بعد موجة «الرّبيع العربيّ» التي عصفت بعالمنا العربي، انكشف زيف النظام العربي الرسمي، وكان ذلك الربيع الزائف مقدمةً ضروريةً للدخول في مرحلة التطبيع الثالثة بين العالم العربي و(إسرائيل)، حيث توسعت مراوحُ ومجالات الأمن (الإسرائيلي) أكثر من أيّ وقتٍ مضى، فالخليج ومطبّعيه باستثناء الكويت ، أصبح جزءاً من الأمن (الإسرائيلي)، وينشغل هذا الأمن في التصدي لإيران لا في مشروعها النووي فحسب، وإنما في تمددها العالمي وضد أذرعها الإقليمية، أما لبنان وانتخاباته الرئاسية والتشريعية كما سعر صرف الليرة واستثمارات الغاز فهي في دائرة الاهتمام الضيقة للأمن، وبالنظر إلى سورية أرضاً وموانئَ ومطارات، فقد أصبحت هدفاً لقصفهم المتواصل لضرب الجيش السوري وحلفائه من قوى محلية أو إيرانية خدمةً لمجالات أمنهم الحيوي، فيما تقف روسيا صامتةً وكأنّ الأمر لا يعنيها أو كأنّه يجري في مكانٍ بعيدٍ عن قواتها وعن البلد الذي يمثل عمقها الاستراتيجي، ولعلّها ترى أن لتفاهماتها مع (إسرائيل) حول قواعد الاشتباك في سورية أولوية على مصلحة سورية، مما يجعلها تتجاوز المصالح والمشاعر السورية على حد سواء.
في فلسطين يدّعي (الإسرائيلي) أنه يريد دعم السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، ولكنه يحاول في الوقت ذاته إسقاطها من عيون شعبها بالحديث حيناً عن ضعفها وفشلها، وحيناً آخر يمتدح عمق التنسيق الأمني- المخابَراتي معها، ويبدي احترامه للتدابير الأمنية المشتركة معها، يتمثل هذا التعاون في اجتياحاته العسكرية للمدن والقرى والمخيمات الفلسطينية، خاصةً في شمال الضفة الغربية، وهو ما أصبح حدثاً متواصلاً في كل ليلة، فيراقُ في هذه الاجتياحات الدم الفلسطيني وتزهَقُ أرواح الشهداء، لدرجة أن الإدارة الأمريكية أصبحت تطالبهم بتقنينِ القتل الذي صار أمراً ممكناً ومتوقعاً في كل زقاقٍ أو حارةٍ في القرى والمخيمات والمدن.
لم تفلح الوصفاتُ (الإسرائيلية) ووصفات البنك الدولي وغيره من مانحين غربيين التي تَنظرُ بأن الطريقةَ الأسرع والأنجح لوقف العنف هي في السلام الاقتصادي، حيث ينشغل الفلسطيني بالعمل ومراكمةِ المال بحيث يرى بأعمال المقاومة أمراً يحدُّ من أرباحه، ويترافق مع هذا الانشغال في سياق طريق السلام الاقتصادي الى التوسعُ في إصدارِ أذونات (تصاريح) العمل التي تسمح للفلسطيني بدخول المناطق المحتلة عام 1948 والعملِ في مشاريع الاقتصاد (الإسرائيلي)، لكن نتيجةَ الوصفات كانت أمراً مغايراً، فمعدلُ عمليات المقاومة قد ازدادَ بشكل ملحوظ، فعادت(إسرائيل) إلى مزاوجةِ الاقتصاد بسياساتها التقليدية والتي لا ترى بُداً من استعمال العنف بأقصى درجاته إلى جانبِ الاقتصاد بما يعرف بـ «سياسة العصا والجزرة» مع المقاومين الجدد صغار السن؛ الذين كسروا حاجزَ الخوف فلا يهابون الموت وهم على استعداد للاشتباك مع عدوٍ يتفوق عليهم بالعددِ والسلاحِ والمعلوماتِ ومن مسافاتٍ صفرية.
ذكرتِ القناةُ الثانية عشرة العبرية الخميس الماضي ما تردد على ألسِنَةِ القادة (الإسرائيليين) من سياسيين وعسكريين وأمنيين، أنه لا بدّ من عمليةٍ عسكريةٍ واسعة في شمال الضفة الغربية بهدف اجتثاث ظاهرة المقاومة بنوعها الجديد، إلا إذا قامت السلطة الفلسطينية بدورها في ضبط الأوضاع (أي قامت هي بعملية الاجتثاث)، قد يكون الأمر مفهوماً لما سببته المقاومة من قلقٍ وإزعاجٍ وخطرٍ، خاصةً وهي في تصاعدٍ وازديادٍ، حيث أخذَت تنتقل وتتمدد من جنين إلى مناطق أخرى، لكن لا يبدو أنّ هذا الهدف المعلن هو الهدف الوحيد، صحيح أنّ عناوينها (أي العملية) أمنية وعسكرية إلا أنها تتداخل بشدة مع السياسة.
التداخل بين الأمن والسياسة له محاوره، أولها الانتخابات التشريعية (الإسرائيلية) في مطلع تشرين الثاني المقبل، فالحكومة ترى أنّ تعزيز وضعها الانتخابي أمام جمهورها الذي ينحو باستمرارٍ نحو مزيدٍ من التطرف لا يكون إلا بإراقة مزيدٍ من الدم الفلسطيني، هذا الدم الذي يتحول إلى أصواتٍ في صندوق الانتخابات، وثانيها الاستعداد لليوم الذي يلي (أبو مازن)، من حيث احتمال اندلاع الفوضى والعنف الذي لا بدّ لشظاياه أن تصيبهم، ومن المحتمل أن تشارك في هذه الفوضى جماعاتٌ رسميةٌ فلسطينيةٌ من الحزب الحاكم في صراعها على وراثة موقع الرئيس، والرئيس الجديد كائناً من كان لن يكون هذه المرّةَ لا صناعة مصريةً أو متوافقاً عليه عربياً، وإنما تحدده القوة الفاعلة على الأرض. أما ثالث المحاور فهو عودة العمل على شقِّ الطرق وسكك الحديد من حيفا إلى جسر الشيخ حسين ثم إلى العالم عبر الأردن، وذلك في مناطق قريبةٍ من شمال الضفة الغربية، وهو مشروعٌ تم الحديث عنه أول مرةٍ عقب توقيع اتفاق «أوسلو» وبقي قاسماً مشتركاً لكل المشاريع التطبيعية الإقليمية، وآخر المحاور تفعيل العمل في منطقة جنين الصناعية التي توقف العمل بها منذ الانتفاضة الثانية، وقد دخل الأتراك على المشروع بقوة، ولكن من المعلوم أنّ المقاومة (الفوضى في غير مفرداتنا) تعتبر من الأمور الطاردة للاستثمار، فلا بدّ من القضاء على المقاومة قبل البدء في إعادة النشاط لهذه المنطقة.
لن ينتهي هذا العام كما بدء، وإنما يتم التأسيس لعام جديد له شكلٌ مختلف.

