بإعلانِ نتائجِ الاستفتاءِ على الدستور التونسيّ الجديد، وتوقيع رئيس الجمهوريّة عليه ونشره في الرّائد الرسميّ، تكون الجمهوريّة التونسيّة قد انتقلت من مرحلةٍ تاريخيّةٍ سابقةٍ إلى أخرى مفتوحةٍ على المستقبل. وإذا كانت المرحلةُ السابقةُ قد امتدّت على مدى زمنيٍّ طويل، إلّا أنّه يمكنُ حصرُها ارتباطًا بما جرى ويجري في الحاضر السياسيّ بتاريخ محدّد، يبدأ من 14 يناير عام 2011، وينتهي بيوم توقيع الدستور الجديد، وهي المرحلةُ التي شهدت الحراك الشعبيّ التونسيّ لإسقاط نظام بن علي، وما رافق ذلك من شعاراتٍ اقتصاديّةٍ وسياسيّة، وهو الحراكُ الذي دشّن مرحلةً ما بات يعرف بالربيع العربي المتمثّل في موجة احتجاجات عمّت أكثرَ من بلدٍ عربيٍّ بمستوياتٍ ونتائج مختلفة؛ بغض النظر عن التقييمات والتوصيفات التي أطلقت عليه. لقد ترتّب على الحراك التونسيّ إسقاط نظام بن علي الذي غادر تونس إلى السعوديّة يوم 14 يناير 2011، وتشكيل حكوماتٍ متعاقبةٍ بدأت بالرئيس المؤقّت فؤاد المبزع، ثّم الرئيس المنتخب المنصف المرزوقي ومن بعده الباجي قائد السبسي، ثمَّ الرئيس المؤقّت محمد بن ناصر، ومن بعده الرئيس الباجي السبسي، لتنتهي برئاسة قيس سعيد رئيسًا منتخبًا عامَ 2019. كما تبدّى هذا المسار عبر ثلاث محطاتٍ انتخابيّة، كانت حركةُ النهضة خلالها الحاضر الثابت والرئيسي، وإن لم ينعكس ذلك بشكلٍ ميكانيكيٍّ يُمكّنها من الإمساك بالسلطة السياسية وإدارتها دون منغّصات. كما كان الدستور الذي أقرّه مجلس النوّاب عام 2014، بمثابة العقد الاجتماعي الضابط للعلاقة بين كلِّ مكوّنات المجتمع التونسي؛ على قاعدة أن النظام السياسي نظام برلماني؛ يتمتّع فيه الرئيس بصلاحيّاتٍ محدودة، وذلك خلافًا لما كان سائدًا خلال حكم الرئيسين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي. أما الفترة التي سبقته، أي منذ 2011 فقد كانت بمثابة مرحلة انتقالية انضوت من الناحية الموضوعية على ما يؤشر إلى إنتاج دستور من هذا النمط، دون أن ينفي ذلك دور التدخلات الخارجية في هذا الإعداد والتحضير، وبغض النظر عن المستوى الذي بلغته. لقد اتسمت تلك المرحلة بهامش واسع من الحريات السياسية والإعلامية؛ دون إنجازات على المستوى الاقتصادي والاجتماعي؛ تضمن رسوخ النظام السياسي في الوعي العام؛ الأمر الذي تبدى في حالة عامة من العزوف عن المشاركة السياسية، وتولد عنه نوع من الحنين في أوساط اجتماعية عديدة إلى العهود السابقة، خاصة فيما يتعلق بالوضع الاقتصادي، مع حالة تحريض ضد حركة النهضة تحديدا؛ صاحبة الأكثرية في مختلف دورات البرلمان.
وقد تبدت الإشكالية خلال جلسات البرلمان المنبثق عن انتخابات 2019 الذي تحول إلى ما يشبه حلقة السيرك، وكذلك في حالة الخلاف والصراع والتعطيل الذي شهدتها عملية تشكيل الحكومة، وتعيين الوزراء؛ الأمر الذي رذل العمل السياسي، وأشار بأصابع الاتهام إلى وقوف أطراف خارجية خلف ذلك المشهد. وفي ظل هذه الأجواء أعلن حراك 25 يوليو عن تحركات بمناسبة عيد الجمهورية، رافقها حرق مقرات لحركة النهضة، وعلى هذه الأرضية توفر للرئيس المناخ لإعلان 25 يوليو 2021 بذريعة الخطر الذي يهدد الدولة ومستندا للفصل 80 من الدستور التونسي، وما ترتب على ذلك من إجراءات استمرت حتى صياغة الدستور الجديد والاستفتاء عليه ومن ثم نشره بشكل رسمي. وبذلك باتت القطيعة مع المرحلة السابقة أمرا ناجزا، ولم تعد هناك أية إمكانية للعودة إلى القديم، بل أن المعارضة بما فيها النهضة لم تعد تطالب بذلك، خاصة وأن الأمر تجاوز حدود الصراع بين النخب السياسية إلى حالة شعبية عامة. وفي هذا السياق تمكنت قوى المعارضة خلال المدى الزمني الطويل نسبيا، بين إعلان 25 يوليو 2021 وإجراء الاستفتاء بعد عام من امتصاص الصدمة وتوسيع صفوفها، ولم تعد مقتصرة على حركة النهضة بل باتت تضم قوى من مختلف الألوان السياسية (النهضة ــ جبهة الخلاص ــ الجبهة المدنية ــ مواطنون ضد الانقلاب.. الخ) إلا أنها حتى اللحظة لم تستطع أن تتجمع في إطار واحد، على الرغم من موقفها شبه الموحد والذي يتلخص في الطعن في مشروعية كل ما ترتب على مرسوم 25 يوليو 2021 وينسحب ذلك على الاستفتاء والدستور المنبثق عنه، مع إعلان التمسك بدستور 2014. وقد استفادت المعارضة في حركتها من طريقة صياغة الدستور الجديد ونشره ثم سحبه لما شابه من أخطاء، وتفرد رئيس الجمهورية بكتاباته، والارتباكات التي رافقت عملية الاستفتاء ونسبة المشاركة قياسا للعدد الإجمالي للناخبين. كل ذلك مكن المعارضة من أوراق ضغط وقدرة على التحرك إلى حد التلويح بتشكيل حكومة إنقاذ وطني يتم انتخابها من قبل البرلمان السابق، وذلك في ظل تفاقم الوضع الاقتصادي والصعوبات الاقتصادية، ورهن عملية الخلاص الاقتصادي بالحصول على قروض من صندوق النقد الدولي، الذي يتلكأ في هذا الجانب؛ رابطا ذلك برزمة إصلاحات تقود في حال الإقدام عليها إلى تفجير الوضع الداخلي. يضاف إلى ذلك بوادر ارتباك في الأداء من قبل السلطة التنفيذية تبدت ملامحه في كثير من الملفات المطروحة، وذلك في ظل غياب أية أفق للحوار السياسي.
ويتلخص أحد أهم الإشكاليات التي تواجهها تونس في الظرف الراهن، في أن الصراع السياسي الداخلي لم يعد داخليا بالمعنى المحدد، خاصة وأن عديد الأطراف الدولية الأمريكية والأوربية تحديدا، قد دخلت على الخط منذ اللحظة الأولى، بذريعة حماية الديمقراطية الناشئة، واستمرت تلك الأطراف في الإفصاح عن مواقفها طوال العام المنصرم، من خلال البيانات والتصريحات الصحفية، والزيارات وعقد اللقاءات مع الحكومة وبعض أطراف المعارضة. وفي هذا الصدد جاء الموقف الأمريكي التالي لإجراء الاستفتاء ملفتا للنظر وداعيا للتنبه والحذر؛ فهذا الموقف كان حاضرا وظاهرا منذ تعليق عمل البرلمان في 25 يوليو 2021، وذلك عبر مواقف معلنة صادرة عن أعضاء مجلس نواب أو السفارة الأمريكية أو عبر وفود حضرت إلى تونس، وهي مواقف تقاطعت مع أطراف أوربية عديدة في انضوائها على شيء من الدعم للمعارضة. لكن الجديد في الأمر هي تلك المواقف الأمريكية الصادرة بعد إجراء الاستفتاء التي تتقاطع عند نقاط محددة لتشكل في نهاية المطاف منهجا ضابطا للحركة الأمريكية تجاه تونس، من أجل الوصول إلى غاية محددة؛ الأمر الذي يمكن تحديده في خمسة نقاط أساسية:
أولا- جهات إصدار الموقف: تمثلت المؤسسات الأمريكية المعبرة عن الموقف في مؤسستين الأولى هي وزارة الخارجية، وذلك من خلال خطاب السفير الأمريكي الجديد لدى تونس، جوي هود، أمام لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي بتاريخ 27 يوليو 2022، وذلك بعد المصادقة على تعيين، وتصريح المتحدث باسم وزارة الخارجية، نيد برايس، ثم بيان وزير الخارجية يوم 28 / 7 /2022. والثانية هي وزارة الدفاع التي صدحت بموقفها عبر لويد أوستن وزير الدفاع الأمريكي يوم 9 أغسطس 2022، وذلك خلال مراسم تغيير القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) ومقرها ألمانيا، وهي مسؤولة عن جميع عمليات وزارة الدفاع الأمريكية في أفريقيا والمياه المحيطة بها، وكذلك التدريب والتعاون الأمني مع دول القارة. إن حصر التعبير عن الموقف في مؤسستين سياديتين، ومن خلال شخصيات وازنة، وزيري الخارجية والدفاع، يؤكد مدى الاهتمام الذي تعطيه الولايات المتحدة الأمريكية لتونس في الظرف الراهن.
ثانيا- تقييم الوضع: تتقاطع المواقف الصادرة في تقييم وتوصيف للوضع التونسي، تتلخص ملامحه في تراجع المعايير الديمقراطية، واعتبار الدستور الجديد مدخلا لمزيد من التراجع والحد من احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية، هذا التقييم يسعى إلى ترسيخ فكرة الدفاع عن الديمقراطية كقيمة مجردة، وبهدف توفير المشروعية للموقف والدور في الشارع الأمريكي، ويقوم بدور المحرض لأوساط تونسية ترفع شعار الديمقراطية.
ثالثا- تعليل تدهور الوضع: نتيجة للصراع بين ”داعمي الديمقراطية والحرية وسيادة القانون من ناحية، وقوى الاستبداد والفوضى والفساد من ناحية أخرى، وهو جزء من الصراع في جميع أنحاء أفريقيا، حيث يقاتل أولئك الذين يدعمون الديمقراطية والحرية وسيادة القانون قوى الاستبداد والفوضى والفساد”؛ فتراجع الديمقراطية في تونس ناتج عن تعزيز السلطة التنفيذية من قبل الرئيس قيس سعيد على حساب الديمقراطية، ويلاحظ هنا أن التعليل يقسم المجتمع إلى جبهتي صراع، ويخرج به عن الدائرة الوطنية إلى إطار أوسع يشمل القارة الأفريقية، وهي مسألة تقود إلى الاستنتاج بأن محاولة تجري لربط المعالجة الأمريكية للوضع التونسي باستراتيجيتها في أفريقيا والتي أعلنتها تحت عنوان مواجهة روسيا والصين.
رابعا- الأهداف المبتغاة: تكشف القراءة المدققة لجملة التصريحات الصادرة عن مجموعة من الأهداف التي تسعى الولايات المتحدة الأمريكية لتحقيقها على ضوء تقييمها وتفسيرها للوضع التونس، وتتلخص تلك الأهداف على المستوى السياسي الداخلي في تشكيل حكومة ديمقراطية تحمي حقوق الإنسان، والحريات الأساسية، وتعزز الازدهار، وتحترم استقلال القضاء وسيادة القانون، وتضع الضوابط الضرورية لسلامة جميع الأنظمة الديمقراطية، وعلى المستوى الاقتصادي في تخفيف معاناة التونسيين من الأزمة الاقتصادية الناتجة عن حرب بوتين المدمرة، ومن سوء الإدارة الاقتصادية، والاضطرابات السياسية.
خامسا- الآليات والتكتيكات: تتحدد الآليات المعلنة لتحقيق الأهداف المشار إليها أولا في استخدام جميع أدوات النفوذ الأمريكي والتنسيق مع الحلفاء والشركاء. وثانيا في دعم أصدقاء أمريكيا في تونس وفي أفريقيا الذين يحاولون تشكيل ديمقراطيات منفتحة وخاضعة للمساءلة. وثالثا في التعاون مع الجيش التونسي، بشأن الأولويات الأمنية للولايات المتحدة وفي مقدمتها التهديدات الإرهابية العالمية، ولكي يكون الجيش في خدمة شعبه وليس العكس. ورابعا في تطبيع العلاقات مع “إسرائيل”، من خلال اتفاقات "إبراهيم" التاريخية، من أجل إرساء مزيد من السلام والأمن في المنطقة، وتعميق الفرص لتوسيع النمو الاقتصادي والإنتاجية.
التدقيق في النقاط الخمسة المطروحة يؤكد إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية تحاول جاهدة أخذ تونس نحو متاهات سياسية، تتمثل في إدماجها في مشاريعها الإقليمية من ناحية ،وجرها إلى مستنقع التطبيع من ناحية أخرى، وكل ذلك تحت شعار الدفاع عن الديمقراطية، بما ينطوي عليه ذلك من زيف وخداع.

