تعدّدت الآراءُ وتنوّعتْ فيما جرى من اتفاقيّة ترسيم الحدود البحريّة بين الدولة اللبنانيّة، وكيان الاحتلال الصهيونيّ عبرَ الوساطة الأميركيّة، وعلى تنوّع تلك الاجتهادات بقيت طيّات هذا الاتّفاق تحمّل الكثير من الغموض. لكن بكلّ الأحوال فإنّ المجريات التي استغرقت نحو عقدٍ من الزمن تشير إلى أن من وضع الاتفاق ورسم معالمه هي الإدارة الأميركيّة، وذلك ضمن رؤيةٍ استراتيجيّةٍ كاملةٍ وشاملةٍ للمنطقة وللتحولات الدولية والإقليمية المتسارعة، التي كان من شأنها بحسب البعض الدفع نحو إنجاز هذ الاتفاق، فكما هو معلوم أن العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا قد ولّدت أزمةَ طاقةٍ عميقةٍ وكشفت النقاب عن هشاشة البنية الغربية في تعاملها مع موضوعات السلع الاستراتيجية كالغاز والنفط فأصبح العالم اليوم يخوض حربًا للاستحواذ على تلك الموارد ويترافق ذلك مع بروز مخاوف من أن تتحول المواجهة بين موسكو وكييف إلى حربٍ عالميّةٍ بين روسيا من جهة، وأميركا وأوكرانيا وحلف الناتو من جهةٍ أخرى، قد تكون لها تأثيراتها أيضًا في الدفع بإنجاز ملف ترسيم الحدود البحرية على خلفية أن الولايات المتحدة المأزومة داخليًّا وخارجيًّا والمنهكة عسكريًّا واقتصاديًّا في معسكر الغرب ترى بضرورة الاستقرار في حوض بحر المتوسط. وضمن هذا السياق أوضح هيكو ويمين، مدير مشروع العراق و سوريا ولبنان في مركز أبحاث مجموعة الأزمات Crisis Group ومقره بروكسل، أن أزمة الطاقة في أوروبا أدّت دورًا رئيسيًّا. وأضاف "بفضل الاحتياجات الأوروبيّة، فإنّ الباب مفتوح (لمصدري الغاز)"... "أي شخص يريد أن يعبّر هذا الباب يحتاج إلى التحرّك الآن، قبل أن يدخل شخص آخر إلى هناك، أو قبل أن يتمَّ استبدال الغاز الطبيعي - الذي يبدو ظاهريًّا أنه طاقةٌ مؤقّتة - بطاقات أكثر اخضرارًا. لذلك أقول إنّ هذا جعل الأمر عاجلًا بالنسبة للإسرائيليّين".
من هنا نستطيع أن نقرأ ردود الفعل السياسيّة الإسرائيليّة حول توقيعها على هذا الاتفاق، حيث انقسمت الآراء لديهم، ومع هذا فإنّ موضوع التوقيع على الاتفاق لم يتعرّض لأي مساءلة، فالثمرة السياسيّة من هذا الاتفاق لم تحصل عليها (إسرائيل) ولم تأتِ استجابةً لحاجةٍ فعليّةٍ لديهم. فهذه السلعة التي تملأ عباب المتوسط كما هي في الخليج تعدُّ سلعًا استراتيجيّةً تخضعُ لمنظومة الأمن القومي الأميركي ولم يكن كيان الاحتلال خارج عن هذه المنظومة. وبحسب ما صرّح به عاموس هوشتاين المبعوث الأمريكي الخاص لشؤون الطاقة الدولية، الذي تفاوض على الصفقة: لوسائل إعلام إسرائيلية بأنه، "يمكن للجانبين الفوز هنا، لأن كلا منهما يريد أشياء مختلفة، ويحتاج إلى أشياء مختلفة".
صحيح أن رئيس المعارضة الصهيونية بنيامين نتنياهو قد عبر عن رفضه الشديد لهذه الاتفاقية ووصفها "بالمخزية" وحذر من أنها تمس بالأمن القومي للاحتلال وأضاف على احتجاجاته رفضه لاستلام الإحاطة الأمنية التي تقدمها حكومة الاحتلال، واتهم حكومة لابيد "بالاستسلام لابتزاز حزب الله"، وأقسم بأنه سيلغي الصفقة إذا عاد إلى السلطة بعد الانتخابات المقبلة. ولكن المحللين الإسرائيليين ووسائل الإعلام الصهيونية رأت بموقف نتنياهو أنه محاولة استعراضية لا تمت إلى الموقف السياسي بأية صلة وأشارت إلى أنه لو كان رئيسا للحكومة سيوقع على تلك الاتفاقية فهي قرار من قيادة المركز (الإدارة الأميركية) وتأتي ضمن حسابات دولية. وأيد نتنياهو الرأي عددا من كبار الشخصيات المنتمين الى الدوائر الأمنية والعسكرية الصهيونية الذين تحدثوا عن مساوئ الاتفاق ومخاطره بأن "تراجع إسرائيل أمام تهديدات الابتزاز من قبل المنظمات الإرهابية بعد عقد على المفاوضات هو بمثابة خوّة لتأمين الحماية". ورأت أيضا عند مبرر تجنب الحرب الذي تستند إليه الحكومة والجيش في تأييد الاتفاق بالقول إن هذا التبرير "يمثل محاولة مؤسفة لشراء الهدوء على المدى القصير ومصدره الخوف من مواجهة مع منظمة تبتز دولة ذات سيادة".
واستغرق العنوان الأمني مجمل المساحة الإعلامية الإسرائيلية التي تناولت البحث والتحليل والانتقاد حول اتفاق الترسيم البحري ودلالاته وتأثيره المباشر وغير المباشر على البنية الأمنية الإسرائيلية، حيث علق يوسي يهوشع المختص بالشؤون العسكرية في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، في لقاء تلفزيوني، أكد فيه "أن الاتفاق جنب الإسرائيليين القتل مقابل خسارة اقتصادية موضحا: ماذا سنخسر من الاتفاق مع لبنان بعد خمس سنوات؟ مليار دولار؟ أو عشرين مليار دولار؟ مقابل يوم واحد من القتال أمام حزب الله، سيسبب لنا دمارا وأضرارا اقتصادية هائلة... ولن أتكلم عن الخسائر البشرية".
وقد وافقت حكومة الاحتلال الإسرائيلية المنتهية ولايتها على هذه الصفقة التي قال عنها رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي يائير لبيد أنها "ستعزز الاستقرار الإقليمي". وبدوره يستعد للبدء بتنفيذها رسميا في الأسابيع التالية من التوقيع المقرر إجراءه في الناقورة قبل الدخول في أجواء انتخابات الكنيست الخامسة مطلع شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الحالي وهي الجولة الخامسة في غضون أربع سنوات بعد انهيار الائتلافات السابقة. وبمعزل عن الانتخابات ونتائجها فثمة ردود أفعال إسرائيلية متضاربة حول الاتفاق مع لبنان، إلا أن ثمة موقف واضح لدى الأغلبية فيما يتعلق بدلالات وانعكاسات الاتفاق على الأمن والاقتصاد الصهيوني يقول بإمكانية الانطلاق بالعمل في حقل كاريش، دون خوف من التعرض للهجوم من المقاومة اللبنانية. الأمر الذي يعني أن كيان الاحتلال يستطيع البدء بالعمل وجني الأموال من حقل الغاز الطبيعي في غضون مدة زمنية قصيرة. وأشار محللين سياسيين إلى أن "حقل كاريش من الناحية المالية هو أصغر حقول الغاز التي تعمل عليها إسرائيل، وفي حالة ما إذا كان الأمر قد وصل إلى مرحلة الصدام الفعلي لكانت البنية التحتية لحقول الغاز بأكملها معرضة للخطر وهذا السيناريو غير مطروح الآن. لذا، بالطبع، فإن ذلك يعد فوزا مهما من الناحية الأمنية". ويقول مراقبون إن إسرائيل تخلت على الأرجح عن أراض أكثر مما أرادت في البداية، لكنها ستستفيد أكثر على المدى القصير من مبيعات الغاز في ظل ظروف أمنية أفضل. وعلى الجانب الآخر، حصل لبنان على أرض، لكنه لن يتمكن من استغلالها على الفور.
وفي إطار المناكفات الأمنية الإسرائيلية، قال رئيس الموساد ددي برنياع أمام المجلس الوزاري المصغر أن الاتفاق ليس جيدا لحزب الله. فيما رأى رئيس أركان الجيش الصهيوني أفيف كوخافي أن من يقول إن الاتفاق إنجاز لحزب الله "لا يفهم الوضع في لبنان".
وفي خضم هذه المواقف تلقت الحكومة الإسرائيلية، دعما من الرئيس الأميركي جو بايدن، الذي أكد على أهمية الاتفاق مع لبنان الذي سيضمن أمن إسرائيل على الحدود الشمالية، ويعزز الاقتصاد الإسرائيلي واللبناني، وحثهم على إنهاء الخطوات المتبقة من الاتفاق، عبر المصادقة عليه من دون تأجيل مع التأكيد على توفير ضمانات أميركية ملزمة لأي احتمال لخرق الاتفاق من قبل الجانب اللبناني، وأن إسرائيل "ستحصل من الإدارة الأميركية على رسالة ضمانات توضح أن الولايات المتحدة ملتزمة بحقوق إسرائيل الأمنية والاقتصادية في سيناريو يقرر فيه حزب الله أو جهة أخرى تحدي الاتفاقية التي تم توقيعها". وأكدت المصادر أنه "في أساس الرسالة ضمانات لخط الطفافات على أنه دفاع إسرائيلي وحماية الحقوق الاقتصادية لإسرائيل في حقل صيدا وكذلك منع عائدات الحقل من الوصول إلى حزب الله وفقا للعقوبات الأميركية".
بالمقابل، فإن الدولة اللبنانية رأت أن هذا الاتفاق هو أفضل الممكن واستغلت اللحظة التاريخية للتوقيع لسببين رئيسيين: الأول يتعلق بفداحة الكارثة الاقتصادية التي يعيشها هذا البلد وإمكانية أن يخرج من أزمته الاقتصادية بفعل عوائد النفط والغاز، ويستمر لبنان بالعمل في ظل أزمة اقتصادية عبّر عنها البنك الدولي أنها من بين "أشد الأحداث خطورة على مستوى العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر". والسبب الثاني يتعلق بأن هذا الاتفاق هو اتفاق تقني ولا يقود إلى التطبيع مع كيان الاحتلال، الأمر الذي لم يقنع البعض وحذرت أصوات لبنانية عديدة وعبرت عن انزعاجها من هذا الاتفاق لأسباب جوهرية أهمها أن الولايات المتحدة الأميركية وحدها مرجع أي نزاع في المستقبل: وهل من المعقول ألا تنحاز أميركا إلى العدو الاسرائيلي في أي نزاع؟!
كما أن الاتفاق حصر التنقيب والتطوير برؤية الإدارة الأميركية وموافقتها. في حين وصفت أوساط سياسية وإعلامية لبنانية أن الاتفاق مجحف بحق لبنان، بحيث لم يعط أكثر من 20% من المساحة بين خطي هوف والخط اللبناني 29، وغيرها من النقاط التقنية التفصيلية الواردة في نص الاتفاق.
بكل الأحوال ما زال الغموض يكتنف هذا الاتفاق لأسباب عديدة تتعلق في معظم الأحيان بتأثير قوى خارجية تسعى إلى انجاح الطرف الأقوى وإفشال الطرف الأضعف، وهذا الأمر ربما يدفع الطرفين إما إلى مزيد من الاقتتال وإما إلى حتمية التوافق.

