Menu

دمّ عربي للإيجار

عبد النور الهنداوي

صقيع للإيجار... دمّ عربي للإيجار!
لقد أُنهكنا، واستنزف كل شيء فينا، وتقطّعت اوصالنا، ونحن نصرخ، وأحياناً نصرخ من أظافرنا، 
والعربيّ يفكّر الآن في إنشاء شركات لتسويقه، كما لو أنه بضاعة تالفة. كيف للعربيّ أن يتكيّف مع الصقيع، والعالم كلّه لم ينتبه إلى هذه النتيجة الجدلية.؟
إنّ العربيّ هو حطب الحروب الساخنة، والباردة أيضاً. تماماً هذه الصورة تنطبق على الحكّام العرب، حيث لم يتردّد الحاكم العربي وهو يرتدي ثيابه المدنية، إنه يرتدي القبر، لأن أفضل مكان يموت فيه هو ثيابه التي لم تتغير منذ زمان!
أتساءل أحياناً: كيف لنا أن نتعامل مع الأرواح الملتوية، والعربيّ، واقف باستعداد تحت المطرقة؟
الحاكم العربي يفضّل أن تكون الحياة التي يعيشها أكثر تراجيديا حين لا تموت الحروب. 
يقول قائد عربي: إنني ملأت ماضيّ بالتاريخ، واليوم سأملأ مستقبلي بالطحين، لأنه قرّر أن يفتتح مطحنة لشعبه قيل يتحول إلى فيلسوفٍ، يشكّل نظريته _ السيطرة على الحياة _.
نحن العرب، أمضينا حياتنا داخل المفاهيم الحديدية، وفجأة وجدنا أنفسنا عُراة من كل شيء.. ولا من ردّة فعل أمام يهوديّ يضع يده على الهواء. 
العربيّ، يخبّئ جزءاً من شخصيته داخل شخصيته، كي يتسلّل عبر تضاريسه.. بل عبر الحالات السيكولوجية المسنّنة التي تحيط به، بعبارة أدق: العربي يجيد تصنيع الأقنعة لأخيه العربي وإعادة تسويقه كبضاعة مستهلكة، لأنه ليس أكثر من ظلّ للأساطيل، والأباطرة الجدد، حيث لا فرق بين العربي والراقصة والقوّاد.. بل حتى لا فرق بينه وبين قطعة فارغة في مقبرة!
في بلاد العرب يتم تصنيع جنرالات وقياصرة، لبلاد مهيّأة نفسياً وبنيوياً للترهّل، لأن مهمة هذه النماذج حفر خنادق لإيواء الثياب الميدانية الكاملة كي لا يتلقّف القدر أجزاء كثيرة من هذه الثياب.
جنرال عربي يقول: أطلب من الله ان لا تبرد أرواحنا، كي يكون بإمكاننا شراء جنرالات تعمل على إعادة هيكلة - سيزيف - العربي الجديد، لأن ثمّة جدل كبير من تخوّف الآخر، أن نتحوّل إلى بضائع كاسدة، وبالتالي لا نصلح حتى وضعنا بالمتاحف دون أن يكون لدى العربيّ أي مشكلة "أننا" شعوب مكدّسة في الماضي.. لأن أي حجر صغير في "حائط المبكى" هو الذي يدير كل الأحصنة العربية النائمة في العراء!
العالم كلّه في غيبوبة، والأيديولوجيا بكل قيافتها المهزوزة تحوّلت مطحنة للخشب، ونحن طرّزنا أرواحنا بالهزائم التي تلاحق حتى الذين يضعون الورد على أضرحة الشهداء، لنرث قطعة من الصقيع في هذه الغابة.
هل نحن العرب أمام شكل من أشكال فانتازيا الحروب؟
 أحد جنرالات اليهود يقول: الإنسان العربيّ لا يحمل المستقبل أو اي جزء من المستقبل على ظهرهِ "هذا إن كان له ظهر" إنه يحمل النفايات.. بل ظهره هو النفايات. قد لا يحتاج العربي إلى التعاويذ لحمايته من الجوع، أو حتى الاندثار، بل إنها التعاويذ الإلكترونية التي قد تشلّ حتى القمر الذي فوق رأسه، لتحيله إلى قطعة معدنية بلهاء تتواءم مع بلاهة العرب.
أين نحن من المسافات التي تساقطت وتحوّلت إلى أنين؟
لا شيء يؤكّد أن الصدفة لدى العربيّ وحدها التي يمكن أن تقوم "بإيقاظه"، يكفي ملعقة فارغة، والقليل من الخيال لإدارة أصغر وأكبر خيمة عربية على وجه الأرض. لا لأن الدببة والديناصورات في غيبوبة، بل لأن السخرية العربية تداخلت مع خيوط العنكبوت، ونسجت لنفسها سروالاً عربياً مستقبلياً بحاجة إلى ذيل!
كل هذا وبطوننا امتلأت بالماضي، وبالأحذية الثقيلة، والفلسفة الثقيلة، لأننا وبالعين المجرّدة من النظر، استطعنا أن نبادل القدر وتاريخنا بالحماقات، وإننا عبئّنا أرواحنا بالماورائيات، ولم نعد نفرّق بين الأرواح الشريّرة، وبين أرواحنا المبعثرة.
ها نحن نرى كيف "سيتحوّل" الفضاء إلى مزرعة للمجانين.. ونحن نتثاءب لتحافظ بنومنا النائم منذ قرون، أو على الأقل بعقولنا، حيث هلاكنا سيأتي من الغيب.
يقول أحد الجنرالات الصهاينة: العرب المحطمون الآخرون ليسوا حجارة.. إنك قد تجد رؤوساً هائلة وآلاماً هائلة على أكتافهم. يعني أن العربيّ السيّء سيتكرّر؛ سيتكرّر فقط في المستنقعات دون أي ضبط إيديولوجي لإدارته، لأنه صار شظايا. 
الذي نراه الآن.. أننا أدرنا ظهورنا للحقيقة، وإننا في إطار أن نكون تجربة سيئة للأنين. قدم في البيت الأبيض، وقدم في الدم أو في الصقيع، إلى حدّ اتهام اليهودي/ أن العالم كلّه وقد صار يشبه العرب.
عربي يقول: لا أشك أبداً أن دولة اليهود، هي الشريك الكامل والعملاني في بناء الشخصية المستقبلية للعرب، ولكل تراب العرب. 
أقول له: ألا تعتقد يا سيدي السياسيّ أن داخل كل مؤسسة سياسية عربية يوجد مؤسسة يهودية.. وإن صرخة "راحيل" في الميثولوجيا العبرية هي الآن الميثولوجيا المعاصرة، وإن حدود بلاد العرب هي حدود - إسرائيل- أي أكبر وأكثر من شعارها الطيب الذكر _ حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل_؟ 
فوق أكتاف العرب لا يوجد أي شيء أبداً، يوجد أمكنة فقط للمقابر، وهذه من مصلحة العربي أن تكون بلاده مقبرة فارغة!
من يتحكّم في بلادنا إذن؟ هل هو العربي التائه/أم الملك داود وهو يؤكد أن دور التوراة قد أخذ بعدا طبيعياً جداً في بلورة "يموت العالم ويبقى الهيكل"؟
مثقّف عربي وصف العرب بمزارع العار، لأنهم في صراع دموي مع الحداثة.. ومع الآخر الذي يعتبر التراب العربي يعيش ما وراء العصر بل ما وراء الحياة.
يبدو أن قضية العربي لا تتجاوز كيس الطحين، أو التسكّع على ارصفة الأمم والزوايا المظلمة في نوادي القمار، لنتقيّأ النفط مثلاً، كما نتقيّأ الموتى، والرقص داخل هياكلنا العظمية الساقطة أصلاً.
أقول للعربي الحيّ: ها هي السراويل النووية بسرعة البرق تبهر المستنقعات، لتفكيك العقول المخبّأة في الصناديق. 
مثقف عربي يقول: مات العرب بسبب هذا العراء اللغوي الذي ابتذل كل ما له صلة بذلك الكائن الذي يغطي بظله الحياة. لا بأس إذن أن نترك العربي ان ينفصل عن المقبرة، لأن هذا الانفصال لا بدّ ويشعره أنّ جزءاً من حياته قد تحطّم، وهذا لا يعني ابداً أن كل حياته ينبغي أن تتحطّم.
ما نراه في الغرب.. أشبه تماما بكونفدرالية الموتى، بعدما وُضِع تاريخنا في الثلاجة، وأصبحنا كائنات من القماش العتيق، ونمتلك إلى ما لا نهاية من الضوضاء.. حتى اننا رأينا من يمشي في جنازة العرب نحن الشعوب التي تحتفظ بذكرياتها بين أسنانها، وبين منخفضاتها؛ لأننا في هذا العالم الكبير، تحولنا باتجاه الإنسان الصغير! ومن الخطأ القاتل تحليل التاريخ العربي.. لأن بذلك ستكون تلك الصدمة الهائلة رؤية هذا التاريخ مجرد شظايا في الوعاء الذي يأخذ شكل الدمّ، وشمل الانبهار!
العربي بدأ بالظهور من الدم البارد، والعالم يصنع القنابل النووية من دمه وثقافته وماله ونفطه وحتى من عرضه وبالطريقة التي يصنع فيها لُعَب الأطفال!
أنا وحدي بانتظار أن يصل الزلزال، ولكن بقدمين حافيتين، لأننا أصدقاء الدم القديم، وأصدقاء الموت القديم، وأصدقاء الهباء القديم الذي يجلس وراء الأبواب أبوابنا طبعاً.. لأننا من دون أظافر نووية، ودون أن نرى ماذا ستكون أحوال العرب من هذه الفوضى التي تعني خلاّقة شئنا أم أبينا.
أين نحن اليوم؟ 
يبدو أننا لسنا في القائمة البشرية! ولو أراد الدم العربيّ أن ينتعل حذاء ولو من الدم، لآثار البقاء في مكانه، ربما يكون له موطئ لشخصه في الفراغ. 
في هذا الوقت ما اتذكّره قول الشريف الرضي: ولقد مررت على ديارهمُ وطلولها بيد البلا نهب
وتلفّتت عيني فمذ خفيث عنها الطلول تلفّت القلب.