في السّنواتِ الأخيرةِ من عقدِ الستينات، حكمت المحكمةُ العسكريّةُ الإسرائيليّةُ في غزّة، على الرسّام الفلسطينيّ فتحي إسماعيل بالسجن مدّةَ ستةِ أشهرٍ مع وقف التنفيذ، فضلًا عن دفع غرامةٍ قدرُها ثلاثون ألف شيكل، لا لشيء، إلّا أنّه ضمن إحدى لوحاته أربعة شرائط بالألوان المتتالية، الأحمر ثمّ الأخضر ثمّ الأبيض فالأسود.. فاكتشفت المحكمةُ أنّ هذه الألوان تمثّل علم فلسطين.
كانت غولدا مائير، قبل أقلّ من سنة، من صدور الحكم قد أدلت بتصريحٍ شهيرٍ يقول: (لا وجود للفلسطينيّين، وليست المسألةُ مسألةَ وجودِ شعبٍ في فلسطين يعدُّ نفسه الشعب الفلسطيني، وليست المسألة أنّنا أتينا وطردناهم وأخذنا بلادهم، لا، إنّهم لم يوجدوا أصلًا - مائير 15/7/1969 من تصريحٍ لها لصحيفة ساندي تايمز). وهكذا فإنّ إنكارَ تاريخ فلسطين وجغرافيّتها كان يعني الإنكار الماديّ للوجود الفلسطيني، وهو من ثَمَّ إنكارٌ لكلّ التراث الثقافيّ والروحيّ والأدبيّ لشعب فلسطين، فالإبادةُ العرقيّةُ التي استهدفت تجريد الفلسطينيين من أرضهم وتاريخهم وجذورهم، مع اجتثاث هُويّتهم الثقافيّة والاجتماعيّة والقوميّة، ألزمت الثقافة الفلسطينيّة أن تكون ثقافةً مقاتلة، حتى ولو لم يكن في يدها اختيار موقع القتال أو توقيته أو طبيعة أسلحته.
كان غسّان كنفاني من جيل الشّقاء الذي انخرط في معركة السيف والقلم، بكلّ جدارة المناضل الحيّ، المتسامي فوق حطام الدنيا، الذاهب بصلابة الإرادة نحو وعي الوضع والرسالة.
قال لي ذات مساء، وهو يحقن إبرة الأنسولين في ذراعه اليسرى، (لا يعلم أحدنا مَنْ سيؤبن الآخر منا، ولكن إذا مِت قبلكم، أرجو أن ترسلوا تأبينكم عشقًا للأرض، فالموتى في نهاية المطاف هم حبّات تربتها وعيون تاريخها إلى الأزل)، وكان ذلك بعد نيّف وسنة من كارثة حزيران في مكاتب الهدف في بيروت.
كانت رحلة غسّان في الثقافة المقاتلة طويلةً؛ إذ امتدّت من الشباب اليافع في (نشرة الثأر) الأسبوعيّة عام 1952، وحتّى أواخر حياته في شهادته عام 1972.
وما بين الثأر والهدف، كان غسّان العامل في جريدة المحرر البيروتية، يصدر ملحقًا نصف شهري، وكان هذا الملحق يحمل اسم فلسطين، وعبر جريدة الحريّة التي اعتبرت في مرحلة لاحقة، الجريدة الناطقة باسم حركة القوميين العرب، كان غسّان يرسل ثقافته المقاتلة، باسم فلسطين إلى القوميّة العربيّة ذات شعار الوحدة والتحرّر والاشتراكيّة، ومن جريدة الحريّة إلى مجلّة الهدف، كان غسّان ينادينا لعشق الأرض قبل تأبين الشهداء في سبيلها.
لم يترك غسان خندقاً في ثقافته المقاتلة، إلا وحاول اللحاق به دون تخصيص، فقد اقتحم ميدان الصراع، قبل أن يقتحم ميدان السياسة، وقاتل في ميدان السياسة قبله في الفكر، ثم انطلق من الفكر إلى جناحيه في الأدب، وكان عطاؤه أوفى من أن يُغطى في آنية محكية أو مكتوبة، فإضافة إلى القصة الصادرة عن قلب عامر، طرق غسان أبواب البناء المسرحي، فكانت له أعمال ذات شأن، كما في مسرحيات: الباب، والقبعة والنبي، وجسر إلى الأبد، وقد قدم الأديب الكبير جبرا إبراهيم جبرا، لهذه الأعمال المسرحية التي صدرت عن مؤسسة الأبحاث العربية في العام 1978.
لقد أعطى غسان للمسرحية الفلسطينية بعداً إنسانياً وكونياً، إذ تطلع لهاجس التوزع الإنساني بين ما هو عام وخاص، أي بين الفكرة الخطرة، وعائد العمل اليومي اللازم لحياة الإنسان وأسرته بمعيته.. أما الموت وهو بعد عالمي آخر، فيجعل له غسان، موازياً نقيضاً ألا وهو حب الحياة، إنها ملحمة الحياة الأبدية التي لا تتوقف:
(يا بني إنه إثم أن تولد، وألم أن تعيش، وبؤس أن تموت) وفي هذا كان غسان يساير بريخت في ملحمياته التي تجعل منا، مراقبين بموقظة حيوية ترنو للثقافة العالمية، فضلاً عن سريان الحزن مع الدماء في عروق الإنسان.. حتى الأطفال، فقد كتب غسان نماذج غنائية لحكايات أجدادهم الغابرين، ففي كتاب بعنوان: أطفال غسان كنفاني ، أصدرت دار الفتى العربي في بيروت، والتي تحمل شعار (المستقبل للأطفال)، ست قصص قصيرة من أعمال الشهيد غسان كنفاني، وكانت هذه القصص تدور محاورها الرئيسية، حول الظلم الاجتماعي، وقهر الاحتلال، وروح التحدي التي لا تنطفئ جذوتها، في وجه الاغتصاب الإسرائيلي لتاريخ أمة وثقافة شعب.
أما القصة، فقد شغلت الشطر الرئيسي من حياة غسان الثقافية، فإضافة إلى "رجال في الشمس" التي قد تكون من أشهر أعماله، هناك العديد من قصص غسان الموازية، مثل (العاشق) التي تمثل ملحمة شعبية كاملة، تستلهم تاريخ الكفاح الشعبي وتحاول تسجيله، فقصة العاشق في نهاية المطاف عند غسان، هي توحد مُتبتل، واندماج مُنصهر، بين الإنسان والأرض، وفي قصته (موت سرير رقم 12- مجموعة) يُعبّر غسان عن مشاعر النفي والعذاب، حين يصبح الإنسان رقماً يموت، وداخل هذه المجموعة القصصية في موت سرير رقم 12، نقع على سبع عشرة قصة أخرى، منها على سبيل المثال: (شيء لا يذهب)، حيث تقول محبوبته الحيفاوية الصغيرة، كلمات لا تُنسى (باستطاعتك أن تغادر حيفا، أن تهرب من حيفا، لكنك في يوم لا بد آت، ستصحو وستكتشف .. بل وستندم).
وفي (الأعمى والأطرش) يعود كنفاني إلى النغم الحزين، في رجال في الشمس، حيث يصبح الخلاص الفردي مستحيلاً، في قلب قهر جماعي لا يبقي ولا يذر.. وفي (برقوق نيسان) يسترد غسان الوعي المفقود، الذي ما إن يحضر حتى يتحول إلى زند فاعلة (عندما جاء نيسان أخذت الأرض تتضرج بحمرة البرقوق الأخاذة، كأنها بدن رجل شاسع مثقب بالرصاص.. كان الحزن وكان الفرح.. تماماً مثلماً تكون الولادة ويكون الألم).
ثم نقف عند درة التاج في (رجال في الشمس) لنتصور مشاق الرحلة الفلسطينية هرباً من العذاب وبحثاً عن الخلاص، إننا نقع على هذا التجسيد، للخصوصية الفلسطينية في الشتات بعد النكبة، وأبطال هذه الرحلة في رجال في الشمس، ينتمون إلى أجيال ثلاثة: أبو القيس وهو مزارع فلسطيني خسر أرضه، يترك المخيم وزوجيته وطفليه بحثاً عن الرزق في بلاد الله الواسعة، وأسعد وهو شاب فلسطيني مطارد بسبب نشاطه السياسي، ومروان وهو فتى غض الإهاب، لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره، وقد تزوج أبوه ثانية ربما بسبب قلة العمل! فأورثه إعالة أمه وخالته وأخوته الصغار.. إنهم ثلاثة فلسطينيين لا يعرف أحدهم الآخر، وفدوا إلى البصرة العراقية في وقت واحد، ليعبروا الحدود إلى الكويت بصورة غير نظامية، إذ لا هوية!.. ولا جوازات سفر.. ولا ما يحزنون.. أما المهرب (أبو الخيزران) فكان سائق صهريج ماء.. واستقرت الخطة إلى أن يركب الثلاثة بجانب (أبو الخيزران) حتى الوصول إلى ما قبل نقطة التفتيش بقليل، وباعتبار خزان الشاحنة فارغاً في الإياب من البصرة، فإن الثلاثة سينتقلون إلى داخل الخزان لحظة عبور نقطة التفتيش، وما حدث هو أن (أبو الخيزران) انهمك في حديث بليد، عن علاقات غرامية صارخة هنا وهناك، فيما حراس النقطة يشجعونه على المزيد من الاستطراد.. وهكذا إلى أن أحرقت الشمس القائظة أجساد الثلاثة داخل الخزان، إذ ماتوا مختنقين.. ويلقي أبو الخيزران بالجثث الثلاث فوق أكوام القمامة على مداخل الكويت.. لقد حاولت الأجيال الثلاثة، عبور خط الفقر، بخلاص فردي، فكان موت الصحراء، موتاً مضافاً على الموت في المخيم.. ثم تنزلق الفكرة إلى دماغ أبو الخيزران الناشف:
- لماذا لم يدقوا جدران الخزان من الداخل؟!
وأسند رأسه فوق مقوده وجعل يكرر:
- لماذا لم يدقوا جدران الخزان، لماذا لم يقولوا، لماذا لم يصرخوا..
لم يدرك أبو الخيزران بحسه المتبلّد، أن شعب فلسطين، ما عتم يدق جدران خزانه الفلسطيني منذ مطلع هذا القرن، لكن أحداً من الجوار الفلسطيني العربي، لا يريد أن يسمع!..
لقد سقط جسد غسان، لكن يراعه لم يسقط، سقطت الطفولة إلى جانبه، ابنة أخته الصغيرة، لكن نشيج الطفل الفلسطيني ما زال يؤرق إسرائيل بل ويقض مضاجع هنائها ونومها المتقطع..
منذ سبعة وعشرين عاماً، سقط جسد غسان، لكن الكلمة التي كانت هي البدء قبل الخليقة، لم تسقط، أما المشكلة فإن الكلمة لا يثقبها الرصاص!..
(الهدف، العدد 1294 –4/7/1999، ص 26-27)

