جاء خطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأربعاء 21 سبتمبر كإعلانٍ متوقّع عن مرحلةٍ جديدةٍ في الحرب الروسية الأوكرانية.
رغم تأكيد الرئيس الروسي على صيغة "عملية عسكرية خاصة" وعدم إعلانه حالة الحرب رسميًا، إلّا أنّ تفاصيل الخطاب وما جاء به وواكبه من قراراتٍ روسية، يعكس فعليًا ما هو أكبر بكثير من عملية عسكرية خاصة، هي حرب كبرى وقد تكون الأكبر في أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وبالتأكيد تفوق الحروب الأهلية في البلقان ويوغسلافيا في خطورتها ومحوريتها.
قال بوتين في خطابه الذي جاء بعد تحقيق القوات الأوكرانية لتقدم في هجومها المضاد منذ مطلع سبتمبر واستعادتها لمساحات كبيرة نسبيًا خصوصًا على جبهة منطقة خاركيف، إنّه وقّع مرسومًا بشأن التعبئة الجزئية اعتبارًا من الأربعاء 21 سبتمبر/ أيلول، للدفاع عن الأراضي الروسيّة التي يريد الغرب تدميرها.
وأضاف في الخطاب التلفزيوني: "عندما تتعرّض وحدة أراضي بلادنا للتهديد، سنستخدم بالتأكيد كل الوسائل المتاحة لنا لحماية روسيا وشعبنا"، متهمًا الغرب بالسعي إلى "إضعاف بلادنا وتقسيمها وتدميرها في نهاية المطاف".
وأوضح أن هدفه هو "تحرير" منطقة دونباس شرقي أوكرانيا، مؤكدًا أنّ معظم الناس في المنطقة لا يريدون العودة إلى ما سماه "عبودية" أوكرانيا.
اذن ورغم تمسك بوتين بتوصيف "عملية عسكرية خاصة" فقد بات الحديث عن حماية روسيا ذاتها وأراضيها من التدمير والعدوان وليس عن حرب استباقية لمواجهة تهديد مستقبلي محتمل يشكله انحياز أوكرانيا للناتو وتسلحها ووجود حكومة معادية لروسيا فيها.
على نحوٍ موازٍ للخطاب كانت الإدارات المحلية التابعة لروسيا في المناطق التي سيطرت عليها منذ بداية العملية العسكرية قد أعلنت عن خططها لتنظيم استفتاءات محلية للاستقلال عن أوكرانيا والانضمام إلى روسيا، وهو ما يعني فعليًا بداية مرحلة جديدة في تفكيك أوكرانيا.
لحظة الحقيقة في الحرب الروسية الأوكرانية
من رأى أنّ العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا قادرة على تغيير النظام العالمي، يكتشف الآن عمق هذا النظام وضراوته في الدفاع عن ذاته وهيمنته، خلال شهور الحرب السبعة في أوكرانيا لم تنقطع إعلانات وزارة الدفاع الروسية عن تدمير كتائب وألوية أوكرانية بأكملها، واستهداف أسلحة ومخازن ومعدات وموارد قتالية ومخازن للوقود، مع ذلك أظهرت القوات الأوكرانية قدرة على شن هجوم كبير على جبهات واسعة في الشرق والجنوب في آنٍ واحد، واستعادت مساحة كبيرة من الأراضي التي كان الروس قد سيطروا عليها في وقتٍ سابق.
خلال 7 شهور من القتال المندلع في الأراضي الأوكرانية، بنى حلف الناتو لأوكرانيا جيش جديد أكبر من جيشها السابق في عديده، وأحدث في عتاده، وأكثر قدرة في الجوانب الخططية والتعبوية كما في التكتيكات مما كان عليه الجيش الأوكراني في أي مرحلة سابقة منذ تفكك الاتحاد السوفياتي واستقلال أوكرانيا، مئات آلاف قطع السلاح والمنظومات القتالية المتطورة تدفقت لأوكرانيا، دمّر الروس فعليًا منها عشرات الآلاف ولكن ما وصل منها كان أكثر من كاف لتسليح جيش جديد، وأكثر من ذلك قدم المعسكر الغربي دفق لا ينتهي من المعلومات الاستخبارية الحساسة للأوكران، نعم روسيا في أوكرانيا تحارب ضد منظومة رديفة لحلف الناتو، وما أعلنته روسيا كمخاوفٍ مستقبليّة تسعى لمنعها بواسطة العملية العسكرية هو ما تواجهه في الحرب اليوم.
أظهرت المنظومة العسكرية والاستخبارية لحلف الناتو اجادتها لصناعة الحروب بالوكالة، وقدرة هائلة على حشد الموارد، في ظل اجماع سياسي وحشد غير مسبوق ضد روسيا، وصلت إلى حد تجاوز أوروبا لمعظم خلافاتها البينية، وأيضًا ذوبان المسافات بين مواقف العواصم الأوروبيّة والموقف الأمريكي من روسيا، حشدت الولايات المتحدة معسكرها وألزمت أوروبا بخوض هذه الحرب وإن كان بشكلٍ غير مباشر، ألمانيا تعيد بناء جيش هو الأكبر في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، وبرامج التسلّح عادت للانتعاش والتوسّع في معظم الدول الأوروبيّة، ودفق السلاح لأوكرانيا لا يتوقّف ساعة واحدة، وإذا كانت هناك حاجة لمثال توضيحي، فإنّ ما يطلق عليه الجسر الجوي الأمريكي لإعادة تسليح الكيان الصهيوني في ظل حرب أكتوبر 1973 قد يبدو شارع جانبي قياسًا بأسطول من النقل الجوي والبري العامل يوميًا في نقل السلاح والتجهيزات لأوكرانيا.
الحديث عن أخطاء الروس وأوجه الخلل والقصور في خططهم لا ينقطع في إعلام المعسكر الغربي، وأيضًا حتى في كتابات موضوعية ومستقلة، ولكن روسيا لا تواجه هجمات جبهوية واسعة بعد 7 أشهر من الحرب بسبب أخطائها فحسب، بل بفعل عوامل أكثر عمقًا بكثير تكاد تلخّص طبيعة المواجهة، فالقرار الغربي والأمريكي البريطاني خصوصًا لم يكن ردع وانهاء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا ودفع روسيا للانكفاء، بل تدمير القدرة العسكرية الروسيّة وإنهاء دورها واخضاعها بشكلٍ نهائي.
معطيات مضادة: لماذا روسيا دولة كبرى؟
من يقرأ تفاصيل الحرب ينظر للجيش الروسي ليكتشف حقائق جديدة تغيبها الدعاية الغربية، وحتى الروسية في كثير من الأحيان، فالجيش الروسي ليس الجيش الأحمر السوفياتي لا في عديده أو مكانته أو قدرته القتالية، وعديد قواته النظامية لا يتجاوز مليون جندي في أقصى التقديرات، كما أنّ الطفرة التسليحية التي تمر بها روسيا في عهد بوتين وإن كانت قد صنعت الكثير من الأسلحة النوعية التي تضاهي نظيرتها الغربية أو تتفوق عليها في قطاعاتٍ استراتيجيّة، إلّا أنّ الانتاج الحربي الروسي لم يتحوّل أبدًا للإغداق الكمي، هناك جيش روسي مسلّح بشكلٍ جيد بأسلحة يعود معظمها لفترة نهاية الحرب الباردة، أو نسخ مطوّرة منها، يتم تحديثه في السنوات الأخيرة بمنظومات حديثة تنتمي للجيل مما يمكن تسميته بقفزة بوتين التسليحيّة، والتي ركّزت بالأساس على مجالات الردع الاستراتيجي، الصواريخ الفرط صوتية والمقاتلات الفائقة من الجيل الخامس، وقدرات الدفاع الجوي، أمّا تسليح الوحدات البرية والمدرعات، فلنا أن نعرف أن معظم الدبابات الروسية التي تخوض الحرب في أوكرانيا ليست من طراز أرماتا الذي لا يوجد منه إلّا نسخ محدودة، بل أن معظمها ليست نسخة الدبابة السوفيتية الأخيرة أو المحدثة t90، هذا الأمر ذاته ينطبق على الطائرات، وأيضًا على أنظمة المدفعية.
عدد القوات الروسية التي تشارك في العملية العسكرية منذ بدايتها حوالي ١٠٠ ألف عسكري، في بلد بحجم أوكرانيا، وهو العدد الذي تستطيع روسيا ارساله للحرب فعليًا دون اعلان تعبئة عسكرية عامة، أي إعلان حالة طوارئ وتجنيد المواطنين الصالحين للتجنيد، فلا يمكن تجاوز أيضًا حجم روسيا الهائل وحاجتها لعدد كبير من القوات لحماية أراضيها، وأيضًا تحسّبها لسيناريوهات أخرى محتملة من العدوان، أي ضرورة بقاء الأسلحة الأكثر نوعية وحداثة وعدد كبير من الوحدات الأكثر تجهيزًا في حالة استعداد للحرب، وهنا المقصود الحرب بشكلٍ مباشر مع حلف الناتو، حرب استعدت روسيا ومن قبلها الاتحاد السوفياتي لمنعها طيلة أكثر من 70 عامًا.
القيمة العسكرية لروسيا، في نسختها الحالية، أو في العهد السوفياتي، وكذلك في العهد القيصري، يكمن في اختلاف نموذج التجنيد والتعبئة العسكرية فيها عن نظيره الغربي، واستناده لتقاليد تاريخيّة تتصل بتركيبة البلاد كاتحاد بين كيانات محلية ممتدة على مساحة تساوي قارة تقريبًا، البلد الأكبر في العالم من حيث عدد المساحة لم ينتصر في أي حرب في شهورها الأولى ونادرًا ما حقق تقدمًا في بدايات المعارك، واذا استثنينا اجتياح الروس لجورجيا خلال أيّام، فروسيا على عكس الولايات المتحدة لا تحتفظ بجيش هائل الحجم، ولا تستنزف اقتصادها في التصنيع الحربي، بل إن بعض الدول العربية-النفطية بالطبع- تنفق موازنات عسكرية تفوق تلك التي تنفقها روسيا، ولكن قدرة هذه البلاد على التعبئة العسكرية وزيادة حجم جيشها بسرعة قياسية من خلال استدعاء متدرج للاحتياطي، وأيضًا رفع قدرة التصنيع الحربي لإنتاجيته القصوى خلال وقتٍ قصير قد يفوق خيال أي مخططٍ غربي.
تدفن روسيا أوروبا في برد الشتاء بقطعها للغاز عنها، وتخوض لعبة الثلج، إذ تراهن المنظومة الغربيّة على عدم قدرة روسيا على شن عمليات عسكرية طيلة الشتاء، وهو رهان دائمًا ما خسره الغزاة الغربيين في حروبهم مع الروس، وتستنهض روسيا جزء مهم من قدراتها العسكرية الكامنة، في حربٍ باتت أقرب ما تكون لحرب مع الناتو يخوضها الجنود الأوكران في مواجهة الروس.
800 طائرة عسكرية روسية تستعد قريبًا من مسرح العمليات القتالية، وعشرات الآلاف من الجنود الروس ستتمكن روسيا من ارسالهم لأوكرانيا، وما تجنبته أوكرانيا طوال الحرب قد يحدث خلال الأيّام المقبلة، أوسع موجة قصف لبناها التحتية منذ الحرب العالمية الثانية، واجتياحات واسعة على بعض الجبهات بكثافة نارية على غرار تلك التي يصنعها الناتو في مدننا العربية، دمار حقيقي ومؤسف، سيُشاهده العالم، وأي كانت رهانات من في هذا العالم وميوله لأي من المعسكرين، فالمؤكّد أيضًا أننا سنكون في كل يوم على حافة انزلاق نحو توسّع غير محسوب للصراع، يكفي أن تغير قاذفة روسيّة واحدة على نقطة تسليم للسلاح أو غرفة عمليات فيها جنرالات وضباط من الناتو أو تصطدم مقاتلة غربية بمقاتلة روسية أو تسقط قذيفة أوكرانية حيث لا ينبغي لها في مفاعل زباروجيا النووي.

