تعرّف إسرائيلُ نفسَها دولةً "يهوديّةً ديمقراطيّة"، ويبقى هذا التعريفُ مصدرًا لإشكالاتٍ سياسيّةٍ واجتماعيّةٍ وثقافيّةٍ لا تنتهي؛ بَدْءًا من تحديد من هو "اليهودي"، مرورًا بعلاقةِ الدين بالسياسة، وصولًا إلى التجلّيات اليوميّة لهذه السياسة في التناقض بين الطابع الديمقراطي المزعوم والهُويّة اليهوديّة وحقوق غير اليهود، ومواقف الجماعات الدينيّة المتزمتة "الحريديم" ذات المرجعيّات التوراتيّة والتلموديّة من القضايا السياسيّة والاجتماعيّة، وعلاقة أتباع هذه الجماعات بمؤسسات الدولة الصهيونيّة المختلفة بما فيها الجيش والخدمة الإلزاميّة في صفوفه وحتى العقيدة القتالية لهذا الجيش.
في الأدبيّات الصهيونيّة التي سبقت إنشاء "إسرائيل"، جرى الترويج لهذه الدولة باعتبارها دولةً لـ "اليهود" دون تعريفٍ قاطعٍ من هم هؤلاء البشر الذين ينطبق عليهم هذا التعريف، وعلى الرغم من تضمين هذا الوصف في عديد القوانين وقوانين الأساس التي صدرت بعد إنشاء الدولة، كقانون العودة، وقانون القوميّة، إلّا أنّ مشكلة "من هو اليهودي" ظلّت قائمة، وانتقلت من سجالات ومؤسسي الحركة الصهيونية في القرن التاسع عشر، إلى الفكر السياسي للمشروع الاستعماري على أرض فلسطين، وصولًا إلى جدل الأحزاب السياسيّة الإسرائيليّة الصهيونيّة في كلّ انتخاباتٍ برلمانيّة، كما في الحياة اليوميّة وواقع الصراع اليومي مع الشعب الفلسطيني.
من المعروف أنّ الغالبية العظمى من مؤسسي الحركة الصهيونية وقادة إسرائيل فيما بعد يصنفون أنفسهم علمانيين وغير متدينين، حتى أن بعضهم معروفون بأنّهم ملحدون، لكن الدين في نظرهم وبخاصة في ممارساتهم السياسية والدعاوية ظل مادة مفيدة للتجييش والتحريض وبناء هوية إسرائيلية لم تكن قائمة على امتداد القرون الطويلة التي سبقت إنشاء دولة إسرائيل. وقد سئلت الزعيمة الصهيونية البارزة ورئيسة وزراء إسرائيل مطلع السبعينات غودا مائير ما إذا كانت تؤمن بالله، فتملصت من الإجابة المباشرة بالقول إنها تؤمن بشعب إسرائيل وشعب إسرائيل يؤمن بالله.
في هذه المشكلة تتداخل الاعتبارات العرقية والثقافية والتاريخية والدينية، إلى جانب الاعتبارات الاستعمارية التوسعية. واللافت أن المؤسسة الصهيونية الحاكمة تتساهل في التعامل مع هذه القضية إذا كانت مصلحة الكيان الاستعماري تتطلب جلب مزيد من البشر، كما جرى في حالات استقدام المهاجرين من دول الاتحاد السوفييتي السابق ومن أثيوبيا، ولكنها تتشدد حين يتصل الأمر بالحقوق السياسية والاجتماعية لهؤلاء، ولتلافي الإشكاليات النابعة من تعريف اليهود توصلت القيادات الصهيونية إلى نمط من التسويات المؤقتة التي يجري تجديدها دوريا، فأحالت صلاحيات البت في من هو اليهودي إلى المرجعيات الروحية لليهود المتزمتين، وبدا الأمر أقرب إلى كونه رشوة تقدمها المؤسسة الحاكمة للأحزاب الدينية التي على الرغم من محدودية حصتها ومدى تأثيرها في الشارع الإسرائيلي (نحو 15 في المئة)، إلا أن وزنها السياسي أكبر من ذلك بكثير، حيث أن معظم الحكومات التي تشكلت في إسرائيل، اعتمدت على التحالف مع الأحزاب الدينية بوصفها حليفا ثابتا لكل الحكومات (لعل حكومة التغيير الحالية برئاسة بينيت ولابيد هي الوحيدة التي لم تعتمد على الأحزاب الحريدية)، أما سر هذه التحالفات فبسيط جدا: موازنات سخية للجمعيات التي تديرها الأحزاب الدينية، وصلاحيات دنيوية في بعض المسائل الدنيوية المرتبطة بالدين مثل تحديد الحلال والحرام من الأطعمة، وتسوية انتهازية لقضية خدمة المتدينين في الجيش بحيث يتم إعفاؤهم من هذه الخدمة طالما أنهم يقومون بما هو أهم منها في نظر الرب، أي تعلم التوراة والدعاء المتواصل لحفظ شعب إسرائيل!
غالبا تتبنى الأحزاب الدينية مواقف الحكومات التي تنضوي في إطارها، وبالتحديد في المسائل السياسية العامة وقضايا الاحتلال والحرب والسلام والصراع مع الشعب الفلسطيني، هذه الأحزاب ركنت إلى معادلة بسيطة في مواقفها من السياسة وهي أن الحكومة والجيش أدرى بالشؤون السياسية والأمنية، والمرجعيات الحاخامية هي الأعرف بشؤون الدين، ونادرة هي المرات التي اصطدمت فيها هذه الأحزاب مع الحكومة ولعل أبرزها حجب الثقة عن حكومة اسحق رابين أواخر العام 1976 بسبب انتهاك طائرات عسكرية إسرائيلية أرسلتها الولايات المتحدة لحرمة يوم السبت، وهذه الحادثة مهدت للانقلاب الأبرز في تاريخ إسرائيل، وهو وصول حزب الليكود للحكم في العام 1977.
تثير مكانة الأحزاب الدينية والنفوذ الذي تتمتع به حفيظة أوساط علمانية واسعة وخصوصا أن نسبة كبيرة من المتدينين لا تمارس أي عمل إنتاجي أو اقتصادي سوى تلك الأعمال المرتبطة بالدين والعبادة والتعليم الديني، علاوة على أن العائلات الحريدية هي في الغالب عائلات كثيرة الأولاد، وتتلقى مساعدات ومعونات من الدولة على حساب دافع الضرائب العادي، وفوق كل ذلك لا يخدم أبناؤها وبناتها في الجيش، ويمارسون ضروبا من الإكراه الديني تجاه المجتمع بشكل عام مثل إغلاق الشوارع والمحلات التجارية أيام السبت وخاصة في مدينة القدس ، هذا النفوذ هو نتاج التسويات الانتهازية التي أبرمتها الحكومات المتعاقبة مع قيادات الأحزاب الدينية، ولذلك، وإزاء تقاعس اليسار الصهيوني التقليدي في قضايا علمانية الدولة، نشأت في مواجهة هذه الحالة أحزاب علمانية صرف جعلت مهمتها الرئيسية مواجهة نفوذ الأحزاب الحريدية والإكراه الديني، أبرز ممثلي هذه القوى كان حزب شينوي، وفي الوقت الراهن يتصدر هذه المسألة حزب يوجد مستقبل برئاسة رئيس الوزراء يائير لابيد، حتى حزب "يسرائيل بيتنا" برئاسة أفيغدور ليبرمان الذي تأسس في البداية كحزب للمهاجرين من دول الاتحاد السوفييتي السابق، تحول مع الوقت إلى أشد مناوئي الأحزاب الدينية ونفوذها متأثرا بمواقف هذه الأحزاب وعدم اعترافها بيهودية مئات آلاف المهاجرين، واللافت أن أبرز الأحزاب الصهيونية المدافعة عن القيم العلمانية هي أحزاب يمينية متطرفة، ولا يتورع بعضها مثل حزب يسرائيل بيتنا عن تبني خيار التهجير الجماعي (الترانسفير) للفلسطينيين من أجل دولة يهودية نقية مع أن يهودية ليبرمان نفسه وجمهور حزبه غير معترف بها من قبل الأحزاب الدينية اليهودية.
ليس ثمة تخوم واضحة بين قضايا الدين والدولة في أية دولة طبيعية وسويّة، ولكن هذه المشكلة تبرز بشكل حادّ في إسرائيل التي تعرف نفسها كدولة "يهودية"، ولكنها تحرص كل الحرص على أن تقدم نفسها كجزء من عالم الغرب الرأسمالي، بكل قيمه الثقافية والسياسية والاقتصادية، وسوف يبقى التناقض بين الطابع اليهودي للدولة وصورتها أمام العالم كدولة ديمقراطية مصدرا لتوترات لا تنتهي، مع أنها دائما تحسم ومن دون أدنى تردد لصالح الطابع اليهودي العنصري للدولة، من دون أن يعني ذلك أن الحسم يجري لصالح "الديني" في مواجهة العلماني.
وإلى جانب هذا الجدل المتواصل حول قضايا الدين والدولة، يبقى الموقف من الجيش والخدمة فيه وسائر القضايا الأمنية والعسكرية من العوامل التي تثير خلافات عميقة، وتخلق أزمات دورية، وحتى أنها تتسبب في انقسامات اجتماعية وحزبية.
فالجيش الإسرائيلي ليس مجرد أداة عسكرية يستخدمها من يحكمون الدولة في تنفيذ أهدافها ومخططاتها والدفاع عن حدودها، بل هو العمود الفقري لدولة إسرائيل، حتى بات من الشائع القول إن لكل دولة جيشها، ولكن للجيش الإسرائيلي دولته. فهذا الجيش يحظى بميزانية سنوية تصل إلى نحو ربع موازنة الدولة، ويكاد يكون المعهد الرئيسي لتخريج كوادر الدولة وقياداتها السياسية العليا، وحتى قيادات المجتمع المدني والقطاع الخاص مثل رؤساء البلديات والأندية الرياضية ومدراء الشركات.
يستمد الجيش الإسرائيلي أهميته الفائقة من دوره المركزي والحاسم في تنفيذ السياسات التوسعية والاستيطانية الإسرائيلية، وكذلك من الدور الوظيفي، الأمني والعسكري، الذي تلعبه دولة إسرائيل في خدمة المصالح الاستراتيجية للإمبريالية العالمية، سابقا برئاسة بريطانيا ولاحقا برئاسة الولايات المتحدة، يتجسد هذا الدور في مجابهة الأنظمة الوطنية المستقلة وحركات التحرر ودعم الأنظمة العنصرية والمستبدة، وكذلك في تأمين السيطرة الغربية على موارد المنطقة وأسواقها، تطور هذا الدور لاحقا ليشمل الصناعات العسكرية المتطورة وأنظمة التجسس المندمجة مع التقنيات العالية، والتي هي وليدة تعاون وشراكات عضوية أميركية إسرائيلية، وباتت هي القاطرة التي تقود الاقتصاد الإسرائيلي بإيرادات سنوية تزيد عن 12 مليار دولار.
ظل المتدينون اليهود بأحزابهم التقليدية بعيدين عن مؤسسة الجيش وتقاليدها ومتطلباتها العلمية والمهنية، وحتى نمط حياة الجنود والمجندات العصرية، وذلك ما فاقم من عزلة هذه الفئات الدينية، وكرّس كونها عبئا أمنيا واجتماعيا واقتصاديا على باقي فئات المجتمع الإسرائيلي. تاريخيا ظل الجيش الإسرائيلي بمؤسساته القيادية بعيدا عن متناول هذه الفئات حتى مطلع الألفية الثالثة، حيث كان الجنرال آفي إيتام أول جنرال متدين في الجيش الإسرائيلي ويرتدي قبعة المتدينين، وهو من أصبح لاحقا رئيسا للحزب الوطني الديني الذي تحول لاحقا إلى حزب البيت اليهودي. هذا الأمر إلى جانب اتساع رقعة الاستيطان وزيادة عدد المستوطنين، عزز من نشوء تيار جديد في الحركة الصهيونية هو تيار الصهيونية الدينية، أو "الحردليم" أي المتزمتين الوطنيين كما اصطلح على وصفهم في السنوات الأخيرة، الذي يمزج بشكل انتقائي بين أفكار القومية الصهيونية باعتبارها أفكارا لإدارة الدولة وشؤونها السياسية والأمنية، وبين أحكام التوراة كنظام، ويلاحظ الارتفاع المطرد لشعبية هذا التيار بين دورة انتخابية وأخرى، وهذا التيار الذي تمثله كتلة الصهيونية الدينية ويرأسه الثنائي بتسلئيل سموتريتش والكهاني المتطرف ايتامار بن جفير، يمكن له أن يحصل على 13 مقعدا بحسب استطلاعات الراي الأخيرة، وهو ما يمكن أن يجعله الكتلة الثانية بين كتل اليمين المتطرف بعد حزب الليكود وعنصرا رئيسيا في أية حكومة قادمة يمكن أن يشكلها نتنياهو.
وإلى جانب ارتقاء عدد من الضباط المتدينين في سلم القيادات العسكرية والشرطية العليا، جرى في السنوات الأخيرة اتخاذ جملة من التسهيلات لتشجيع خدمة المتدينين، مثل تشكيل عدد من الكتائب العسكرية الخاصة بالمتدينين مثل كتيبة "نيتسح يهودا" التي تخضع لقيادة الجيش ولكنها تراعي الطبيعة السلوكية للمتدينين، كما يجرى توظيف رجال دين يهود (حاخامات) في خدمة الجيش، ولعل أبرز تأثيرات القوى الدينية وخاصة "الحردلية" على قيادة الجيش يتمثل في تبني عدد كبير من قادة الكتاب والوحدات العسكرية مقولات تلمودية وتوراتية كناظم وموجه لعملهم العسكري بديلا للتعليمات العسكرية المكتوبة، مثل القاعدة التوراتية التي تحدد تعليمات إطلاق النار على قاعدة "من قام لقتلك بادر أنت واقتله أولا" وهي قاعدة باتت توجه بعض الوزراء وكبار المسسؤولين بمن فيهم رئيس الحكومة السابق بديلا لتعليمات إطلاق النار الحديثة المنسجمة مع تركيبة جيش عصري حديث.

