حين امتدت يد العدو الآثمة لتغتال المناضل الكبير أبو علي مصطفى الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في مكتبه في رام الله قبل واحد وعشرين عاماً، لم تكن تدرك للحظة أن دماء هذا المناضل القائد، ودماء كافة الشهداء، ستزهر بطولات وشهداء على كامل أرض فلسطين، وأن جنين التي ولد أبو علي مصطفى في "عرابتها" عام 1936، ستكون واحدة من قلاع المقاومة الصلبة وتشكل سداً منيعاً بوجه الاجتياحات المتكررة لها ولمخيمها.
خلال معرفتي به أثناء تواجد قيادة الثورة الفلسطينية في بيروت ما بين 1970 و1983، لاحظت في الرجل مزايا عديدة لم تتوفر في قائد إلا واستحق ثقة رفاقه ومحبيه وشعبه، أبرز تلك المزايا الصلابة الشديدة التي زادتها المعتقلات والسجون والمعارك حدة، والشجاعة التي واجه بها أبوعلي كل التحديات بأصالة ، والتواضع الذي لا يتحلى به إلا النبلاء الذين يثقون بأنفسهم، والروح الوحدوية الفلسطينية والعربية التي حملها مع رفاقه مؤسسي وقادة حركة القوميين العرب ومناضليها، كما قادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والتي جعلته يجمع بين الثبات على المبادئ وبين المرونة في التعامل مع رفاق السلاح والقضية وأبناء شعبه وأمته، بالإضافة الى حكمة بلورتها السنوات الصعاب وصقلتها عصارات التجارب الغنية التي عاشها أبو علي مصطفى في فلسطين والأردن ولبنان وسورية ثم في فلسطين حيث استشهد.
ولم تكن صدفة أبداً أن يأتي أبو علي مصطفى أميناً عاماً للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بعد مؤسسها الراحل والقائد الكبير جورج حبش ، وأن يخلفه في الموقع ذاته الأسير منذ ما يناهز العقدين من الزمن المناضل والقائد أحمد سعدات (أبو غسان) فهو انتمى منذ الفتوة إلى حركة قومية وجبهة فلسطينية ما ساومت يوماً على شبر من أرض فلسطين، ولا على حق من حقوق شعبها، فقدمت إلى شعبها وأمتها كبارًا في النضال وفي المقاومة وفي الإبداع، وفي العطاء الفكري والسياسي.
في ذكرى رحيلك الحادية والعشرين أيها القائد الكبير يعاهدك رفاقك وأبناء شعبك وأمتك أنهم على عهد المقاومة باقون، ألست أنت من علمنا أن الطريق إلى تحرير فلسطين هو طريق المقاومة والوحدة، مقاومة تعزز الوحدة، ووحدة تحصّن المقاومة.

