"أن من المُؤّكد... ليس هنالك شيءٌ مؤّكد" -هيجل -
يتجلّى جهد الباحث والمُفكّر الموسوعي "د. عبدالحسين شعبان" في سعي مناظراته مع الفقيه السيّد "أحمد الحسني البغدادي عبر ما حوى كتابه" دين العقل وفقه الواقع "الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربيّة - بيروت منتصف العام/2021، والذي كان لنا معه وفقة تداوليّة أستشفعت بتناول جوانب من رواسي هذا الجهد المضني الموّثق بالثقة ومناسيب الرهان على تحقيق معادلة دالة حول قيمة وعمق مهارة الباحث الموضوعي القائم على جدارة جرأته وثقل أهمية موضوعاته، وبنود إتفاقاته من عدمها، تحت ظل أي ظرف كان، أو إستجابة غير متوّقعة أو غير مرضية لأدنى احتمال.
وفي خضم هذه المناظرات المتسّمة بنبل الشجاعة ودقة التصويب ما بين مرجع ديني جليل فقيه وعالم، وما بين باحث ومفكر حصيف ساعٍ ومجرب بالوصول إلى جوهر الحقيقة، شاء وأن تحققّ كل ذلك عبر مسارب طرح ومناقشات موضوعات، في مرامي تلّمس وتحسّس جسد وأنفاس قضايا كثيرة لم يحسم الواقع الراهن عواهن واقعها الفعلي رغم تقادمات الزمن وتوالي العصور وسرعة تقاطرات أثر وفعل الحضارة الإنسانيّة على مختلف أفاق وأبعاد تطوّراتها في كافة ميادين الحياة، عبر حمم سباقات ما تناسل وتكاثر من إكتشافات علميّة وعملية دقيقة وهائلة، أثرت بشكل فعلي ويومي دامغ على مجمل الإستجابات والسلوكيات الجمعية في حياة وحيوية شعوب كوكب الأرض، من حيث أن أصل الحضارة ونواتجها من ناحية كونها لا تعدو أن تكون "أي الحضارة" إلا محض استجابات فعلية لطبيعة الحاجات البشرية.
عودة لسابق مقال
لا غرو في منحى التذكير والإشارة - مُجدداً- ببعض مقترباتٍ وردت على هذه الشاكلة في مقالنا السابق المنشور في الصفحة الثقافية لجريدة الدستور العراقية في اليوم الثاني من كانون ثانٍ من العام /2022 تحت ثريا عنوان "شواغل الحيرة ... شوائك الإغتراب في مناظرات كتاب المفكر د. عبد الحسين شعبان / دين العقل وفقه الواقع"، كوننا نجد في توكيد ذلك ما يشبه المرور ثانية في أروقة وممرات ما جاءت تلك المناظرات تنشدها وتصبو إليها.
من هنا... وجدنا في ضرورة العودة إلى محافل ما حوى القسم الأول من الكتاب المنضوي بمظلة عنوان "الإطار المنهجي والمفهومي"، تمهيداً دلالياً ونسقاً معنويّاً لدقة دهاء وثراء قيمة الجهد وجواسر النيّة في نصال الإختراق التي أتبعها المُحَاوِر في حضرة الطرف المُحاوُر بغية تعبيد طُرق الدخول للهدف والغاية المثلى، ومن ثم تعزيز أواصر العلاقة بينهما، بحكم عدّة وشائج حكمت تربطهما، شاء أن ذكرها الباحث ضمناً في سياق سطور من تحليات خواطريّة، وترطيب لُحيظات من عُمر تلك اللقاءات التمهيديّة من أجل خوض ذلك النزال الفقهي والمعرفي على هذا القدر العالي من التفاعل والتناغم في أغلب تلك المناظرات.
حدث أن وجدنا وتلّمسنا وفحصنا في عوالم خوالص هذا القسم كل ما ينوء بحمل برهان ثقة الجوهر ونصاعة مسعاه الموضوعي وتناسق حيوات النسغ الصاعد والنازل في أروقة وعروق جميع ما سعى إليه الباحث واضعاً من خلال مياسمه ومسالك طُرقه الرامية للوصول والمثول والحصول على جني وحصاد الكثير من نواتج شواغله وسعير ألسنة أسئلته في توثيق حقائق مبتغياته التنويرية ونوايا مناظراته التحديثية والبالغة ثمانية عشرة مناظرة، تبدأ ب"الإيمان و اللإيمان" وتنتهي ب"علم الغيب" ، وما بينهما "الدين والإرهاب / الدين والعنف / الدين بين المقدسّ والمدنّس / في النقد والنقد الذاتي لرجال الدين / وفي نقد مبدأ "التقليد" / وهل الفتوى ضرورية؟ / الطائفية والتمذهب / الأوقاف الإسلامية وإشكالاتها / الشيعة السياسية "البيان" و "البيت " / الفدرالية و"الفدرلة" والتقسيم / مصادر التشريع - الإجماع والشهرة /الردّة والمرتد وما في حكمهما /هل المرأة "عورة" و "ناقصة عقل ودين"/ في النجاسة والطهارة / فقه المخارج والحيل "الشرعية" / العصمة والمعصوم".
التأريخ لا يتكرّر
لا يخفى على أحد وقائع وحقائق ما يشهده ويعيشه عالمنا - اليوم - من واقعية وراهنية تطوّير العلوم وتعميق قدرات المعارف وروافد تشجيع القابليات وتوريد كل ما يرعى المواهب، على نحو ما أتسم بزحف متسارع هائل الأثر والتأثير عبر مسارب تسابقات ما نتج من إجتياحات ثورة التطوّرات الرقمية "الديجتيل" الذي شمل كامل جوانب الحياة، وحقيقة ما تحققّ في واقع تقنيات وسائل الإعلام والإتصالات وإنتشار مواقع التواصل الإجتماعي للحدّ الذي جعل من شساعة العالم قدراً أضحى ملّموماً بمساحة أصابع كف إفتراضي صغير الحجم، آسر الرؤيا، فائق الدهشة لكل من تعينه وقائع ما حدث وحصل.
هواجس الإغتراب
وإذا ما كان الوضع الإغترابي يشكل هاجساً عاماً يحيط بمجتمعاتنا ويغلفها بالحيرة والغموض فأن ما يعيشه الوسط الديني من إغتراب نوعي يأتي على درجة أشدّ وأعتى حدةً وإستقطاباً - بحسب توضيح و توصيف ما ورد في مستهل مقدمة كتاب "دين العقل"، ومن خرم هذا التوصيف الحصيف الذي يفضي بنا صوب شواسع من تحليلات وتوضيحات وسواند أدلّة أضحت مختومة بتوابع من تحديثات أفاض في توضيحها د. شعبان من جهة، وأمال من جهة أخرى نحو تكثيفها بسوالك القسم الأول- كما أسلفنا- بترقيمه أولاً: "في حيثيات المناظرات: الحداثة والتقليد" ص19، مشيراً في ثناياه على إعتبار رحلة العقل هي بحث في حركة التأريخ والوجود والكون، ولا علاقة لذلك بالعالم العلوي "الإلهي"، فيما الإيمان يقوم على العقيدة وعدد من الحقائق الثابتة والأبديّة لا على التجربة والتغيير، كما وأن التأريخ - بحسب الباحث - يحدث مرة واحدة ولا يتكرّر، وكذلك توصيف العقل من حيث هو نعمة ربانيّة، فيما يرى بالإجتهاد "ملكة بشرية مكتسبة، يقوم بها العَالِم من خلال فقه الواقع".
بعد هذا أن لهذا المحنى ملامح مدعمة بخصائص وعي مجرّب وعميق، لمن يتفرّس ويتفحّص هوامش كل ما ورد في محتويات ومحاور هذا الكتاب، سيجد عمق تحدّيات كثير ومثيرة تتوّحد وتناور ما بينها لتكشف عن مديات وآفاق كشوف معرفيّة حافلة ورصينة مسّورة بمدّخرات ودعائم تثبيت لركائز تلك المسالك والمساعي الجبّارة في زواهي تعليلاتها ونواحي توثيقاتها لمثل هذه المناظرات والحوارات وشتى السجالات التي لا تخلو من مخاطر مغامرة، مهما كانت محسوبة العواقب وأهبّة أدهى التوّقعات.
منهجية المناظرات
في الوقت الذي أنفرد د. شعبان بلوازم الباب أو المبحث "ثانياً: في محتوى المناظرات؛ الوعي بالتأريخ والاجتهاد بالإسلام"، موضحاً فيه أن الوعي بالتأريخ لا يعني استعادته، بل استحضاره بغية أخذ الدرس منه والعبر، فيما يُرّكز في الركن الثاني من هذا الباب أو المبحث أن الإجتهاد - بشكل وأخر- سيأخذ موضوع التجديد بنظر الاعتبار، بمعنى لا تجديد بدون اجتهاد، والاجتهاد يخص إستنباط الأحكام بما ينسجم مع المتغيرات والمستجدات والتطوّرات التي تحصل في المجتمعات ينفرد د. شعبان بلوازم هذا القسم من باب أو كبحث- ثانياً: في محتوى المناظرات؛ الوعي بالتأريخ و الإجتهاد، موضحاً فيه أن الوعي بالتأريخ لا يعني استعادته، بل استحضاره بغية أخذ الدرس منه والعبر، فيما يُرّكز في الركن الثاني منه على أن الاجتهاد - بشكل وأخر- سيأخذ موضوع التجديد بنظر الاعتبار، بمعنى لا تجديد بدون اجتهاد، والاجتهاد يخص إستنباط الأحكام بما ينسجم مع المتغيرات والمستجدات والتطوّرات التي تحصل في المجتمعات، فيما حفل الباب أو المبحث الثالت من هذا القسم المتخم والأثير بدوعي تأطير المناظرات ومنهجيتها في طيّة عنوان فرعي هو "الإسلام و الحداثة"، دون أن يغفل محاذير مشكلة الأسئلة الشائكة والمسننّة من تلك التي تكتنف الكثير من حالات التعقيد المرتبطة بعرى الرابط الذي يمكن الإسلام أن يطلّ فيه على عالم الحداثة، واضعا العديد من محتمل العوائق والموانع التي يجعله- أيضا بحسب الباحث – "فبرغم التطوّر الهائل الذي حصل في العالم على مستوى العلم التكنولوجيا والاتصالات والمواصلات والإعلام والمعلومات، بما فيه الطفرة الرقميّة (الديجيتل) فإن الإسلام، وبالأحرى الفكر الإسلامي، لا يزال عند بوابة الحداثة" ص35.
الحيرة؛ حركة
يلزم - فعلاً وقولاً ولوائح تسبيب - دراسة وتدقيق مجمل أحداث وإحداثيات مرجل ما سعى إلى توثيقه القسم هذا، من حيث مكامن وإيضاحات وتوضيحات أدلّت بتصريحات باهرة، عميقة ومحرّضة من حيث ثقة صوابيتها بما يجري حولنا، وما يجب أن يكون عليه الحال، قد لا تسعف أو تُتحّف هذه المساحة الواجبة والمخصّصة لنواحي هذا المقال، جملة ما أردنا ملامسته ومتاخمة ضفاف ما أجذفت وأبحرت سفائن و قوارب د. شعبان في مشقة وأهوال مخارج هذا السِفر التائق للبحث والكشف وترسيم حدود لمعني أن تكون الحقيقة؛ حقيقة من حيث نواهل إستنباطها وتقديم صورة أقرب إليها بأستنتاجات وآراء تُغني البحث وتكشف جوانب الواقع المختلفة، كما يدعو هو " أي د. شعبان " ويذهب إلى ذلك - دائماً-، وعلى مصب أخر يتعلّق - أيضا- بلوازم البحث وما يكتنفه من مشاق ومتاعب وهواجس شكِ ولوافح حيرى، كثيراً ما صادف أن قرأت و أستمعت إليه مستشهداً بعبارة لأبن عربي تُفصح بالقول؛
" والهدى أن تهتدي إلى الحيرة،
لان الأمر حيرة
والحيرة حركة
والحركة حياة "

