Menu

تحليلنهاية عرض الرجل الواحد الخاص بنتنياهو: الشراكة المسمومة مع بن غفير وسموتريتش

بوابة الهدف - أحمد مصطفى جابر

قرر الناخب "الإسرائيلي" الذي أنهكته خمس جولات من الاقتراع على مدى عامين إنهاء هذه الدراما الطويلة على ما يبدو، وبالتالي السعي لنتيحة واضحة في انتخابات أول من أمس. وهذا ما حصلت عليه "إسرائيل" بالفعل انتصار ساحق لليمين القومي والديني المتطرف. وهكذا يتم تحديد "إسرئيل" الحقيقية، وليس الجديدة كما يدعي المراقبون المعارضون لنتنياهو، حيث يبدو إنه قد حان الوقت لدفن التعريف الغامض والمتناقض للدولة على أنها "يهودية ديمقراطية". و على الرغم من تمهيد الطريق لعودة دراماتيكية إلى السلطة لرئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو، الملاحق باتهامات جنائية خطيرة، فإن لهذه الانتخابات بالتأكيد تداعيات تتجاوز انتصاره الشخصي.

فاز بنيامين نتنياهو في انتخابات الكنيست الخامسة والعشرين، على ما تذهب إليه أرقام فرز أكثر من 85% من الأصوات، وهذا لم يكن فوزا عاديا، بل انتصار كبير تحدى جميع استطلاعات الرأي، ويمكن القول ببساطة أن "إسرائيل" الأصلية، قد فازت، يمينية ومتطرفة وتعج بالقتلة الجماعيين وأنصارهم من الفاشيين الذين لايخجلون من إعلان نيتهم في سفك دماء الفلسطينيين ومواصلة الحرب عليهم. وهذا ليس جديدا ولايعني أن الفريق الأخر أقل دموية وفتكا وإجراما، ولكنه يعني أن الناخب الصهيوني التقليدي قد اختار التخلص من المساحيق حتى لو كانت غير ذات جدوى، وكان القتال على يوم السبت وحركة الحافلات ودراسات التوراة والإعفاءات السكنية للجنود المسرحين أهم بكثير من السلام مع الفلسطينيين وأهم بكثير حتى من فكرة إدارة الصراع معهم أو تقليصه. فالفلسطيني مكانه هامشي وأداتي في عرف الخاسرين وغير موجود ولا معترف به في عرف الفائزين وكلا الرؤيتين تصب في خزان العنصرية الصهيونية وخزان الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني.

فاز بنيامين ننياهو ولكنه وإن كان فوزا مطلقا للكتلة، فإنه ليس كذلك للشخص، فالفائز الحقيقي في هذه الإنتخابات هو إيتمار بن غفير وشريكه بتسلئيل سموتريتش، وهكذا فإن بنيامين نتنياهو الذي لايزال يواجه تهما جنائية سيقود حكومة لايستطيع التحكم بها تماما، وليس هو نجمها الوحيد، وهذه الفكرة بحد ذاتها، فكرة وجود نجم منافس يتحدى طبيعة عرض الرجل الواحد الخاصة بنتنياهو سيكون لها تأثير كبير على الأرجح.

لماذا أصبح الصهيوني الديني أكثر خطورة؟

يأتي سموتريتش وبن غفير من ذات الخزان الآسن لمستنقع الفكر الفاشي الذي جاء منه نفتالي بينت وأيليت شاكيد، وحتى وزير الأركان الجديد، والكثيرون في السياسة الصهيونية، وبنيامين نتنياهو نفسه اختار الغوص في هذا الخزان، فما الذي تغير إذا؟

الذي تغير هو شعبوية القادمين الجدد وبالتحديد بن غفير الذي تمكن من مخاطبة معظم المجتمع الصهيوني اليميني والاستيطاني والديني، مقدما وعودا صاخبة وإن لم يتم التحقق من جديتها أو قدرته على تنفيذها، طرد العرب بالأساس، ونيته العمل على سن قوانين ضدهم وتجريدهم من الجنسية، وهذا ما يجعل هذا الفصيل الصهيوني الديني مميزا عن شركائه في الكيان وكذلك مميزا بشكل بارز عن الجماعات اليمينية المتطرفة الأوروبية، التي وعدت بالحد من الهجرة وطرد اللاجئين، ولكن الفصيل الصهيوني يعد أكثر منذ لك بترحيل حتى الفلسطينيين الذين عاشوا طوال حياتهم كمواطنين "إسرائيليين" .

ومن المعروف أن لبن غفير صلات أيدلوجية وروحية بمئير كاهانا، سيء السمعة حتى في السياسة "الإسرائيلية"، وهو الحاخام الأمريكي المولد الذي دعا صراحة لطرد الفلسطينيين من الأراضي التي تسيطر عليها "إسرائيل"، وقد بدأ بن غفير رحلته السياسية في حزب كاخ، الفاشي، الذي أسسه كهانا وتم حظره بموجب قوانين مكافحة الإرهاب في عام 1994، وهو الآن زعيم عوتسما يهودا أو القوة اليهودية، وهو حزب يضم بقايا الكاهانيين الذين أنعشتهم سياسات بنيامين نتنياهو على مدى 12 عامًا من حكمه. قد دأب بن غفير على القول إنه يدعم طرد المواطنين العرب غير الموالين للدولة "نحن في حالة حرب معهم".

من جانبه أيد سموتريش التشريعات التي تساعد في ضم الأراضي الفلسطينية وشارك في تأسيس منظمة غير حكومية تمنع البناء الفلسطيني في "إسرائيل" والضفة الغربية. وهدفه هو تسريع عملية حصول المستوطنين على الأراضي الفلسطينية، ومن المفارقات أن سموتريتش يعيش في مستوطنة بالضفة الغربية تم بناؤها بشكل غير قانوني بموجب القوانين "الإسرائيلية"، ويعيش زميله بن غفير في مستعمرة كريات أربع في الخليل وهي مكان لأكثر اليهود الصهاينة تطرفا وعدوانا ضد الفلسطينيين.

لا يقتصر موقف هؤلاء على الفلسطينيين، بل هم يعلنون نيتهم تحدي الاتجاه العام في الكيان والتخلص من التسامح تجاه مجتمع المثليين والمثليات ومزدوجي الميل الجنسي ومغايري الهوية الجنسانية وغيرهم من اليهود غير الملتزمين، وقبول ظاهر لضرورة العنف ضدهم وضد رافضي الالتزام الديني عموما. وبينما اعتنق نتنياهو وإن ظاهريا وغيره من قادة اليمين الأشكناز حقوق "مجتمع الميم" فإن هذا قد يضعه في صدام مع شركائه الجدد وشكل كبير حيث أن سموتريش كان ناشطًا في مجال رفض حقوق المثليين في شبابه، وقد لفت الانتباه مؤخرًا إلى التعليقات التي تم الإدلاء بها حول مجتمع المثليين المزدهر "في إسرائيل"، وفي عام 2015 اشترت إذاعة الجيش تسجيلاً وصف فيه نفسه بأنه "فخور برهاب المثلية الجنسية" وقال إن المثليين يجب أن "يشعروا بعدم الارتياح لكونهم غير طبيعيين". كما اعتاد بن غفير على الاحتجاج على مسيرات "جاي برايد" باعتبارها "فظاعات"، رغم أنه اقترح في العام الماضي منذ ذلك الحين موقفًا أكثر ليونة إلى حد ما. وفي محاولة لتبييض صورته قال في برنامج حواري: "المثليون هم إخوتي، والمثليات أخواتي. لكني ضد التجول في الشوارع بالملابس الداخلية". ويرى النقاد أن وراء هذه التعليقات نظرة شديدة المحافظة على المجتمع "الإسرائيلي"، ف إسحق فاسرلاف، حليف بن غفير البالغ من العمر 30 عامًا والذي أصبح عضوا في الكنيست انتقد الحركة اليهودية الإصلاحية الليبرالية لقيامها "بالاستهزاء بالدين" من خلال عقد زيجات مع كل من حاخام وكاهن. كما دعا سموتريتش، وهو محام، إلى إصلاحات قانونية كبرى، ويقول معارضوه إنه مصممون للسماح للسلطة الحكومية بالقيام بأشياء مثل اتخاذ إجراءات صارمة ضد طالبي اللجوء أو حتى المعارضين السياسيين دون تدخل قضائي وإن حقوق المرأة ستُلغى .

التطرف العنيف

كان كاهانا، السلف سيء السمعة لبن غفير قد ساعد في ولادة اليمين المتطرف في الكيان الصهيوني من خلال الدعوة إلى نوع من القومية اليهودية البغيضة والعنيفة في كثير من الأحيان. وقد خدم في الكنيست لمدة أربع سنوات، ولكن تمت مقاطعته فعليًا من قبل سياسيين آخرين وتم منعه فعليًا من السياسة في عام 1988 بسبب العنصرية، وبعدها بعامين تم اغتياله على يد مصري يدعى سيد نصير.

لكن التهديد بالعنف اليميني المتطرف الذي جلبه كاهانا من الولايات المتحدة لا يزال يؤثر على السياسة الصهيونية، حيث تم الربط بشكل فعلي بين قاتل رابين عام 1995 ، ومجموعات كاهانا وبقايا حزبه.

في ذلك الوقت، أي زمن اغتيال رابين كان بن غفير، شابًا يمينيًا متطرفًا مثيرًا للغوغاء أُعفي من الخدمة العسكرية بسبب معتقداته السياسية، كان قد هدد رابين قبل ثلاثة أسابيع فقط من اغتياله . وعلى الرغم من أنه لم تتم إدانته مطلقًا بارتكاب أعمال عنف بنفسه، فقد دافع بن غفير عن المتطرفين اليمينيين المتطرفين في المحكمة (مثل سموتريتش، وهو محام) وأدين بالتحريض على العنصرية ودعم جماعة إرهابية، ولسنوات علق في صدر منزله صورة القاتل باروخ جولدشتاين، متطرف أمريكي إسرائيلي يميني متطرف ارتكب مجزرة في الحرم الإبراهيمي . ومؤخرا، لوح بمسدس خلال اشتباكات بين الشرطة وفلسطينيين رشقوا الحجارة في القدس الشرقية، داعيا الشرطة إلى إطلاق النار بالذخيرة الحية.

بن غفير الذي أعلن إنه نزع صورة جودشتاين من منزله وعلى الرغم من التنكر بعناية طوال الحملة، إلا أنه بمجرد تحقيق النصر، خلع قناعه المعتدل. و تبادل علانية العناق الدافئ مع العنصريين المشهورين و كارهي المثليين الذين نأى بنفسه عنهم لأسابيع في الفترة التي سبقت التصويت، ومن بين هؤلاء دوف ليور، أحد أكثر الحاخامات تطرفاً في حركة المستوطنين، والذي دعا في مناسبات عديدة إلى التطهير العرقي للمسلمين العرب وأعرب عن دعمه لعمليات القتل الجماعي. وقد قال ليور في 2004، مقتبسًا من إحدى ملاحظاته التحريضية العديدة: " "لا بأس في قتل المدنيين الأبرياء وتدمير غزة".

الحليف الآخر لنتنياهو، مشكوك بإخلاصه تماما، فسموتريتش، لايحترم نتنياهو ويسعى أيضا للتخلص منه، ورغم تحالفه معه ورغم سعيه لاقتراح إصلاحات قانونية يمكن أن تساعد نتنياهو على الهروب من السجن، إلا أنه أظهر القليل من الاهتمام بالسياسات التي اعتبرها مثيرة للسخرية التي يتبناها نتنياهو. وفي تسجيل سري صدر خلال الحملة الشهر الماضي، سُمع سموتريتش وهو يصف نتنياهو بأنه كاذب ويشير إلى أن تدخله هو الذي أوقف خطط حزب الليكود يمين الوسط للتحالف مع الأحزاب العربية في "إسرائيل". وأضاف : "مع نتنياهو، ستقوم الفيزياء أو علم الأحياء بعملهم" و "لن يبقى هنا إلى الأبد. في مرحلة ما سوف يدان من قبل المحكمة أو أيا كان. اصبر. ليس هناك شك في أن نتنياهو يمثل مشكلة، لكن عليك الاختيار بين مشكلة وأخرى".

أخيرا:

يبقى السؤال مطروحا، رغم الأغلبية التي حققتها كتلة اليمين، بمدى حرص نتنياهو على الطريقة التي سينهي بها حياته السياسية من جهة، وموقف الليكوديين من التحالف الحكومي مه بن غفير وسموتريتش، حيث ِأشار عضو مركز الليكود ونجل أريل شارون جلعاد شارون في مقال لافت بأن الليكود يجب أن يبتعد عن بن غفير حيث لايوجد خلافات حقيقية بينه وبين المعسكر الوطني باعتبار أن جميعهم صهاينة مخلصون "لإسرئيل"، وربما كان موقف شارون معبراعن أغلبية في صفوف الليكود الذي ضاق فعلا بالليكوديين الجدد القادمين من المستوطنات والذين عملوا على تغيير هوية الحزب.

بالنسبة لنتيناهو فشركاءه الافتراضيين الثلاثة حزب يهدوت هتوراه اليهودي الأشكنازي المتشدد، وحزب شاس السفاردي الأرثوذكسي، وتحالف الصهيونية الدينية من المتوقع أن يجمعوا معا حوالي 33 مقعدا ، أي أكثر من 32 مقعدا لليكود، بالتالي سيسأل نتنياهو نفسه من هو الزعيم الفعلي للحكومة حاخامات الحريديم وبن غفير أم هو، والأرجح أنه سينتصر لنرجسيته في النهاية كونه لايستطيع العمل ولا النجاح في عرض جماعي، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن نتنياهو أذكى من أن يخاطر بسمعته وعلاقاته مع الحكومة الأمريكية، ومع الأوربيين، لتصدير بن غفير وسموتريتش كنجوم في الحكم "الإسرائيلي"، وفي جميع الأحول، وكونه سيشكل حكومه حتما، فإنه يدرك إنها ستكون الأخيرة، بسبب سنه على الأقل، وبالتالي سيسعى للتقاعد السياسي بكرامة بدون وصمة السجن والإدانة. ولكن إرثه السياسي سيكون مهما جدا أيضا، وهو الآن أمام خيارين، إما أن يغادر السياسية "كبطل" صهيوني كلاسيكي لاحقا ببن غوريون وبيغن ورابين، عبر الخضوع للضغط الأمريكي والإجماع الصهيوني العميق، أو أن يصم نفسه بالرابطة المشينة مع بن غفير وسموتريتش.