إشكالية المشروع الصهيوني
يتعين علينا الاعتراف بأن المشروع الصهيوني، الذي يتعدى عمره بارهاصاته الأولى مئة وأربعين عاماً، يسير بمنحى تطوري تصاعدي، متنقلاً من انجازٍ لآخرٍ، من دون أن تعيق مساره، أيةِ تحدياتٍ حقيقية، باستثناء بعض الانعطافات في محطاتٍ تاريخيةٍ مختلفة، ولكن من دون أن تُشكّل تهديداً بقطع مساره، أو تعيده سنوات إلى الوراء، وبمقدورنا أن نضع علامات فارقة في طريق تطور هذا المشروع ومكاسبه النوعية: (تأسيس الحركة الصهيونية عام 1897، وعد بلفور عام 1917، تجسيد الدولة عام 1948، الانتصار المدوي على الجيوش العربية سنة 1967 واحتلال أجزاء واسعة من البلاد العربية، اتفاقية كامب ديفيد مع مصر سنة 1978، اتفاقيات أوسلو مع الفلسطينيين سنة 1993، اتفاقية وادي عربة مع الأردن 1994، واتفاقيات "ابراهام" مع الامارات والبحرين والمغرب والسودان 2020، علاوةً على عشرات المنجزات الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية والأمنية والعلمية والتكنولوجية...الخ).
أما التحديات التي واجهت المشروع، لكنها لم تؤثر في منحناه التصاعدي، وإن تسببت ببعض الانعطافات الحادة في مسارة فهي: (ثورة البراق 1928، ثورة العام 1936، حرب العام 1973، الانتفاضة الأولى عام 1987، المقاومة اللبنانية وإرغامه على الاندحار عن الجنوب 2000، الانتفاضة الثانية عام 2000، والاندحار من قطاع غزة 2005، الحرب مع حزب الله 2006، المقاومة الفلسطينية والحروب مع غزة أعوام 2008، 2012، 2014، 2021، فضلاً عن آلاف الأحداث والمعارك والأزمات التي واجهته). بيد أنه وبحكم قوته، وآليات عمله، وما يحظى به من دعمٍ خارجي، كان بمقدوره التقاط أنفاسه ومواصلة السير إلى الأمام.
ويتلخص جوهر المشروع الصهيوني بالنقاط التالية:
1. إقامة " دولة اليهود" على كامل فلسطين، وعلى أجزاء من البلاد العربية المجاورة بعد طرد أهلها، أو إبادتهم.
2. تهجير يهود العالم قاطبةً إلى فلسطين، وزرعهم في مستوطناتها.
3. الهيمنة على المنطقة وامتصاص ثرواتها.
وحتى يتحقق هذا المشروع، رسمت الصهيونية استراتيجيتها العليا على النحو التالي:
1. ارتباط المشروع الصهيوني، بالمشروع الاستعماري العالمي، وتحديد دور الدولة العتيدة، كدولةٍ وظيفية.
2. ينبغي أن تتبنى المشروع الصهيوني، دولة استعمارية أو أكثر لضمان نجاحه.
3. التحالف الاستراتيجي، بين الدولة الصهيونية، وبين أقوى دولة في العالم (بريطانيا سابقاً، الولايات المتحدة حاليا).
4. ضمان بقاء الدولة الصهيونية، الأقوى عسكرياً في المنطقة من دون منازع.
5. ضمان بقاء الدولة الصهيونية، الأقوى اقتصادياً في المنطقة من دون منازع.
إن ما أسلفناه من نقاط، تلخص جوهر المشروع الصهيوني واستراتيجيته، وليس مجرد تحليلٍ لطبيعة هذا المشروع، وإنما هي مكوناته التي جاهر بها قادة ومنظرو المشروع، منذ انطلاقه وحتى اليوم.
وعليه، فإننا وبكلِ بساطةٍ، بوسعنا أن نُعرّف المشروع الصهيوني بجملةٍ واحدة: هو مشروع استعماري استيطاني عدواني يستهدف المنطقة العربية وشعوبها وثرواتها، من خلال حشد المستعمرين اليهود الصهاينة بعد اقتلاعهم من بلدانهم الأصلية، وتحويلهم إلى مادة قتالية في خدمة المشروع الاستعماري - الامبريالي العالمي.
وبالرغم من إحرازه لأهدافه الرئيسية، ينطوي المشروع الصهيوني على أزماته الكامنة التي تهدده بالتفسخ من الداخل، ويواجه في ذات الوقت، مقاومةً شرسةً وعنيدةً وتحدياتٍ حقيقية، تهدد وجوده المستقبلي. وعليه ينطوي المشروع الصهيوني على اشكاليات ترتبط بخصائصه ومكوناته الداخلية، مما يسمح بتفاقم أزماته القاتلة التي تساهم في تآكله من الداخل
كما ويواجه تحديات من خارجه، بحكم طبيعته العدوانية التي لا تسمح بمهادنته، وإنما بالاشتباك التاريخي والمستمر معه، إلى أن تأتي لحظة الاجهاز عليه.
إننا ومن خلال مقاربتنا الفكرية، لإشكالية المشروع الصهيوني سنجد ترابطاً جدلياً، بين أزماته الداخلية وتحدياته الخارجية، وهو ما سيُسرع في تقويضه، في ضوء انحسار قواه الدافعة، وجفاف مناهله الفكرية والبشرية، وولوجه لعتبة أزمته التاريخية.
ويمكننا أن نلخص أزمته التاريخية على هذا النحو:
أولاً: اشكالية المركبات:
1. المُركب الاستعماري:
ارتبط المشروع الصهيوني منذ بداياته الأولى عضوياً، بالمشروع الاستعماري الأوروبي، ومَثّل الثاني رحماً وحاضنةً لولادة ورعاية الأول، والإشراف على نموه وتطويره وبقائه، وتحويله إلى كيانٍ وظيفي، في خدمة المصالح الاستعمارية.
لقد أفصحت كتابات "هرتزل" وتصوراته، في ترجمة المشروع الصهيوني، وإخراجه إلى حيز الوجود، عن الارتباط العضوي بين الصهيونية والاستعمار، كضرورةٍ وليس خياراً، وذلك لعجز "اليهود" بقواهم الذاتية، عن انجاز المشروع، ومثل هذا الاتجاه، التيار الذي كان معروفاً بـ " الصهيونية السياسية"، الذي مَثّله "هرتسل" ومجموعة من الزعماء والمفكرين داخل الحركة الصهيونية وخارجها، أما التيار الآخر الذي كان معروفاً بـ " الصهيونية العملية" فلم يختلف من حيث الجوهر مع التيار الأول، حول ضرورة التعاون مع القوى الاستعمارية، بوصف المشروع الصهيوني ينتمي أصلاً لنمط الاستعمار الاستيطاني، لذا دعا هذا التيار إلى فرض المشروع على الأرض، من خلال تحفيز اليهود على الهجرة إلى فلسطين، وبناء المستوطنات، وعدم التلكؤ وانتظار الفرصة السانحة. وقد أسفر هذا التناقض عن ظهور تيار ثالث، جمع بين التصورين، وعُرف باسم "الصهيونية المُركبة" والذي مَثّله "حاييم وايزمان"، حيث نجح هذا التيار وزعيمه، في إحراز تقدمٍ غير مسبوق، تَمثّل بإعلان بلفور، وتبني المشروع عملياً من قبل الدولة الاستعمارية الأهم في ذلك العهد، بريطانيا العظمى. ولم تختلف بقية التيارات الأخرى " كالتيار التصحيحي" عن هذا التصور.
كما أن النسق الداخلي، الذي يتحكم بالمشروع الصهيوني، هو النسق الاستعماري الاستيطاني، الذي يقوم بالأساس على فكرة استيطان أرض الغير، وإقامة مجتمع للمستعمرين على أنقاض شعبها، وتجسيد دولة استيطان عدوانية ستكون عدوانية بالضرورة، بحكم تكوينها وأهدافها وطبيعتها ومادتها البشرية، وتنتمي لتشكيل حضاري آخر وترتبط به عضوياً، وبهذا ستؤدي مهمة وظيفية للتشكيل الذي تنتمي إليه، بحكم ارتباطها به وانتماؤها وحاجتها إليه.
لقد أثبتت التجربة الاستعمارية الصهيونية، طوال أكثر من مئة عام، ارتباطها العضوي بالاستعمار، وأفصحت ممارساتها عن عدوانيتها وعن دورها الوظيفي، وسعت إلى تكريس ارتباطها والدور الذي تلعبه في المنطقة.
وعلى الرغم من انحسار الظاهرة الاستعمارية العالمية، إلا أن "اسرائيل" استطاعت تطوير تجرتبها الذاتية، وتركيم عوامل قوتها، ولكن من دون فك الارتباط العضوي مع التشكيل الحضاري الذي تنتمي إليه، لأن عوامل بقائها، كجيبٍ استعماريٍ وحيد في المنطقة، سيظل مرتبطاً بعواملٍ خارجية.
إن أزمة المشروع الصهيوني كامنة بطبيعته الاستعمارية، وذلك في ضوء انهيار ظاهرة الاستعمار التقليدي الذي كان يتغذى عليها، واضمحلال الدعم الذي كان يتلقاه من تشكيله الحضاري (تَحوّلات في الرأي العام الأوروبي والأمريكي في غير صالحه)، وانحسار قدرته التوسعية في جغرافيا المنطقة، وجفاف خزانات الهجرة، واخفاقه في إبادة الفلسطينيين أو اقتلاعهم بالكامل عن أرضهم، فضلاً عن المقاومة المتواصلة التي يتعرض لها هذا المشروع من قبل شعوب المنطقة.
وفي المحصلة لن يكون مصير هذا المشروع سوى الاندثار، أو التَحوّل أو الذوبان، كما جرى في تجارب استعمارية أخرى (جنوب أفريقيا، روديسيا) بسبب قلاقله وأزماته الداخلية والضربات التي يتلقاها من الخارج.
2) المركب الاستشراقي:
ينطوي المشروع الصهيوني على مركب استشراقي، موروث من الخطاب الاستعماري الحضاري الأوروبي الذي كان سائداً في القرن التاسع عشر، وحتى أواسط القرن العشرين. ويتلخص مفهوم الاستشراق، برؤية الحضارة الغربية الأوروبية وتعريفها لذاتها، إزاء الشرق (شعوب آسيا وأفريقيا)، وما تنطوي هذه الحضارة من مكونات تاريخية وعرقية وثقافية وسياسية واقتصادية واجتماعية وعلمية وعسكرية وفلسفية... الخ. تضعها في مصاف الحضارة الأرقى والأكثر تفوقاً بحكم طبيعة مكوناتها وخصائصها الفريدة، وهو ما يؤهلها لقيادة العالم، ويبيح لها استعماره، وذلك مقابل الشرق الضعيف والمتخلف الذي ليس بوسعه تخطي عتبة الحداثة على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية العلمية والثقافية...الخ، وذلك بحجم طبيعة أعراقه المنحطة والغير قابلة للتطور، ما لم تسمح لها شروط الهيمنة الحضارية الأوروبية، التي أنتجت ظاهرة الاستعمار ليأخذ بيدها، وقيادتها نحو التطور والرخاء، والإبقاء عليها في حالة من التبعية الشاملة، لأن خصائصها العرقية والثقافية لا تؤهلها للقيادة، ولا حتى من انتاج حضارة تتفوق على الحضارة الغربية.
لقد تغذى الخطاب الاستشراقي الأوروبي من عدة مصادرها، أولها النظرية الدارونية البيولوجية، التي يقع في مركزها نظرية أصل الأنواع، ونظرية التطور العرقي والبقاء للأقوى والأصلح، حيث وُجدت هذه النظرية ترجمة لها في الميادين السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وجرى توظيفها في الخطاب السياسي والثقافي الأوروبي، بضرورة سيادة الأعراق الأرقى (الأوروبية) على الأعراق الأدنى ( الشرقية)، وفي ميدان الفلسفة ألهمت هذه النظرية الفيلسوف "فريدريك نيتشه"، الذي وضع فلسفته التي يقع في صلبها فكرة "الإنسان الأعلى" المتحرر من أي موروث ثقافي أو أخلاقي قديم، والذي يجب أن يتفوق ويسود على "الإنسان الأدنى" الخاضع لقيوده التاريخية والثقافية والأخلاقية.
أما المصدر الثاني الذي تغذى منه الخطاب الاستشراقي الأوروبي، فيَتمّثل في امتلاكه لشروط التقدم العلمي والمادي (الثورة العلمية في القرن السادس عشر، عصر التنوير في القرن السابع عشر، عصر النهضة في القرن الثامن عشر، الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر...الخ).
وهو ما مَكنّه من ولوج عتبة الحداثة على أصعدة: (الدولة، المجتمع، الاقتصاد، الثقافة، الصناعة، العلوم، الجيوش...الخ)، أي امتلاك شروط القوة التي سمحت له بالتفوق على الشرق وإخضاعه للهيمنة الاستعمارية. وهكذا أصبح الشرق بالنسبة للغرب، رمزاً للانحطاط العرقي والتخلف الثقافي والاقتصادي والاجتماعي والاستبداد السياسي، الأمر الذي يبيح له إخضاعه والهيمنة عليه.
لقد استقت الصهيونية، بوصفها ظاهرة أوروبية المنشأة تسعى لإقامة وتجسيد دولتها في الشرق، مجمل الخطاب الاستشراقي الأوروبي.
ولعل عبارة "هرتسل" الشهيرة تلخص انتماء الصهيونية للتشكيل الاستعماري الأوروبي حين قال (بالنسبة إلى أوروبا، سنمثل جزءاً من السد أمام آسيا، وسنخدم في الخط الأمامي لندافع عن الحضارة ضد البربرية، وسنبقى كدولة متحالفين مع أوروبا التي ستضمن في المقابل وجودنا).
وسنجد الخطاب الاستشراقي بكل وضوح لدى جابوتنسكي (نحن اليهود لا صلة لنا بالشرق، ويجب كنس الروح العربية خارج أرض إسرائيل). وفي عبارةٍ اخرى لجابوتنسكي (نحن اليهود ننتمي للغرب، أوروبا نحن من نباتها وروادها الأوائل... لذلك فإن الاقتراب من الشرق يعني بالنسبة لنا التنكر لأنفسنا).
إن الخطاب الاستشراقي لا يزال يُعد مركباً أصيلاً في الفكر الصهيوني، وفي ذات الوقت يُمثل أحد أوجه أزمة المشروع الصهيوني. فهو من زاوية لا يزال يتغذى على أفكار ميتة ومميتة لفظ الغرب معظمها، وما بقي منها ظلت تقتات عليها الحركات اليمينية وبعض مخلفات وجيوب الفكر النازي في أوروبا والولايات المتحدة، ومن زاويةٍ ثانية، يُمثل هذا الخطاب حاجزاً منيعاً أمام محاولات "اسرائيل" لدمج نفسها في المنطقة، وتطبيع علاقاتها مع دول الجوار، ويتمظهر هذا الخطاب في صورة نظام الابارتهايد الذي يكرس الاحتلال والاستغلال للفلسطينيين، والانفصال عنهم، بوصفهم شعباً شرقياً. ومن زاوية ثالثة يتجلى هذا الخطاب في صورة هيمنة اليهود الاشكناز الأوروبيين على الدولة ومؤسساتها، وتربعهم على قمة الهرم السياسي والاقتصادي والثقافي والعسكري في الدولة، فيما تجري محاولات إقصاء اليهود من أصول شرقية، وظهور بعض الممارسات التي تنطوي على تمييز عنصري بحق بعض الفئات والجماعات الشرقية (يهود أثيوبيا، يهود اليمن، يهود الهند) وهو ما يعني ظهور أزمة هوية في الدولة العبرية.
إن زيادة أعداد اليهود من أصول شرقية، وتفوقهم من الناحية العددية، يهدد الهيمنة الاشكنازية على الدولة، ويؤدي إلى تلاشيها التدريجي، وهو ما يعني التَبدّل في هوية المشروع الأوروبية وخطابه الاستشراقي، الأمر الذي ينطوي على أزمة عميقة تساهم في إعادة تعريف الخطاب الصهيوني.
3) المركب اليهودي – الديني:
ويُمثل المركب اليهودي، ببعده الديني، وببعده القومي المزعوم، قلب المشروع الصهيوني، ومبرر وجوده حيث زعمت الحركة الصهيونية، أن سبب ظهورها بالأساس كان يهدف "لتحرير اليهود في العالم، وتخليصهم من الملاحقة والاضطهاد"، بوصفهم شعباً عضوياً، يملك سمات وخصائص فريدة تميزه عن باقي الشعوب، شاءت له أقداره أن يتشتت بعد أن طُرد من وطنه التاريخي "أرض اسرائيل" قبل زهاء ألفي عام، ويتعين إعادة تصحيح هذا الخلل التاريخي، بتمكين اليهود من العودة إلى أرضهم وإقامة دولتهم، وحسب هذا الادعاء فإن اليهودية ليست ديناً وحسب، وإنما دين وقومية في ذات الوقت.
أما المبرر الأساسي في ظهور الصهيونية ومشروعها، فيَتمثّل بتنامي الممارسات "اللاسامية" بحق اليهود، وبروز "المسألة اليهودية" التي تقتضي إيجاد حلٍ عاجلٍ لها.
والحل الأمثل بالنسبة لها، العمل على إعادة اليهود إلى أرض أجدادهم، والسماح لهم بتجسيد دولتهم أسوةً بباقي الشعوب.
تنطوي السردية الصهيونية على عددٍ من الإشكاليات والتناقضات، أولها أن الممارسات "اللاسامية" التي أفضت إلى بروز المسألة اليهودية، لم تكن ظاهرة تستهدف اليهود في كافة بقاع العالم، ولا حتى في عموم القارة الأوروبية، وإنما اقتصرت على اليهود في شرق أوروبا وروسيا، وذلك لأسبابٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ وتاريخية في الأساس. فلم تظهر أيةِ مسألة يهودية في الشرق، إذ أن اليهود كانوا جزءاً من النسيج العرقي والقومي والثقافي والاجتماعي في بلدانهم. أما اليهود في غرب أوروبا والولايات المتحدة، فقد كانوا مندمجين في مجتمعاتهم، ويتمتعون بكامل حقوق المواطنة في بلدانهم. إذن فالمسألة اليهودية كانت خاصة بيهود شرق أوروبا وروسيا.
وثانيها اشكالية مقولتي (الشعب اليهودي) و(القومية اليهودية) وما تنطوي عليهما هاتين المقولتين من تناقضات ومزاعم صارخة، حيث تنتمي الجماعات اليهودية إلى أعراق وقوميات وأثنيات مختلفة، مما يقوض هاتين المقولتين الأساس، ويعيد اليهودية إلى تعريفها الحقيقي، بوصفها دينٌ وحسب.
وثالثها اشكالية اليهودية ذاتها، بوصفها ديانة، تنقسم إلى عدة تيارات، مختلفة في قضايا جوهورية ( الأرثذوكسية، المحافظة، الإصلاحية، الصهيونية الدينية) وهو ما يعني تعدد المرجعيات الدينية، والاختلاف فيما بينها في تعريف من هو اليهودي.
وهذه التناقضات القائمة بين التيارات اليهودية، لا يمكن حسمها بسهولة، وتحمل في أعماقها إمكانية التصادم، وتفاقم أزمة اليهودية بصورةٍ عامة.
ورابعها التناقض بين الصهيونية كحركة وأيديولوجيا سياسية وعلمانية، لها أدواتها وأهدافها وخطابها وتصوراتها وحقلها، المختلفة كلياً عن اليهودية، والمتصادمة بالضرورة معها، منذ ظهور الصهيونية، ومحاولة إلباس اليهودية حلتها القومية، وإرغامها على التعاطي مع المشروع الصهيوني العلماني، والتنازل عن أهم أساسيين في اليهودية: المنفى وانتظار المسيح. وبعد إقامة الدولة أرغمت الصهيونية اليهودية، على القبول بالقواعد التي حددتها للدولة على صعيد السياسة والهوية والمجتمع والثقافة، مع الإبقاء على هامش بسيط، للتحرك في إطاره في هذه المجالات. فالصهيونية بطبيعتها معادية لليهودية، واليهودية بمعتقداتها ستظل ترفض أطروحات الصهيونية ودولتها العلمانية.
هذا وتشهد السنوات الأخيرة تزايداً كبيراً في أعداد ونسبة اليهود المتدينين من مختلف التيارات (الحريديم) وهو ما يؤرق الدولة الصهيونية العلمانية ومؤسساتها، وينذر بانفجار المزيد من الأزمات التي من شأنها أن تلحق ضرراً فادحاً في هوية الدولة، وتُشكّل خطراً على مستقبلها. ولا توجد حتى الآن أيةِ مؤشرات، على تراجع حدة التناقض بين الصهيونية واليهودية، حيث تُمثل أزمة الانتخابات في السنوات الأخيرة، احدى أوجه الأزمة المتأصلة، بين الهوية العلمانية للدولة وأحزابها، وبين جمهور المتدينين وأحزابهم.
ثانياً/ اشكالية الطبيعة الصهيونية:
1. التوسعية:
يقوم أي مشروع استعماري استيطاني، على ركيزة التوسع في الجغرافيا، حيث نجح المشروع الصهيوني بالتوسع في العقود الأولى ووصل إلى ذرورة توسعه في الجغرافيا بعد حرب العام 1967، ليعاود الانكفاء والتقلص، بسبب المقاومة العنيدة والمسلحة (الانسحاب من سيناء سنة 78، الاندحار عن جنوب لبنان سنة2000، وعن قطاع غزة سنة 2005) ولا يزال الصراع محتدماً لطرده من مناطق أخرى كالضفة الغربية والجولان.
وبمقدورنا القول، أن المشروع الصهيوني، لم يعد بميسوره السيطرة على أراضٍ عربيةٍ جديدة والاستيطان فيها، بفعل عوامل متعددة، أبرزها المقاومة، ويعاني حالياً من الاختناق، بسبب وضع الحد لفهمه التوسعي. لكن هذه الحقيقة لا تعني البتة عدم نجاحه، في التغلغل والتوسع في مجالات أخرى، كالهيمنة العسكرية والأمنية على المنطقة، وإرغام بعض دولها على التعاطي معه، وتوقيع اتفاقيات تسمح له بالهيمنة الاقتصادية والأمنية والعسكرية على أجزاء شاسعة من المنطقة.
2. الهجرة:
تُشكّل الهجرة شريان الحياة لأيةٍ تجربةٍ استيطانية، وقد نجح المشروع الصهيوني، في إرغام أو تشجيع مئات الألوف من أبناء الديانة اليهودية على الهجرة إلى "اسرائيل" طوال العقود الماضية. بيد أن الإشكالية التي تواجه المشروع الصهيوني تَتمثّل في نضوب خزانات المهاجرين، وإحجام اليهود المندمجين في بلدانهم، لا سيما في أوروبا الغربية والولايات المتحدة، التي تقدر أعدادهم بأكثر من ستة ملايين، عن الهجرة إلى "اسرائيل"، والإقامة فيها. وتشير مصادر الوكالة اليهودية أن 90% من أبناء الديانة اليهودية يعيشون في دول مستوى المعيشة فيها أعلى من "اسرائيل"، وتراجع اهتمام يهود الخارج "بإسرائيل".
كما وتشير بعض الاحصائيات الرسمية وغير الرسمية، بأن عدد اليهود من حملة الجنسية "الاسرائيلية"، ممن هاجروا أو يقيمون خارج "اسرائيل" بشكلٍ دائم أو مؤقت، يُقدر بحوالي المليون.
وفي ضوء جفاف مصادر الهجرة، سعت الدولة العبرية إلى تهجير يهود اليمن وأثيوبيا، وبلغت الهستيريا الصهيونية ذروتها في البحث عن اليهودي الأخير في كابول والعراق وسوريا، بل وعمدت إلى تهويد بعض هنود البيرو وجلبهم واسكانهم في مستوطنات الضفة الغربية.
وفي ضوء الحرب الروسية -الاوكرانية، انفتحت شهية الصهاينة لتهجير اليهود في كلا البلدين المتحاربين، حيث تقدر أعدادهم في أوكرانيا بحوالي 200 ألفاً، وفي روسيا بحوالي 150 ألفاً، ولا يتحمس اليهود في كلا البلدين للهجرة إلى "اسرائيل".
ومن الاشكاليات التي لا تحفز اليهود على الهجرة، هو التشكيك بيهودية آلاف منهم، كما حدث مع يهود روسيا ويهود أثيوبيا، إلى جانب المخاطر الأمنية في ظل احتدام الصراع بين الدولة "العبرية" والفلسطينيين والشعوب العربية. ومن المفارقات أن تَتحوّل "الدولة اليهودية" إلى المكان الأقل جذباً ليهود العالم بعد أن صُممت لتكون ملاذاً آمناً ليهود العالم.
إن جفاف خزانات الهجرة، وإحجام الملايين من اليهود والمندمجين في بلدانهم عن الهجرة إلى "اسرائيل"، ينطوي على أزمة حقيقية تواجه المشروع الصهيوني، في ظل تزايد أعداد الفلسطينيين على الأرض.
3. الطبيعة العدوانية:
تكمن الطبيعة العدوانية في صلب المشروع الصهيوني، بوصفه مشروعاً استعمارياً استيطانياً توسعياً، وهو ما يحول دون إمكانية استقراره وإقامته لعلاقات سلمية دائمة وحقيقية مع دول الجوار، ويبقي "اسرائيل" تعيش في جو من الهواجس الأمنية المزمنة، بسبب حالة الصراع القائمة، التي ستظل تعزز الحروب والثورات وشتى أشكال المقاومة ضد هذا المشروع.
ومن اللافت للانتباه، أن "اسرائيل" تبدي قلقها وانزعاجها من أي تغيرٍ إيجابي في دول المنطقة، كإحراز بعض الدول العربية عددٍ من المكاسب الاقتصادية أو التَحولّات الديمقراطية، كما جرى في أعقاب الثورات العربية ( تونس ومصر تحديداً) أو حتى إن تمكن فريق كرة قدمٍ عربي من الفوز على فريقٍ غير عربي، فإن "اسرائيل" لا تستطيع إخفاء انزعاجها، وذلك بحكم طبيعتها العدوانية، كما ونجدها تفضل إقامة علاقات قوية مع الدول والأنظمة الاستبدادية والرجعية وحتى الفاشية، على العلاقات مع دول تتمتع بمواصفات ديمقراطية حقيقية أو أنظمة اشتراكية وتقدمية.
إن طبيعة "اسرائيل" العدوانية، التي تسببت بعشرات الحروب والمذابح وعمليات التهجير العسكرية لملايين السكان في المنطقة، وتعذيتها للصراعات العرقية والطائفية والمذهبية، تبقيها في مرمى النيرات الدائم، وتمنعها من إحراز أي تقدم في عملية السلام مع شعوب المنطقة، وليس بوسعها التخلص من طبيعتها العدوانية إلا بسقوطها، واندحار أيديولوجيتها العنصرية والعدوانية.
ثالثاً/ الإشكالية الوجودية:
1) الوجود الفلسطيني - هاجس الآخر:
يُمثّل الوجود الفلسطيني على الأرض، ومقاومته الشرسة للمشروع الصهيوني، أحد الهواجس المزمنة "لاسرائيل". ولعل أكبر إخفاق يعتري التجربة الاستعمارية الصهيونية يَتمثّل في فشلها بإبادة الشعب الفلسطيني كما جرى في تجارب استعمارية مماثلة ( القارة الشمالية الأمريكية، استراليا، نيوزليندا) ولا بتهجيره بصورةٍ كاملة عن أرضه على غرار ما حدث عام 1948. وتعتبر السيناريو الذي آلت إليه التجربة الاستعمارية في جنوب أفريقيا أحد الكوابيس المفزعة، إن تحقق ذات يومٍ في فلسطين مما يسمح بتقويض التجربة الاستعمارية الصهيونية.
وفي المحصلة، ترى "اسرائيل" بالتزايد السكاني الفلسطيني خطراً وجودياً ( القنبلة الديمغرافية) وتصاعدت وتيرة التحذير من هذا الخطر في السنوات الأخيرة، مما قد يدفعها لانتهاج سياسات هستيرية بحق الفلسطينيين، شن حروب تدميرية على القطاع، وتصعيد وتيرة القتل في الضفة، ترانسفير لبعض التجمعات السكانية، سياسات اقتصادية بهدف تضييق الخناق ودفع مجموعات كبيرة للهجرة إلى الخارج، أو عملية تطهير عرقي كبيرة على غرار ما وقع عام 1948.
2) دولة إقليمية مركزية:
تنظر "اسرائيل" إلى نفسها، على أنها القوة الوحيدة في المنطقة، وستسعى بكل قواها لمنع أية دولة من امتلاك أيةِ قوة عسكرية، من شأنها أن تخلق توازناً مع القوة العسكرية "الاسرائيلية". ولن تسمح "اسرائيل" لأيةِ دول من امتلاك السلاح النووي الذي ترى فيه حكراً عليها وحدها لضمان هيمنتها وتأمين وجودها. لقد كانت مصر سابقاً تُمثّل لها خطراً وجودياً عليها، وكذلك كانت سوريا والعراق، قبل أن تجري عملية اغراقهما بالحروب الأهلية واضعافهما إلى أبعد حد. أما اليوم فتجد "اسرائيل" بإيران الدولة الوحيدة التي تُمثّل خطراً وجودياً عليها، لذا ستسعى بكل قواها لتدمير القوة الإيرانية المتنامية، ومنعها على الأقل من امتلاك السلاح النووي. وعموماً ترى "اسرائيل" بوجود دولة مركزية قوية في المنطقة خطراً وجودياً عليها، ويحد من قدرتها على الهيمنة على المنطقة.
3) التحالف مع دولةٍ عظمى:
يُمثّل تحالف "اسرائيل" مع الدولة العظمى في العالم، حجر الزاوية في المشروع الصهيوني، وترى فيه استراتيجيتها العليا. فقد تحالفت في السابق مع بريطانيا، بوصفها القوة الأعظم في العالم، لكنها وبعد انحسار القوة البريطانية بعد الحرب العالمية الثانية، وبروز الولايات المتحدة كقوةٍ عظمى عالمية، نقلت تحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة غير أن ما يثير فزع "اسرائيل" وقلقها الوجودي، هو ارهاصات انحسار القوة الأمريكية، حيث أبدت قلقها وانزعاجها من انسحابات الولايات المتحدة من العراق وأفغانستان ونيتها الانسحاب من سوريا، علاوةً على قلقها من تنامي القوتين الروسية والصينية، ومزاحمتهما للقوة الأمريكية، التي أظهرت ضعفاً أمام روسيا في الحرب الدائرة بينها وبين أوكرانيا، وأمام إصرار الصين على استعادة سيادتها على تايوان.
ولعل أبرز ما يقلق "اسرائيل" في الآونة الأخيرة، هو التَحولّات في الرأي العام الأمريكي في غير صالحها، وهو ما يمكن أن ينعكس على مواقف وسياسات الولايات المتحدة تجاهها، ويؤدي في نهاية المطاف إلى فقدانها حليفها الأقوى في العالم.
ثمة اشكاليات وأزمات أخرى تواجه المشروع الصهيوني، وتعيق من تقدمه، وتكشف عن أزماته البنيوية الكامنة. ولعل أبرز هذه الاشكاليات، تَتمثّل في أزمة الهوية المتفاقمة في "اسرائيل" في ضوء التعريف الغريب لليهودية بوصفها دين وقومية في ذات الوقت، وافتراض التطابق بين الأمة والدين، الأمر الذي انطوى على إخفاق في تجسيد واثبات " القومية اليهودية"، واتضاح خرافة الأصل والعرق الواحد، حيث انهار ما يُعرف ببوتقة الصهر لصالح التعددية الثقافية، وكذلك في ضوء الاخفاق في تعريف من هو اليهودي. حيث كشف انهيار بوتقة الصهر، عن جماعات يهودية متنافرة، متعددة في خصائصها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والتاريخية والقومية، وتملك امكانية التنافر وليس الانصهار. كما كشف إصرار "اسرائيل" على تعريف ذاتها بأنها دولة يهودية وديمقراطية، عن التناقض البنيوي بين المركبين، وما يجري من ممارسات على الأرض هو تكريس ليهودية الدولة على حساب ديمقراطيتها، الأمر الذي يهدد بأزمةٍ غير مسبوقة في ضوء احتدام التناقض بين المركبين، إلى جانب التناقض ما بين مكونها "الديمقراطي" وما بين طبيعة ممارساتها الكولنيالية. أما الاشكالية الأخرى، فتتمثل بالانقسام الحاد بين مكونات المجتمع الصهيوني، وتنطوي على صراعات تنذر بتصدعات عميقة: (الاشكناز والشرقييين، العلمانيين والدينيين، اليهود والعرب، الأغنياء والفقراء، اليسار واليمين، الديمقراطيين والفاشيين). حيث تكشف أزمة الانتخابات في السنوات الأخيرة عن تفاقم الأزمة بين هذه المكونات، في صراعها على إدارة الدولة، وتوزيع الثروة القومية، وهوية الدولة، حيث أظهرت هذه الأزمات الوجه المتعدد لهذه الدولة: (دينية وعلمانية في ذات الوقت، متخلفة وحديثة، ديمقراية وعنصرية، وغربية تقيم في الشرق)، ومن ناحيةٍ ثانية تعيش "اسرائيل" أزمة السلام، وفي ضوء تبنيها لسلاح القوة والردع، بحكم طبيعتها الكولنيالية، مما يعني استعدادها الدائم للحرب والمواجهة، رغم حديثها عن السلام وتبدي رغبتها في إحرازه، وهو ما لن يتحقق إطلاقاً، بسبب طبيعتها الاستعمارية العدوانية، وستظل تواجه اشكالية المقاومة الفلسطينية والعربية إلى أمدٍ طويل.
ولعل من المفيد تسجيل إحدى المفارقات الهامة، التي أشار لها "ابراهام بورغ" وخلاصة تلك المفارقة: " أن اليهودي في الخارج يعيش حياةٍ آمنة بعد تحرره من الغيتو، بينما لا يجد اليهود الحياة الآمنة في "اسرائيل"، من بعد أن نقل الصهاينية الغيتو معهم، وحَولّوا "اسرائيل" إلى غيتو كبير، ومعزول، تتهدده المخاطر الأمنية على الدوام".

