أعدتُ في اليومين الأخيرين نشر أحد نصوصي وعنوانه: "حول الاستبداد" وهذا ما جاء فيه حرفيا"، قد يساهم بعض الأفراد مع أمثالهم من المضطهدين في مقاومة الاستبداد المسلط عليهم في ظروف معينة من الزمان والمكان، من طرف التنظيم الاجتماعي الظالم، أو من طرف مؤسساته الفرعية القائمة، ولكنهم لا يعملون شيئا للتحرر من المُستبد الصغير الذي يمكن أن يكون ساكنا بدواخلهم.
في حين أن ذلك المستبد الصغير الذي ورثوه من مجتمع القهر الطبقي الذي نشأوا فيه منذ نعومة أظفارهم، بإمكانه أن يكبر فجأة، وأن يطغى على تصرفاتهم حال إحرازهم على ما يعتبرونه سلطة على غيرهم من الناس، كائنا ما كان مجال هذه السلطة: كبيرا أم صغيرا، وفي مؤسسة حزبية أم جمعياتية، أم نقابية، أم تربوية، أم مهنية، أم دينية، أم سياسية" عليا"، وحتى عائلية (...)، فينكشف عندئذ بؤسهم وزيفهم، وتظهر حقيقتهم كأشخاص لا قدرة لهم على وعي جدلية الحرية بين الفرد والمجتمع، هذه الجدلية التي تعني: أن الفرد لا يتحرر إلا مع المجتمع، أما المجتمع فلن يكون حرا مادام أحد أفراده يشكو من الاضطهاد، ثم ينفضحون كذوات ليس بإمكانها، غير إعادة إنتاج القهر القديم، مهما كانت الذرائع التي يستعملونها، أو الأقنعة التي يضعونها على وجوههم، أو الشعارات الخلابة التي يرفعونها. فالأنا المتورمة في الحقيقة، هو محركهم، والمصلحة الذاتية هي هدفهم.
وقد فاجأني أحد الرفاق من المناضلين بالأرياف بمنطقة السباسب التونسية بعد قراءته للتدوينة بملحوظة يقول فيها: إنه بحكم احتكاكه بالجماعات وبالأفراد في القرى والأرياف، قد لاحظ نسبة الوعي المتدني لدى الناس... فأجبته مباشرة: بأن المدن والحواضر لا تقل في نسبة تدني الوعي عن القرى والأرياف إلا بصورة كمية، ذلك أن هذه الحواضر تتجمل فقط بأقنعة المعرفة التي تتفنن في عرضها في فيترينات وواجهات مكتباتها التي تتناقص أعدادها يوما بعد آخر، كما تتقن عرض هذه الأقنعة على خشبات مسارحها التي تكثر فيها البذاءة وتقل فيها الأعمال الهادفة الرامية إلى الارتقاء بالأذواق ، أو على منصات منتدياتها "الفكرية والأدبية" التي يكثر فيها أشباه "المبدعين" وتكاد أن تكون خالية من الذين يفترض أن يكونوا من روادها من المبدعين الحقيقيين ومن جماهير الناس الواجب توعيتهم ...
فالمشكلة تتمثل في أن ميكانيزمات العداء للمعرفة، ولاستخدام العقل، وللقراءة، تلك الموروثة على وجه التخصيص بمجتمعاتنا العربية من قرون الانحطاط والانحدار الحضاري، قد انضافت إليها ما تروّجه الامبريالية المتصهينة من محتويات هدفها تبليد الأذهان ونشر التفاهة لدى "العامة"، وليس لدي "الخاصة" طبعا... حتى لقد وصف بعض الفلاسفة النيرين ومن ضمنهم آلان دينو عصرنا الذي نعيش فيه تحت وطأة العولمة بأنه عصر "سلطان التفاهة" La médiocratie, /the médiocracy
ولقد سألتني صديقي المحترم بعد ملاحظتك الأولى عن كيفية " تخطّي" ظاهرة تدني الوعي، وجوابي على ذلك هو أن هذه مهمة شائكة ( أي من الشوك) وتتطلب نفسا طويلا ومثابرة، لدى من يترشحون للقيام بها، بدءا بصقل ذواتهم وصولا إلى التأثير في محيطهم، ثم إلى تمرير المشعل من جيل إلى جيل قصد إنجاز ثورة ثقافية وقيمية تنحت معالم "الإنسان الجديد" الذي أصبح من الضروري بعثه إلى الوجود حفاظا على استمرار الجنس البشري من الفناء، ومنعا له من السقوط في مهاوي الهلاك الذي تقوده إليها السياسات الإجرامية للأوليغارشيا الرأسمالية العالمية التي لا هدف لها غير اللهاث وراء الربح بواسطة الحروب والإضرار بالبيئة على حساب بقاء الجنس البشري... حتى إنها أقامت... المال... معبودا وثنيا جديدا فوق كوكب الأرض.
أقول من ناحيتي: طوبى لمن يعملون بتواضع في هذا السبيل، وهم متخلصون من إملاءات الأنا المريض... ذلك أن تاريخ القرن العشرين أثبت بوضوح تام وأكثر مما أثبتته القرون الماضية أن الاستيلاء على دفة السلطة من طرف النخب النيرة والثورية أثناء فورات غضب الجماهير ضد المظالم التي تمس من أسباب عيشها بكرامة، قد يكون عاملا ضروريا ومساعدا على إضفاء مسحة من العدالة على آليات اشتغال هذا الاجتماع وشروطه، ولكنه ليس عاملا كافيا لإحداث النقلة النوعية المرجوة والمنشودة، إذا لم يكن مصحوبا بثورة ثقافية وقيمية هدفها تهذيب وصقل نوازع الأنانية والتوحش التي غرستها وطورتها ورسختها عصور التنظيم الطبقي في مكامن النفوس.
فهذه الثورة القيمية الجبارة هي التي يتوجب اليوم على الصادقين الدفع إلى إنجازها، والمساهمة في تشييد أركانها بصورة صلبة، حتى لا تتمكن "القذارة القديمة". قذارة التوحش البشري... من الانبعاث من رمادها في كل مرة من جديد.... مثلما شاهدنا هذا عيانا ومرارا عبر القرون... وخاصة خلال القرن العشرين من التقويم المسيحي السائد على أيامنا التي فيها نعيش.

