Menu

البحث عن السلطة: في التحولات الهادئة للأرثوذكسي المتشدد والارتباط باليمين المتطرف

بوابة الهدف - أحمد مصطفى جابر

تعكس أرقام التصويت الأرثوذكسية المتطرفة التي تم منحها لحزب "عوتسما يهوديت" بقيادة المتطرف ايتمار بن غفير، العمليات والتغييرات التي تحدث في أعماق المجتمع الأرثوذكسي المتطرف في الكيان الصهيوني، والتي تشمل مزيجا من صعود القومية، والغضب من القيادة التقليدية في أعقاب كارثة ميرون وطريقة إدارة أزمة كورونا، والصدمة من التحرش الجنسي الحاخامي الذي تم الكشف عنه مؤخرا في فضيحة هزت المجتمع الحريدي والصهيوني بشكل عام، وهذا كله على ما تشير الوقائع يدفع المزيد من الأرثوذكس المتشددين للبحث عن بديل سياسي للقيادة القديمة. حيث أن هؤلاء يعتبرون أن لديهم مشكلة-قضية مع النظام العام في الكيان الصهيوني، والحكم العلماني الممتد لأكثر من سبعين عاما كما يعتقدون، وبالتالي هذه القضية تحتاج لمن يقودها وهم يرون أن بن غفير هو الشخص الملائم الذي يأتي من الهامش، بالمعنى الحاخامي، فهو ليس من داخل البنية التقليدية للقادة التقليديين لهذا المجتمع. في هذا المقال، نتتبع اعتمادا على مصادر مختلفة وشهادات منشورة في الإعلام الصهيوني، تحولات الصهيونية الأرثوذكسية والتغير الصامت الذي يمر به هذا الشارع.

أحد أعضاء التيار، يدعى تسفي، وهو في الثلاثينيات من عمره، خريج مدرسة يشيفا الدينية في الخليل، ويعيش في القدس ويعمل في استيراد وتصدير المواد الغذائية، صرح إنه سيصوت لعوتسما يهوديت، وكان سابقا قد صوت لديغل هاتوراة، وقرر الآن منح صوته لبن غفير وهو يشرح أسبابه لهذا التحول وهي أسباب يمكن تعميمها لتعبر عن بعض التحولات التي يمر بها المجتمع الأرثوذكسي المتطرف في الكيان، والتي تنعكس أيضًا في أنماط التصويت في الانتخابات.

في ظل ما يسمى "حكومة يسارية" يقودها يائير لابيد –بغض النظر عن متانة هذا التصنيف فعليا ومدى يسارية هذه الحكومة- إلى أن اتباع التيار المتطرف اعتبروا أن شيئا لم يتغير في حالتهم، وقد منحتهم هذه الحكومة التي يقف في وزارة المالية فيها أحد خصومهم (|أفيغدور ليبرمان) ميزانيا أقل، رغم أنه في هذه الحكومة أيضا لم يتم إغلاق أي مدرسة دينية ولم يتم تجنيد الشبان الأرثوذكس أو خدش حرمة السبت، ولكن رغم تضرر قطاعات من تقليص الميزانيات إلا أن هؤلاء يعتبرون أن ثمة أِياء أهم من الميزانيا في الحياة. أهم هذه الأمور هو الأمن الشخصي الذ أصبح مفتقدا بشدة في رأيهم في الأماكن التي تشكل مجتمعات الأرثوذكس المتشددين في القدس وحتى في الجنوب وجنوب تل أبيب.

يعتقد هؤلاء أن بن غفير ومجموعته لايمثلون حلا سحريا، ولكنهم يمثلون إرادة العمل لحل معضلة الأمن الشخصي في حال أصبح بن غفير وزيرا للأمن الداخلي، وسموتريتش وزيرا للحرب، ويعتقدون أنه حان الوقت لوضع قضايا الأرثوذكس المتشددين على جدول أعمال الكنيست.

من جهة أخرى، يعتبر هؤلاء أن بنيامين نتنياهو الذي كان رئيسا للوزراء لمدة 15 سنة، لم يتطرق حقًا إلى نظام تطبيق القانون. كان لديه فقط حديث وأعذار. بمجرد أن وقف كحلون في الطريق، وبمجرد أن وجد جدعون ساعر، فإن الأشخاص الوحيدين الذين سيأخذون هذا الأمر على محمل الجد هم بن جابر وسموتريتش.

اعتبر تسفي المذكور أعلاه، أن الهجوم الفدائي في إلعاد في أيار الماضي لم يؤثر في قراره لجهة التصويت لعوتسميت يهودا، معتبرا أن المسألة هي نفسها في إلعاد أو تل أبيب أو المستوطنات وإنالتصويت لبن غفير مرتبط بتحول في الرأي لمغادرة يهودية هاتوراة إلى قريب أيدلوجي آخر.

تقلص نفوذ الحاخامات:

كان يمكن لظاهرة تشتت الأصوات أن تزداد بالنسبة ليهوديت هاتوراة لو تم انقسام القائمة بين أغودات إسرائيل وديغل هاتوراة، ولكن مساعي نتنياهو لمنع الإنقسام أنقذت الوضع، وعموما فإن التصويت في هذا المجتمع كان يتم كلاسيكيا بناء على توجيه الحاخامات، رغم أنه في الانتخابات الأخيرة تبين أنه لم يتبم اتباع هؤلاء آليا، وبالتالي هناك جزء من المجتمع سيواصل اتباع آراء الحاخامات والجزء الآخر سيتوقف ويبحث عن خيارات أخرى يبدو أنها تمثلت بشكل جلي بعوتسميت يهوديت، ويبدو أحد الأسباب يأس الجيل الجديد من المصوتين من حالة الركود التي تعيشها القوائم التي يفعلها الحاخامات حيث إن الزيادة الديمغرافية الكبيرة في عدد اليهود الأرثوذكس المتشددين لم تعكس نفسها في تمثيلهم في الكنيست.

هذا كله يضع علامات استفهام على مكانة وقدرة الحاخامات الذين لم يتمكنوا من مجاراة التغيرات على مايبدو وأصبحوا بالتالي أقل نفوذا، ولعل هذا يعود في جانب منه إلى غياب الحاخامات المركزيين ففي السابق كان لدى السفارديم عوفاديا يوسف، ولدى الأشكناز الحاخام شاخ، واليوم لدى كل شخص حاخامه الخاص، وهو أ]ضا لايكتفي بالحاخام بل يتواصل مع أشخاص آخرين حيث المجتمع يتخلى تدريجيا عن إنغلاقه بفضل وسائل التواصل الاجتماعي، والفتاوى الالكترونية، على الإنترنت، وتأثير وسائل الإعلام.

فبعيدا عن الطبقة الإكليروسية إن صح العبير، هناك الأعضاء العاديون في المجتمع الأرثوذكسي وهؤلاء قليلو الالتزام بتحريم الهواتف الذكية، ويحمل كل حريدي عادي تقريبا هاتفا ذكيا، يعتبر مصدرا لوسائل الإعلام المتغيرة والمتناقضة، وهذا يعكس أن الحريدي العادي، لاينحصر اهتمامه فقط بالميزانية للمدرسة الدينية ووضع اليهودية في الدولة ومدى يهودية هذه الدولة، بل أيضا يهتم بأسعار المنازل، والغلاء في سلة المعيشة، والوضع الأمني.

يبدو أيضا أن هناك انفصالا بين الوعي الأشكنازي للمجحتمع الحريدي وواقع هذا المجتمع فعليا الذي يتناقض مع ما تصوره وسائل الإعلام الأشكنازية، الي تواصل الدعوة لضم الحريديين إلى سوق العمل، وهذا ما يعتبره الحريديون مزحة سخيفة تعكس إما الجهل وأو التضليل حيث أنهم موجودين فعلا في سوق العمل منذ فترة طويلة، ولكن مع حرصهم على اتباع أسلوب حياة أرثوذكسي متشدد. والأكثر حداثة وليبرالية منهم سيصوتون لليكود وغانتس (وهو امر غريب ولكن غانتس بالنسبة للمجتمع الصهيوني يجيب على سؤال الأمن الشخصي بما لايقل عن نتنياهو) )، وللشباب المتطرفين (بنغفير وسموتريتش) وهذا يعتبر جوهر التطرف.

الارتباط باليمين يترجم أيضًا إلى التصويت

سواء في اتجاه بن غفير، أو باتجاه نتنياهو أو غانتس، لا شك في أن التغييرات التي يمر بها المجتمع الأرثوذكسي المتطرف تنعكس أيضًا في أنماط التصويت في الانتخابات. أثبتت النتائج الانتخابية أن نسبة المتدينين الذين صوتوا للأحزاب غير الأرثوذكسية المتطرفة بحكم التعريف، أي أنهم لم يختاروا يهودا هتوراة أو شاس، ازدادت في هذه الانتخابات، وكان المستفيد الأكبر منهم الصهيونية الدينية بقيادة سموتريتز. وبن غفير.

هذا الارتباط، بين الدين واليمين السياسي المتطرف، ليس جديدا في الحياة السياسية الصهيونية، بل يحدث بشكل تدريجي منذ بضع سنوات،ولكنه تسارع في الأعوام الأخيرة بشكل حاد، و يعتقد الأكاديميون أن له تأثيرات أخرى إلى جانب حركة التصويت والتمثيل في الكنيست، إذ يقول الباحث نيري هورويتز، رئيس شركة سياسة أغورا ، التي تقدم المشورة لقوات الأمن: "نرى هذه العملية ، على سبيل المثال ، في شباب التلال" إذ" لم يعد "الشباب الدموي" فقط ، الذين نشأوا في المستوطنات في المناطق، بل هم أيضًا من أولئك الذين تركوا التعليم الأرثوذكسي المتطرف. في الشهر الماضي فقط ، ألقى الشاباك القبض على حفيد الحاخامين كانيفسكي وشتينمان، اللذي أقام مختبرا في غرفته في مدرسة دينية في موديعين عيليت، بزعم أنه كان مخصصًا لخمسة فتية أرثوذكس متشددين من جماعة علمات تدفيع الثمن" وهذا مثال مهم لهذه الظاهرة والربط الذي تحدثنا عنه أعلاه بين التطرف السياسي الأيدلوجي الديني.

من جانبه يقول البروفيسور هيليل كوهين: "لطالما كان بعض المتدينين مفتونين بالقوة اليهودية" و"وأنا لا أتحدث على وجه التحديد عن أولئك الذين ينضمون إلى الجيش. الصهيونية تشع قوة هائلة: جيش وطائرات ودبابات، كل صبي يبلغ من العمر 18 عامًا يحمل سلاحًا. ويقول الأرثوذكس المتطرفون، انتظروا، لكننا هم اليهود الحقيقيون، ما هو موقفنا من هذا؟ الناس ينجذبون إلى السلطة ويريدون أن يكونوا جزءًا منها"، ويرى عالم الاجتماع د. آري إنغلبيرغ، المحاضر في برنامج الدراسات الدينية في جامعة تل أبيب الذي درس منظمة لاهفا، أن هذه الروابط تجذب الطلاب وقد كان الحريديون يأتون إلى الجلسات للنقاش وكان بعض شبابهم فاعلين في أعمال الشغب في أيار 2021.

البروفيسور هيليل كوهين من قسم الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية في الجامعة العبرية ، مؤلف كتاب "قصة حب الكارهين" الذي يصف العلاقة بين اليهود والعرب "من بداية الصهيونية إلى أحداث أيار" ، يرى أن التقارب بين الأرثوذكس المتطرفين واليمين المتطرف ليس مفاجئًا "مفهوم التفوق اليهودي ليس غريبًا على الأرثوذكسية واليهودية التقليدية بشكل عام" ، كما قال لصحيفة The Guardians الغارديان " حتى الآن، لم يكن لهذه المشاعر تعبير سياسي بسبب الموقف الذي يقول: لا ينبغي أن نشارك في التاريخ. حتى مجيء المسيح ، سنتعامل فقط مع البقاء ولن نتحدى الأمم، أي السكان العرب. عندما يأتي المسيح، سنقاتل بالفعل ونفعل ما هو ضروري".

ولكن لماذا لم يعودوا ينتظرون المسيح المخلص؟

يرى المحللون للوضع الأرثوذكس أن السبب يعود إلى تناقص سيطرة الحاخامات وتشتت المركزية الحاخامية ودخول وسائل تأثير وسيطرة جديدة، حي ثأن الخوف من "تمرد الأمم" وبالتالي انتهاك أحد بنود القسم الذي أعطاه "شعب إسرائيل" لله قبل الذهاب إلى المنفى، مهمًا ، لأن" يد إسرائيل رفعت"، و " لم نعد أقلية في أرض إسرائيل" و "نحن الحاكم"، وهذا الشعور بالقوة يولد مشاعر التفوق والعدوان، أضف إلى ذلك أن بعض الحريديين كانوا دائمًا مفتونين بالقوة اليهودية، وهنا ليس المقصود فقط أولئك الذين ينضمون إلى الجيش. حيث تشع الصهيونية بقوة هائلةكما ذكر أعلاه، وبالالي فإن انجذاب الناس إلى السلطة يجعلهم يريدون ان يصبحوا جزءا من مالكيها، لايكفي الانتماء إليها بل السيطرة عليها، واليوم، يبرز النمو الديموغرافي هذه الظاهرة ، لأنه حتى لو كانت نسبة مئوية قليلة من هؤلاء السكان، فإنها تبرز من الناحية العددية .