للذين تقلصت معدتهم إلى أقصى حد كي؛ تدرأ وجع الجوع وتمضي أقوى في معركة الإرادة، للذين اعتادوا أن يشنقوا بأمعائهم غول الهزيمة والانكسار، وللذين يأخذون الصراع مغالبة لا مصالحة مع الواقع اللئيم، كل معاني الإكبار وكل الأكاليل الموشحة بوهج الشمس الساطعة سطوع إصرارهم.
ثلاثون إرادة، وثلاثون روحًا تنصهر في قرار واحد، عصبة من المقتحمين بجوعهم كل ظلمات الأقبية وكل ظلمات العقول الفاشية الصغيرة، في معركة غير متكافئة حقًا، فمن يملك الإرادة؛ يملك القوة، ومن يملك القوة لا بد يستجلب خيوط الشمس إلى الزنازين المعتمة؛ يداعبها ويخبئها في صدره، كي لا يسرقها من لم يعد في نفوسهم، غير السواد الذي تطلقه الثقافة الفاشية في عقول مغامرين. لم ينتبهوا يومًا إلى أن من زرع الزيتون قد قرر مسبقًا أن مشواره طويلًا حتى يعصر منه الزيت، ولذلك هو ليس في عجلة من أمره.
إنهم جمرة بين جمار كثيرة، لا تنظفي، لكنها تختفي تحت الرماد، وكلما هبت نسمة حرية؛ توهجت فهي كنار المجوس لا تنطفئ.
هنا تشمخ الرؤوس، وتتسامى الأرواح، وقودها وهن الجسد كي تبقى الروح مشتعلة؛ يتعلم منهم بوذا الصبر ويضيفون عليه الإقدام؛ إنه الصراع ينتقل من داخل الأرواح والنفوس إلى ميدان معركة طويلة ومتسعة، تبدأ من غرف وزنازين السجن الضيقة إلى ميادين المواجهة في جنين، وترى في شرايين البلدة القديمة في نابلس، وتعلن من على مآذن القدس ومن أجراس كنائسها؛ آذانًا لصلاة الجميع على تراب يتطهر يوميًا بالدم المهراق؛ يصب هناك في قرص الشمس الملتهب، فيلونه باحمرار الشفق ولحظة فجر لا بد قادم.
فيا أيها السائرون بأمعائهم في درب أشواك وعر، من نحن حتى نرسم لمعة التحدي في عيونكم؟ من نحن حتى نسبر وجعكم المدفون في تلافيف الأمعاء والاعصاب؟ من نحن أمام من يمتشقون الوجع سيفًا يشهرونه في وجه الجلاد؟ ما نحن إلا حائط، ربما يسندكم لبرهة، ولكن الرهان عليكم: خيَّالَتِنَا الذين يشقون الغبار ويمزقون صحائف الذل الذي يحاول البعض أن يزرعه فينا.

