مرت اثنان وخمسون عامًا على إحراق المسجد الأقصى الذي أرق جولدا مائير وزيرة خارجية الكيان الصهيوني حينذاك؛ فلم تنم ليلتها تحسبًا وخوفًا من قيام الدول العربية والإسلامية بشن حرب على الدولة العبرية، كرد على الفعلة الشنعاء الذي أقدم عليها اليهودي الصهيوني الأسترالي المتطرف مايكل دينيس، التي زعمت حكومة الكيان أن ما ارتكبه هو بسبب ما يعانيه من مرض عقلي. وحين أفاقت "جولدا" دون أن يحدث ما كانت تخشاه، بل اقتصرت الردود العربية والإسلامية الرسمية على إصدار بيانات شجب واستنكار وعلى النطاق الشعبي ترديد عمومية الشعارات الدينية والقومية، شعرت عندها بسعادة لم تشعر بها من قبل ذلك، لأنها أدركت بأن العرب والمسلمين أصبحوا يخشون إسرائيل، وقد تحولوا على حد قولها إلى أمة نائمة.
قبل حادثة الحرق وإلى يومنا هذا والمسجد الأقصى، يتعرض لاستباحة يومية من قبل قطعان المستوطنين الصهاينة العنصريين؛ يؤجج حقدهم وكراهيتهم؛ أحزابهم اليمينية المتطرفة والحاخامات ورجال الدين اليهود الغزاة القادمين من وراء البحار.
لم يتغير حال المسجد الأقصى منذ تم احتلال شرقي القدس في عدوان يونيو/ حزيران 1967، فما زال يمارس في باحاته كل أشكال القمع الصهيوني دون توفير أية حماية دولية باعتباره مكانًا للعبادة الدينية للمسلمين، والأسئلة التي تثار عند كل استباحة من قبل المستوطنين هي: أين حكومات العالم العربي والإسلامي من هذا الاعتداءات العنصرية المتواصلة؟ أين قرارات المؤتمر الإسلامي التي اتخذها في انعقاده الأول على إثر ارتكاب هذه الجريمة النكراء؟ أين الوصاية الهاشمية؟ وأين لجنة القدس برئاسة العاهل المغربي "أمير المؤمنين"؟ أين المرجعيات الإسلامية كالأزهر الشريف والمجلس الشيعي الأعلى؟ هل أصاب حكام العرب والمسلمين العمى والصمم فلم يعد يروا ما يحدث فيه وعلى أبوابه من تنكيل لجموع المصلين من النساء والرجال ولم يعد يسمعوا صرخات النساء وهن يتعرضن بكل قسوة بشكل لا ترضى عنه تعاليم الإسلام ولا يتوافق مع أخلاق الأديان وقيم الإنسانية؟ فهل هان المسجد الأقصى على حكام العرب والمسلمين؛ فلم تعد مكانته في العقيدة الإسلامية؛ تثير مشاعرهم الدينية والقومية...؟
لقد كان إحراق المسجد الأقصى؛ صدمة كبرى للجماهير الشعبية العربية والإسلامية؛ أبرزت على نحو مأساوي عجز العالم العربي والإسلامي عن الدفاع عن مقدساته، بل أيضًا عجز دوله عن تأمين متطلبات الصمود للمقدسيين في مواجهة مخططات التهويد والاعتداءات المتواصلة التي تعدها وتقوم بها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.

