Menu

ذكرياتٌ مع غسان كنفاني

عبد الرحمن غنيم

نشر في العدد 40 من مجلة الهدف الرقمية

لو عـدنـا بـذاكـرتـنـا التاريـخـيّـة إلـى الـوراء، وحـاولـنـا أن نـتـذكّـرَ العمليّاتِ التي نفّذهـا الـمـوسـادُ الصهيونيّ منذ عام 1948م، وحتّى الآن، سنجـدُ الـوقـائـع الأساسيّة التالية:
هناك واقعتا اغتيالٍ؛ الأولى اغتيالُ الـرائـد مصطفى حافظ في غزة، وكان قائدًا لكتيبة الفدائيين التي تشكّلت عام 1955م، وفي موازاتها أيضًا كانت عملية الاغتيال الثانية للـمـقـدم صـلاح مصطفى في السفارة المصريّة في الأردن، وكان يشرف على الفدائيين الذين ينطلقون إلى فلسطين المحتلّة، بعد ذلك كانت وقائعُ الطرود الملفوفة التي أرسلت إلى العلماء الألمـان الـذيـن كـانـوا يتابعون برنامج إنتاج الصواريخ المصريّة التي عرفناها شفويًّا باسم الظافر والقاهرة، بعد ذلك جاء اغتيال غسّان كنفاني ليكونَ بدايةَ سلسلةِ الاغتيالات التي وجّهت لقياداتٍ معيّنةٍ في الساحة الفلسطينيّة، حتى اغتيال (أبو جهاد) خليل الوزير رحمه الله، لم يكن منفصلًا عن واقعةٍ واحدةٍ في سجل نضال أبو جهاد الطويل، هي أنّه نجح في إعداد خليّةٍ فدائيّةٍ وصلت إلى النقب، وبالذات إلى الـطـريـق الـمـؤدّي إلـى المفاعل النوويّ في ديمونة، وهاجمت سيارة باص على ذلك الطريق، فكانت تلك العمليّة النوعيّة بهدفها سببًا للاغتيال.
هذا الأمرُ يجعلنا نتساءل... لماذا اختير غسّان كنفاني ليكونَ أوّلَ الشهداء الذين استهدفهم الموساد الصهيونيّ؟ 
لا شكَّ أنّ الموساد الصهيونيّ قرأ في غسّان كنفاني أشياء ربّما كانت غائبةً حتى عن تفكيرنا وحساباتنا نحن بالنسبة لقيم القادة والرجال!
عرفت غسان كنفاني كاتبًا في جريدة المحرّر اللبنانيّة وكنت أراسلها منذ كنت طالبًا في قطاع غزّة، وكانت تُنشر لي فيها مواد ما بين الحين والحين، أحيانًا باسمي الصريح وأحيانًا أخرى باسم رائد غنيم، حينها كنت أتابعُ كتابات غسّان بعد ذلك، ثمّ كتاباته في "الحريّة"، وتعرّفت عليه بصفةٍ شخصيّةٍ ومباشرةٍ ربّما قبل أربعة أو ثلاثة أسابيع فقط من واقعة اغتياله حين صرت وإياه عضوين في اللجنة الإعلامية لــ "م. ت. ف" في بداية تشكيلها في بيروت، وكان رئيس هذه اللجنة الشهيد كمال ناصر.
من خلال لـقـائي الـمـبـاشـر بغسّان، اتّضح لـي شـيءٌ أساسيّ، فغسان ليس من النوع الصدامي في قضايا الفكر والتحالف، إن كان في الجبهة الشعبيّة أو في إطار حركة القوميين العرب، ومثله أيضًا الدكتور أنيس صايغ، يشكّلان نمطًا خاصًّا من الرجال الذين يُغلبون الفكر على الـعـاطـفـة، الـذيـن يبحثون عن القواسم المشتركة في العلاقة مع باقي القوى، أكثر مما يبحثون عن قضايا الخلاف؛ مثل هذه العقلية التي تميّز بها غسّان وتميّز بها أنيس صايغ أعتقد أنّها كانت تشكّل سببًا ملائمًا لكي يـكـونَ كـلّ واحدٍ منهما هدفًا للاغتيال، ولـكـي تـبـدأ عـمـلـيّـة الاغتيالات بغسّان كنفاني. 
والأمرُ نفسه يمكن أن ينطلق على الشهيد كمال ناصر رحمه الله الذي كان بمثابة حمامة السلام في الساحة الفلسطينية، الرجل الذي يجمع ولا يفرق، يحاول أن يقرب وجهات النظر في كلّ اللقاءات والاجـتـمـاعـات فـي بـحـث جميع المسائل.
إذن.. نستخلصُ مـن هـذا أنّ العدوَّ (وهـذا أمـرٌ ثـابـتٌ فـي استراتيجيّته) التي تـقـومُ عـلـى التشتيت الاستراتيجيّ، على تفتيت الطرف العربيّ، كان يهمُّهُ تفتيت العمل الفلسطيني المقاوم، كان يهمُّهُ أن تظلَّ هناك أسوار وفصائل متعدّدة ومتناحرة ومتسابقة، بحـيـث مـن خـلافـاتـهـا هـذه ومـن تعدّدها ومن الفوضى التي تنتج عن الخلافات وتعدّد الاجتهادات تكون فرص العدوّ أكبر للنيل من الساحة الفلسطينيّة، وعلى أساس هذه القاعدة رسم الموساد خططه التنفيذيّة لتحديدٍ من القادة الفلسطينيّين يوضع على قائمة الاغتيالات والتخلّص منه أوّلًا، ومن ثَمَّ تـجـريـد الـشـعـب الفلسطينيّ من الطاقة الفكريّة التـي يـمـثّـلـهـا هـذا الـقـائـد، ومـن القدرة التوحيديّة التي يشكّلها في الساحة الفلسطينيّة وفي المرحلة التي نعيش فيها الآن. 
وصلنا في الواقع إلى ظرفٍ يتحدّدُ فيه شرطٌ آخرُ من قبل الرئيس الأمريكيّ بوش حددهـمـا عـلـى أسـاسِ رؤيةٍ طرحها شارون، وطرحتها الجهاتُ المُحدّدةُ للاستراتيجيّةِ الصهيونيّة، هناك الطلب الأول تغيير القيادة الفلسطينية أو بالأصح تغيير عقلية القيادة الفلسطينية، طبعًا هم لا يريدون تغيير هذه العقلية بالاتجاه الذي يريده الشعب الفلسطيني، إنّما يريدون تغيير هذه العقلية بالاتجاه الـذي يـريـدونـه هـم، الـذي يـكـون بعد ذلك مستعدًّا للتنازل والمساومة والتعايش مع الاحتلال بكلّ شروطِهِ وفقَ سياسته القائلة بالاحتفاظ بالأرض دون السكان، وهـنـاك الـشـرط الـثـانـي وهـو التخلّص من المقاومة، وما يقـوم به العدو عمليًّا على أرض الصراع هو محاولةٌ منه للوصول إلى ما يسمونه بالمطلوب رقم (1)، لقد كان المطلوب رقم (1 ) يحيى عياش مهندسًا في صنع المتفجّرات وترتيب العمليّات، ثم تتالت سياسة الاغتيالات الصهيونيّة للقادة الفلسطينيّين، حتى أصبحنا الآن أمـام الـمـطـلـوب رقم (1) ثم الخمسين وثـم الـمـائـة وهـكـذا سيبقى هناك المطلوب رقم (1) طالما استمرّت عمليّات المقاومة الفلسطينيّة، إنما على صعيد القيادات الفلسطينية، وعلى صعيد الفكر الفلسطيني.
كـان الـفـاعـل فـي الـسـاحـة الفلسطينية غسان كنفانـي هـو الـمـطـلـوب رقم (1) لذلك حـيـن نستذكر واقعة اغتيال الشهيد غسان كنفاني، فإنّنـا فـي الـواقـع نستذكر كل السلسلة من أولها وحتى النهاية.. هذا إذا كنا قد بلغنا النهاية.. لأنّ الصراع قائمٌ ومستمرّ، وفـي كـلّ يـومٍ يـسـقط شهيد وكل هؤلاء الشهداء لهم ما لغسان وغسان كان لهم.. وهم منا ونحن منهم.. وهذه مسيرتنا، وأعتقد أن درس عقلية غسان.. أسلوب غسان.. فكر غسان.. مـقـالات غـسـان السياسية والأدبية من شأنها أن تغنينا في تصور ما يجب أن يكون عليه الحال في إعادة ترتيب أوضاع نضالنا الفلسطيني وصولًا إلى أفقٍ أفضل.

(مجلة الهدف: العدد 1332، 21 تموز 2002، ص 32)