Menu

الحوار في الجزائر والعين على القدس شاخصة

موسى جرادات

اليوم تجتمع الفصائل في الجزائر العاصمة، للتوقيع على وثيقة المصالحة المنتظرة منذ سنوات، الاجتماع الإعلاني جاء في ظل جملة من التطورات الميدانية التي تحصل على أرض الوطن، فالمقاومة الفلسطينية قد اشتد عودها، وأصبحت عنوان المواجهة مع الاحتلال.

يتساءل البعض منا، وهم كثر بالطبع، هل فعلا اتفاق الجزائر حقيقي، وجاء وفق متطلبات المرحلة، والوضع الراهن؟ وهل أيضا الاتفاق امتداد طبيعي لكل ما يحصل في الميدان، من تعبيرات الوحدة بين كل التشكيلات العسكرية في الميدان؟ أم أنها جاءت استجابة لمطلب جماهيري فلسطيني؟

للأسف الشديد، فإن كل من يتابع سير عمليات المصالحة التي تنقلت بين العواصم العربية، وعلى طول السنوات الماضية، يرى بوضوح أن هذا الاتفاق، هو اتفاق شكلي، وهو اتفاق مبدئي، على الاتفاق.

أما حيثياته وتجلياته على الأرض، فإنه مستبعد جدا، وعصي على التطبيق، وأن كل ما أفرزته نتائج الحوار في الجزائر، هو عبارة عن تحايل على الذات، واستجابة لرغبة جزائرية في إيجاد ورقة فلسطينية موحدة، أثناء انعقاد القمة في الجزائر في قادم الأيام.

ردات الفعل الفلسطينية والشعبية على إعلان توصل الفصائل المجتمعة إلى وثيقة الحوار في الجزائر، لم يخرج من دائرة الشك والتشكيك، فالمزاج الشعبي أصبح خبيرا في القوى الفلسطينية أكثر من اللازم، وخبيرا في كل الأسماء الذاهبة إلى الحوار، وتعرف أهداف الجميع.

ولنكن صريحين أكثر، فإن هناك قوتين سلطويتين، تبحثان دوما عن حاجة محددة لإبقاء على شرعية مستدامة، والنفاذ إلى علاقات إقليمية متجددة، للمحافظة فقط على مكتسبات بقوة الأمر الواقع، سواء في غزة أو في الضفة الغربية، ولا يتصور أي عاقل منا، أن تلك القوتين على استعداد للبحث عن حلول جوهرية تطال بنية النظام السياسي الفلسطيني الخرب والمتهالك. الأولى في الضفة تريد جر الجميع إلى مستنقع أوسلو وتوابعه، وما أفضى إليه، من كوارث حلت على الشعب الفلسطيني منذ عقود، ومفتاح الجر التسليم بأقدار الرباعية الدولية التي تقتضي الاعتراف بدولة الاحتلال، دون أن تعترف بنا وبحقوقنا المشروعة. والثانية في غزة لا تريد سوى التفرد بحكم غزة، تحت أي يافطة وعنوان، المهم أن تبقى في الحكم، وتعتقد أنها قادرة على خداع الطرف الثاني، عبر السماح لها بالنفاذ للمؤسسات الرسمية الفلسطينية، وعلى رأسها المنظمة ومؤسساتها المنبثقة عنها.

عمليات التذاكي المتبادلة بين الطرفين، لم تسفر عن أي نتيجة إيجابية، طوال سنوات الحوار الممتدة، وكلاهما يراهنان على عامل الوقت، والتغيرات الإقليمية والدولية، لإحداث اختراق في دائرة الآخر، وحتى هذا الوقت لم تفلح مساعيهما المتذاكية في الوصول إلى أي نتيجة مرضية، فقط سوى تثبيت الانقسام.

من رأى صور الوجوه الضاحكة في الجزائر، وأراد تحليل مضمون تلك الصور، لن يصل سوى إلى نتيجة واحدة، بالصور تقول وعلى لسانهم طبعا، لقد نجونا من فخ المصالحة، وابتكرنا صيغ دواره مبهمة أكثر تعقيدا، وعدنا دون خسائر، وظهرنا أمام مضيفنا الجزائري، إننا حققنا رغبة لديه، فخذ منا أي شيء، لكن لا تحملنا ما لا طاقة بنا عليه.

في الاجتماعات السابقة كانت تعلو الضحكات، التي تستجلب التهنئة، أمام الكاميرات، وبعد أيام تعود نفس الوجوه ولكنها عابسة، والكل يتهم الآخر، بالتنصل من تلك التفاهات.

لكن اليوم الحدث كان أكبر منهم جميعا، حتى أكبر من الالتفات إلى حيث المجتمعين، عدا عن انتظار ما كانت ستسفر عنه جولة الحوار المتجدد، فكل العيون كانت شاخصة إلى القدس وما حولها، إلى نابلس وجنين، طولكرم، وكل مدن وقرى ومخيمات الضفة، التي خرجت برجالها ونسائها وشبابها، تدافع عن نفسها في مواجهة الغول السرطاني الاستيطاني، وتسكته حينا بالرصاص وحينا آخر بعبوة ناسفة، لهذا لم نعد نخشى نتائج الحوار الفصائلي، حدث أم لم يحدث، ما دام لدينا اليوم بندقية مقاتلة.