاً واحداً، ولكنها تتكسر واحداً وراء الآخرين حتى ليتحول هو ذاته إلى عرق مجهول مشرش، يستقي منك انتصابه وخطواته". في العاشق تظهر علاقة الإنسان الفلسطيني بأرضه، حد الاندماج والتوحد وهذا ما أدركه الكابتن بلاك، الضابط الإنكليزي في الرواية عندما قال لنفسه: "إن القبض على الفلسطيني يعني القبض على الأرض أولاً..".

إذا إن غسان كنفاني يجد المعادل الصحيح لكل محاور أو مراحل معاناة الإنسان الفلسطيني، مفتشا عن حقيقة الصراع وشكل ومضمون المواجهة. إن الزمان والمكان عنده كان لهما نفس الأثر في بناء صيرورة الفلسطيني، في تحديد تفاصيل حياته، وكأنه كان المكان المفقود والموجود معاً، الزمن الضائع والرتيب في أرضه الحبلى بأحلامه، ذلك أن (الأرض هي ذروة العلاقات الحميمية للفلسطيني مع الأشياء).

إن فقدان الأرض، أي المكان يعني الهرب والجري تحت الشمس في صحاري عارية، كما في رجال في الشمس، وإن إيجاد المعادل الحقيقي المكان "الأرض" والزمان، يعيد للفلسطيني عنوانه وهويته في حقيقة المواجهة كما في (أم سعد) لأنها كانت الحاضر، الذي يعني المواجهة ورفض زمان ومكان رجال في الشمس التيس، تعني الماضي والهرب معاً، أين ينتهي غسان كنفاني في رسم تفاصيل شعب بأسره مروراً بالعالم الذي لا حدود لبؤسه ومروته؟

هكذا ينتهي غسان كنفاني ويتركنا دون بوصلة لإيجاد معادل آخر لظروفنا الراهنة. إن هذا الفراغ الهائل من الروايات التي لم تكتمل بعد، يؤكد انطلاقة الكاتب وحقيقة خصوصيته وأهميته، فمن أم سعد في ما تبقى لكم إلى رجال في الشمس ومن عائد إلى حيفا في برقوق نيسان إلى العاشق، إلى الشيء الآخر "من قتل ليلى الحايك" التي انفصلت لتجسد وقائع الرهان الأكبر في مسيرة الإنسان الآخر، خارج الفلسطيني، لتكتسب عنوانها، قدرته على التفكير في مصير إنسان يعاقب بجريمة لم ترتكبها يداه لكنه ورثها، ويصمت إلى أن تساق رقبته إلى حبال الفزع وأعواد المشانق المنصوبة في صباحات لا تعرف غير الجليد المسعور.. ورائحة القبور وكرنفالات الآس المزفوف على أرصفة لا تعرف الأمان أو النسيان.

(الهدف، العدد 1283، 12 تموز 1998، ص 33-34)