في محادثاتِ طابا بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين مطلعَ 2001، روى أحدُ شهودِ العيان عن صدمتِهِ من جنرال إسرائيليّ جاء غاضبًا أثناءَ جلسةٍ مشتركةٍ بين وزير خارجيّة إسرائيل آنذاك شمعون بيرس و ياسر عرفات ؛ إذ بالجنرال يلقي ملفًّا كان يحملُهُ بغضبٍ على صدر شمعون بيرس؛ تعبيرًا عن رفضِهِ لورقةٍ كانت جزءًا من المفاوضات. تلك الحركةُ التي أحدثت صدمةً لدى الرئيس عرفات: كيف يجرؤ جنرالٌ عسكريٌّ على فعلِ هذا لقائدٍ سياسيٍّ تاريخي؟ ليس المهمُّ هنا بقيّة القصّة وتدخّل ياسر عرفات، لكن تلك جعلتني أعيد النظر بدور المؤسّسة العسكريّة ومكانتها داخلَ إسرائيل، وبالعودة لما فعله بن غوريون الذي وضع قرار الدولة داخل مؤسّسات الأمن القوميّ، وليس بيد السياسيين؛ يمكنُ أن يدلّنا هذا على الدولة العميقة داخل الدولة. من هنا قرأت باهتمامٍ محاضرَ هيئةِ الأركان في نهاية ديسمبر 67 بعد الحرب بستة أشهر، التي قامت بترجمتها بوابة الهدف بعد نشرها في مجلّة الدراسات الصادرة عن معهد بن غوريون التابع للجامعة، التي تحمل الاسم نفسه لما للدور الذي تؤدّيه مؤسّسة الأمن في صياغة القرارات وتحديد السياسات.
رئيسُ الأركانِ في حرب الـ67 قائد الجيش اسحق رابين؛ دعا لتلك الاجتماعات التي وثقتها المحاضر دون أن يكون مكلفًا بمبادرةٍ منه، وهذا مهمٌّ في إطار موازين القوى للبحث مبكّرًا عن الآفاق التي ستضع حدود التحرّك السياسي ورسم السياسات؛ في محاضر الاجتماعات يبدو ذلك صحيحًا، ليس بهدف وضع تصوّرٍ أمامَ الرئيس جونسون في لقائه مع بن غوريون، وواضحٌ أنّ الأمرَ لأسبابٍ داخليّة؛ يبرزُ دور هيئة الأركان مخططًا لتلك السياسات.
في السابع والعشرين من ديسمبر كان رابين يطرحُ سؤالَ الحدود مبكّرًا؛ ربّما ليضع مساحة التحرّك المستقبلي لدولةٍ حقّقت أبعدَ كثيرًا من أهدافها التي خطّطت لها؛ فجأةً وقعت كل تلك الأراضي المصرية حتى القناة والسورية والفلسطينية التي كانت تحت الوصاية الأردنية والمصرية وبحضور جنرالات الهيئة الذين عملوا لاحقًا بمناصبَ سياسيّةٍ منهم اثنان وصلا لرئاسة الحكومة اسحق رابين وأرئيل شارون وأخرين مثل عيزر وايزمن، الذي أصبح رئيس دولة وحاييم بارليف الذي نسب له خط بارليف الذي تم اقتحامه بمعركة أكتوبر ورحبعام زئيفي الوزير الذي قتلته الجبهة الشعبية والجنرال "المعتدل" ماتي بيليد.
ما هي حدود إسرائيل التي ستقف عندها بعد هذا الانتصار؟ كان سؤال المؤسسة، وبالتالي ما هي حدود التنازلات التي ستقدمها إسرائيل في حال جرى اتفاق مع الدول المجاورة؟ وبمن تبدأ إسرائيل وما هي أولويتها؟ كانت تلك تساؤلات لحظة الغرور مع إجابات جاءت في مقدمة الافتتاحية على لسان رابين بأن حدود إسرائيل الشرقية هي نهر الأردن، والآن بعد أكثر من خمسة عقود؛ يتضح أن تلك الجملة تتكرر لدى جميع السياسيين وهي ما تنفي تلقائيا امكانية إقامة دولة فلسطينية بمفاوضات طبيعية مع الفلسطينيين، وتلك تفسر كل الخداع الإسرائيلي وعدم السماح بإقامة دولة فلسطينية وفقا لطموحات الإجماع الفلسطيني على حدود 67 والتي كانت مصحوبة بإعادة النظر بمكانة الأردن في الضفة الغربية، بما يسمح بحرية كاملة لإسرائيل في استخدامها.
الحدود الغربية الجنوبية والتي وصلت بنتائج الحرب حد القناة كانت نقاشات هيئة الأركان أكثر مرونة في الحديث عن الانسحاب، حيث لا يمكن أن يبقى الجيش على الضفة الشرقية للقناة؛ ربما تقبل إسرائيل بالعريش حدودا زائد أو ناقص، هكذا جاء؛ أما طابا التي تمت إعادتها إلى مصر في تحكيم دولي، فقد جاء في محاضر الاجتماعات أن على إسرائيل ألا تتخلى عن طابا "لاحظ حديث هيئة الأركان في تلك النقطة ومفاوضات الانسحاب من سيناء التي أبقت طابا التزاما بما قرره الجيش الذي رسم حدودا مبكرة".
ألا يثير هذا الالتزام في مفاوضات إسرائيل وعلاقاته الإقليمية والحدود التي وضعها الجيش في اجتماعين قيل أنه لم يجرِ ترتيبهما مسبقا ولم تعد لهما أوراق عمل ولم تطلب نقاشاتها رأس الدولة؛ قراءة إسرائيل من هذا المنظور كدولة جيش أولا، وبالمناسبة الدولة الوحيدة في قانونها يشغل رئيس الأركان منصب القائد العام للقوات المسلحة، فيما أن هذا المنصب في باقي دول العالم يحمله رئيس الدولة.
وإذا كانت قد حصلت بعض التغيرات مثلا حدود رفح وليس العريش؛ ربما ارتبط الأمر ببعض نتائج أكتوبر التي وجهت ضربة لغرور مؤسسة الجيش في إسرائيل، لكن بالإجمال كانت إسرائيل تسير وفقا لسياسات تم وضعها مبكرا منذ إقامتها مستفيدة أو مستخلصة، لنتائج سياسية من المعارك التي حدثت مع القوات العربية فمثلا عندما احتل الجيش الإسرائيلي رأس محمد عام 47 كان الملك فاروق يهرع للسفير البريطاني ليرجوه أن يتدخل لتسحب إسرائيل قواتها قبل انكشاف الأمر ليقول بن غوريون أن العرب يخافون من الفضيحة أكثر من خوفهم على الأرض لتلمع في ذهنه فكرة معادلة سياسية، وهي "الأرض مقابل السلام"، إذا أرادوا أرضهم؛ فليأتوا للسلام ومن هنا كانت نظرية بن غوريون، مزيدا من الأرض لنرغمهم على الصلح مع إسرائيل.
ومن سخريات القدر أن تتحول نظرية بن غوريون إلى شعار رسمي عربي وتصبح كأنها نظرية عربية وهي ولدت لابتزاز العرب؛ يرددها العرب في اجتماعاتهم "الأرض مقابل السلام كأنها اختراع عربي"، وقد توقف هذا الشعار في الآونة الأخيرة، لأن إسرائيل لم تعد تطلقه لأنها باتت تبحث عن السلام دون مقايضة الأرض، وتلك نظرية نتنياهو الذي راهن على التطبيع؛ دون أن يضطر لدفع ثمن وهو من المدرسة النقيضة لبن غوريون.
صحيح أن السياسة هي عامل متغير وكان يمكّن لإسرائيل أن تتواضع في لغتها وحدودها وتلك الاجتماعات لو تمكّن الوضع العربي من هزيمتها أو على الأقل تحقيق توازن معها. لكن ما يمكن قوله إن هذا الثبات الإسرائيلي كان بلا شك مرده عدم قدرة الدولة العربية على بناء منظومة حديثة، ليس فقط عسكرية، وإنما دولة بكافة المجالات يكون الجيش مجرد انعكاس لقوتها، ولكن الجيوش العربية هي انعكاس لواقع الدول الحالية، والتي لم تتمكن من مقارعة إسرائيل، ومن هنا ليس فقط أنها لم تتراجع عن حدود قررتها في لحظة غرور، بل أن وقائع العقود اللاحقة؛ زادت من غرور إسرائيل نحو سياقات وأطماع تجسدت بما نراه، بل وأكثر في تنازل العرب حتى عن ما سميَّ المبادرة العربية بالمقايضة مع إسرائيل.
تلك هي السياسة، وربما أن انتصارات إسرائيل التي حققها الجيش؛ جعل من سطوته على المؤسسة السياسية أو لربما أن هاجس التاريخ؛ جعل من الجيش عماد القوة الأولى أو لأن بن غوريون صممها ووزع موازين القوى لدى دولة مؤسسات، ولكن في كل الظروف؛ تلك الموازين ظلت، لأن الجيش تمكن من هزيمة أمة، ولو كانت النتائج مختلفة لأعيد الجيش المهزوم إلى ثكناته؛ فالقوة هي من يوزع الموازين.

