بين المشروع الراسمالي الاستيطاني الأبيض والوجود الشعبي فارق تاريخي، ينتهي الأول وأما الثاني فلا نهائي.
قال لي الفتى: يقول الصهاينة :"نحن في 67 عاما أقمنا دولة...انتم ماذا أقمتم في 22 عاماً"!
كلا يا عزيزي، أو كما كتب ولهلم رايش: "استمع ايها الصغير". هم لم يُقيموا دولة بل أُقيمت لهم قاعدة عسكرية بمسمى دولة، على الأقل هذا ما قاله وزير الحرب الأمريكي السفاح ألكسندر هيج. وهُم لم يبلغوا مرحلة الفُطام ولن يبلغوها، لأن مجرد وجودهم هو بيد الآخر واستمرارهم بيد الآخر.
ولأنهم هكذا، ليسوا اقوى منا، ونحن أشد استمرارا منهم.
الاستثمار:
نحن نُرغم على الرحيل بينما يرحلون هم خوفا وطمعاً ولعدم اليقين. ففي عام 1948 جرى الطرد والتشتيت لأكثر من ثلاثة ارباع مليون فلسطيني بالقتل المفتوح، بينما بقي من استطاع البقاء من شعبنا رغم العسف الصهيوني في المحتل 1948 ولاحقا المحتل 1967. بينما يرحلون هم لقناعتهم بانهم مستوطنين من جهة وطمعا في حياة في المركز الإمبريالي من جهة ثانية.وحسب بحث جورج كرزم: " في عام 2004 ، قُدِّر عدد اليهود الإسرائيليين الذين «نزحوا »إلى الولايات المتحدة منذ السبعينيات حتى ذلك العام بنحو 1.2 مليون. وبلغ صافي «الهجرة » اليهودية السلبية في الفترة 2000 - 2011 نحو 148 ألفًا أي أكثر من 12,300 سنويًّا" ( الهجرة » اليهودية المعاكسة ومستقبل الوجود الكولونيالي في فلسطين. جورج كرزم حيفا تشرين الأول 2015).
هم الحالة الوحيدة في التاريخ التي شارك في إقامتها وواصل دعمها عمليا كل العالم:
- المركز الإمبريالي بضواريه (بريطانيا، فرنسا ألمانيا وأمريكا) وجواريه (النرويج، السويد الدنمارك)
- الكتلة الشرقية حيث عجزها عن فهم ما تدعيه من فهم وتبني الاقتصاد السياسي الماركسي الذي يؤكد تناقض الأمم مع الإمبريالية والاستيطان الأبيض واستحالة تحول مستوطنة بيضاء إلى بلد تشكيلة اجتماعية اقتصادية اشتراكية.
-التيار الانتهازي من الحركات الاشتراكية الديمقراطية (غير الشيوعية)
- الأنظمة القُطرية العربية المرتبط وجودها بوجود الكيان الصهيوني بحبل سُرّ ي حيث أُنشئا معا وتسقطان معاً.
قلة من شرفاء العالم لم يدعموا هذا الكيان. هذا وبالطبع عدَّل بعض بُناته من مواقفهم بدرجة ما مثلا روسيا اليوم. أما إيران بعد الشاه فتحولت جذريا، في حين عمقت تركيا عشقها للكيان وباسم الإسلام!.
بكلام آخر، ولكن كلاماً أو قولا واحداً، فالكيان هو استثمار استراتيجي من قبل النظام الراسمالي العالمي. هو من ناحية اقتصادية مشروع خاسر لا يُطعم حتى كتلته البشرية إذا قرأناه على أرضية النفقات مقارنة بالدخل. لكن المركز الإمبريالي، وإن كان ينفق عليه أكثر مما يُحلب منه، فلأن الكيان يقوم بدور استراتيجي في تخريب الوطن العربي والحيلولة دون أي نهوض عربي. وبهذا المعنى فهو استثمار رابح أو مُجدي جدا من ناحية استراتيجية.
الاستمرار:
بالمقابل، لم يتوقف نضال الشعب العربي الفلسطيني منذ قرن وأكثر، ولم يتوقف نضال الشعب العربي نفسه لصالح فلسطين. وبالطبع، لم تتوقف الحرب العربية الرسمية الأولى بالوكالة التي تخصصت بها ولها الطبقات المعينة/المولاة الحاكمة العربية ضد الشعب الفلسطيني وضد الشعب العربي. حرب بالوكالة عن الكيان الصهيوني وعن المركز الإمبريالي. هذه الأنظمة مساهم كبير في إقامة واستمرار هذا الكيان. وربما لأن هذه الأنظمة هكذا، صار حُلمنا أن نجد حاكما ليس خائناً حتى لو كان بالكاد يجيد القراءة والكتابة. فبنية نظام خُلق من العدو لا تفرز قيادات وطنية، تماما كما النظام الصهيوني بكل مستوطنيه لا يمكن أن يفرز قوى شيوعية حقيقية ولا حتى تقدميه. يمكنه أن يفرز عسكر، وإرهابيين ومخابرات وقَتَلة، وطبعا ما بعد حداثيين، وقوى دين سياسي، وإباحيين ...الخ.بل كل أنواع الأمراض التي تتفشى في الراسمالية الغربية خاصة.
لقد استمر نضال الشعب الفلسطيني، وابتكاراته:
- المقاومة المسلحة الوطنية والعلمانية والقومية والماركسية والإسلامية والتي قيل عنها وفيها الكثير وضدها الكثير ولكنها كانت حالة النهوض النوعي بعد هزيمة حرب عام 1967. بمعنى أن المقاومة كانت موجودة قبل تلك الحرب ولكن الحرب كشفت عن القوة الكامنة للشعب الفلسطيني. القوة التي تنطلق بالحدث المادي وليس بالخطة المسبقة.
- وأبدع الانتفاضات الثلاثة بما فيها مقاطعة منتجات الكيان، والعمليات الاستشهادية، والدهس والسكاكين، والمهم توازي نضال المرأة والرجل.
مؤشرات الانتصار:
يشيخ أفراد، تشيخ قيادات، ولكن يستمر الشعب ويستمر الموقف وتتواصل المسيرة لأن قوة التجديدوالتجدد هي حالة موضوعية لا يتحكم بها فرد او حزب او طبقة.
قد يكون التحقيب الزمني مهما في هذا الصدد.
أولاً فيما يخص الكيان: بناء على دعم وتسليح وتدريب الغرب الراسمالي تمكن الجيش الصهيوني عام 1948 من احتلال ثلاثة ارباع فلسطين وهزيمة عدة جيوش عربية كان يتفوق عليها من حيث:
- العدد
- والسلاح
- والقرار القيادي
أي ان الحرب هي مع النظام الراسمالي العالمي والهزيمة اساسا بسببه ثم بخلل الأنظمة العربية وأخيرا دور الكيان نفسه. لماذا أركز على النظام ال{اسمالي الغربي؟ لأن هناك من يقول بهشاشة وتهافت بان عدونا هو الكيان وليس أمريكا!!
وعام 1967 تمكن نفس الجيش ونفس داعميه من احتلال بقية فلسطين ومناطق عربية أخرى. وحينها تفاخر الشارع الصهيوني بالقول: "دخلت الدولة حرب وخرجت منها ولم نشعر بها".
ولكن عام 1973 ذاق هذا الجيش وخالقيه على الأقل نصف هزيمة حيث أستعيدت اراض عربية سورية ومصرية بكفاءة جيوشهما الأول الثاني والثالث.
وعام 1982 صمدت بيروت وحدها 82 يوما أمام نفس الجيش، وعام 2000 هرب نفس الجيش من معظم جنوب لبنان، وعام 2006 هُزم عدوان هذا الجيش على لبنان واضطر لوقف النار وفي أعوام 2008 -2009 و 2012 و 2014 لم يتمكن من دخول غزة رغم صبيب النار عليها.
الدرس المستفاد من حربي بيروت وغزة، أن الكيان لم يعد بوسعه ممارسة الحرب كهواية بحيث يخرج ويضرب يمينا ويسارا ويعود إلى قواعده سالماً.
أما الانتفاضة الثالثة فقدمت درسا مختلفاً، بمعنى أنها نقلت الحرب إلى داخل الكيان نفسه.
أما على المستوى القومي والإقليمي فنحن نشهد ولأول مرة وجود معسكرين متضادين بوضوح وفرز:
- معسكر المقاومة والمقاطعة
- ومعسكر الثورة المضادة.
وفيهما أصبح فرز المواقف بلا رتوش ولا غبار. فالأنظمة العربية التي كانت تحارب خفية لصالح الكيان أصبحت تقاتل الأمة العربية وفلسطين علانية نيابة عن العدو نفسه، أي اضطرت إلى إعلان حرب الإنابة او الوكالة الثانية، وهذه المرة باسم الإسلام، اي هي أنظمة وقوى الدين السياسي. وهذا نقل الصراع إلى حالته المفتوحة والمكشوفة.
وحتى على الصعيد العالمي، ففي حين لم تعد الإمبريالية قادرة على إرسال مفرزة جنود لاحتلال دولة، أو شن أكثر من حرب في آن، أصبحت عاجزة عن تجريد حملة على أي بلد. وبالطبع يرتد هذا العجز إلى:
- كلفة المقاومة التي تبديها الشعوب
- الأزمة المالية الاقتصادية للمركز الإمبريالي.
صحيح أن حرب الوكالة تقدم للمركز خدمات هائلة وسيولة مالية مقابل شراء السلاح، ولكنها تفقده لاحقاً نفس الأنظمة التي تقوم بالحرب نيابة عنه.
لذا، نشهد اليوم استماتة انظمة الريع النفطي في تدمير الجمهوريات العربية. لكن هذا لا يدمر المقاومة.
ومن هنا، فإن تراث المقاومة الفلسطينية، وبشكل خاص الجبهة الشعبية يؤكد مجدداً، أن العبرة في الاستمرار لأن مجرد استمرار المقاومة هو تأكيد الانتصار. كانت هذه إجابتي لمناضلة من الأنارخيين (ترجمتها العربية الضعيفة :الفوضويين) في كندا ، آذار عام 2003 في مؤتمر العودة حيث سألتني على ماذا تبني حماستك هذه؟
صحيح ان هناك الكثير من النقد ضد قوى المقاومة في هذه الفترة تحديداً، ولكن اية قراءة دقيقة تؤكد أن المقاومة لا تُجتث لأنها نبت المكان، وهذا الفارق الجوهري بين المقاوم والاستيطان. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، ورغم ان الجبهة الشعبية تعاني كغيرها من قوى المقاومة إشكالات المرحلة والذات ولكنها الأقدر على مواصلة السير بحكم فكرة البعد الوطني والعروبي والأممي، فكرة التأسيس التي لم تتوقف.

