Menu

ثورات الفوضى الخلاقة والحلم التوراتي

سالم المرزوقي

من البسيط إلى المركب سنبدأ تتبع خيط ثورات "الربيع" العربي، من تونس ومن حادثة معزولة لانتحار شاب حرقا وصولا إلى هول الحروب والدمار والخراب في سوريا و ليبيا وكل المنطقة، وقبل هذا وذاك نستهل هذا المقال ببعض التساؤلات لعلنا نفلح في توجيه عقل القارئ نحو العقلانية الحيادية والنأي به عن تأثير العاطفة الأيديولوجية وتضليل وسائل الإعلام التي كانت بطل الظل في جعل المشروع الصهيوأطلسي واقعا على الأرض، بعد أن كان حلما في الصحف التوراتية الصفراء ومشروعا عسكريا سياسيا في أدراج المخابرات الأمريكية.

أولا:

هل كان نظام المرحوم بن علي معاديا للغرب والصهيونية حتى يعاقب لحد الإقصاء والتشريد والتدمير الذاتي والمعنوي لكل محيطه وحزبه وأنصاره وحتى تخريب بنية نظامه المالية والاقتصادية التي كانت تابعه وتدير الدولة في الفلك الرأسمالي الغربي؟  

ثانيا:

هل كان النظام التونسي بقيادة بن علي والتجمع الدستوري الحاكم يمثلان خطرا على المصالح الغربية في تونس كما الأنظمة الشيوعية المتطرفة مثلا؟ وهل كان من مصلحة الغرب الإطاحة بنظام مستقر لا يتنمّر على منظومته الرأسمالي الغربية ولا يقايض ولا يهدد بالتحول إلى المعسكر الشرقي "الاشتراكي" كما فعلت عديد الأنظمة في العالم الثالث؟    

ثالثا:

هل كان الإخوان وتوابعهم الذين جاء بهم الغرب للحكم أكثر شعبية وانسجاما مع ثقافة الشعب التونسي ونسيجه المجتمعي وأقدر على السيطرة وضمان المصالح الغربية وتوفير المناخ الاستثماري لرؤوس الأموال والشركات الأجنبية أكثر من نظام بن علي ذو الحرفية الأمنية والخبرة في إدارة الدولة؟    

رابعا:

هل أن انتفاضة 17 ديسمبر التي كانت عفوية ومعزولة وما رافقها من تصعيد دموي لا أحد يعرف مصدره إلى اليوم (نقصد القناصة الأجانب مثلا) والحملة الإعلامية وما تلاها من لصوصيه وتخريب بالتزامن مع ذاك الحراك الشعبي العفوي، هل كان كل هذا كافيا ليغادر بن علي السلطة ويعلن الاستسلام بتلك السهولة؟

أسئلة نعتقد ألاّ عاقل سيستخف بها ويجيب عنها بعاطفة ومزاجية بعد ما حصل من خراب ودمار وحروب ودماء واغتيالات ويختزلها في الصدف والعلل الواهية التي جمعت المتناقضات بلا مبرر عقلاني ومقنع، فدمجت الأطياف والشرائح والطبقات المتناقضة بعضها ببعض، بحثا عن إجماع وهمي عن الصدام مع دكتاتورية الرئيس بن علي وإسقاطها، فقط لإرضاء الشبق الديمقراطي ليصطف الثوري مع اللص والوطني مع الخائن والعنيف مع المسالم والرأسمالي مع العامل والفقير المهمش مع المترف وأن يقف الأنغلوساكسوني المحترف في إبادة الشعوب واستعمارها والهيمنة على مقدراتها، مصفقا لعظمة الشعب التونسي وثوريته من أجل الديمقراطية والحرية (أنظر وقوف كل أعضاء الكونغرس الأمريكي، تصفيقا وتهليلا للثورة التونسية بعد خروج الرئيس بن علي).    

هل يعقل هذا؟

عندما نحاول الإجابة عن هذه الأسئلة بموضوعية وحيادية، نجد أن ثمة شيئا مّا غير سوي وغير منطقي، فلا الغرب الأطلسي المحترف أصبح أحمقا لهذا الحد للتضحية بأنظمة كانت دوما في صفه ليخرب دولها ويسقط أنظمتها ويقحمها في الفوضى وعدم الاستقرار المحفوف بمخاطر الخروج عن سيطرته، ولا الحاكم الفعلي في الداخل التونسي (نقصد الحزب الحاكم ومؤسسات الدولة من أمن وجيش وقضاء وإدارة) له مبرر لتخاذله في الدفاع عن النظام (طبعا بعضه كان مضمرا الخيانة)، ولا حتى المعارض الوطني الذي ينادي بالتغيير كان يدرك خطورة انهيار الدولة وسيادة الفوضى واللّاقانون بصعود الإخوان وتوابعهم من المدربين على الفوضى في دوائر المخابرات الأطلسية.     

ربما كان ثمة مبرر لإحداث التغيير الفوضوي في ليبيا وهو الطمع في الاستئثار بالنفط المؤمم من سلطة العقيد القذافي، وربما ثمة مبرر لكسر شوكة الممانعة والمقاومة في سوريا الأسد، أما في تونس و مصر فلا نعتقد أن ثمة مصلحه موضوعيه للغرب في تقويض أنظمتهما وزجهما في المجهول الفوضوي.

إذن ما الداعي لإسقاط أنظمه مستقرة ومهادنه للغرب وليست شرسة ولا تدعي الثورية والتمرد؟  

هذا ما سنحاول الإجابة عنه لاحقا.

- الحلم الصهيوني ببناء إمبراطورية:

الحركة الصهيونية وقاعدتها المتقدمة (إسرائيل) وجدت ضالتها في تحالف عضوي مع الرأسمالية الليبرالية المتوحشة، تحالف موضوعي أملته ضرورات الاقتصادات والسياسات الاستعمارية منذ الحرب الكونية الثانية وظهور الاتحاد السوفياتي كقوة وازنه، وبداية ظهور حركات التحرر من الاستعمار المباشر (أنظر تصريح الرئيس الأمريكي جو بايدن عندما قال لو لم تكن هناك اسرائيل لصنعناها).    

إذن التحالف الصهيوأطلسي ووجود "دولة إسرائيل"، لم يكن حدثا عرضيا أو صدفة، بل كان ضرورة أملتها مصلحة الطرفين، فالغرب يريد "دولة إسرائيل"، الحربة في المنطقة والقاعدة المتقدمة والمسلحة بأشد الأسلحة، فتكا للانقضاض على كل تمرد أو خروج عن الطاعة، أما الحركة الصهيونية، فقد وجدت ضالتها في استغلال الحضانة والرعاية الغربية لبناء الحلم التوراتي من النيل إلى الفرات انطلاقا من دولة النواة إسرائيل.    

إن بناء كيان إسرائيل الأسطوري جعلها دولة هجينه غير متجانسة اجتماعيا وسياسيا وثقافيا، كما باقي الدول والشعوب والثقافات والديانات وأنماط العيش، وما يتخلل تحولاتها التاريخية من صعود وانكفاء وتطور وتخلف، إسرائيل دولة كيانية مركبة، توهم مجتمعها بأسطورة شعب لله المختار التوراتية وتتعمّد قوة وجبروت العسكرة الفاشية وتناور بسياسة المظلومية لابتزاز العالم. ولأن شعب لله المختار الهجين هذا أسطوري توراتي كياني غير واقعي بلا تاريخ وبلا ثقافة جامعة، وأصغر من أن يكوّن إمبراطورية شاسعة، تتطابق مع الحلم التوراتي من النيل إلى الفرات، فعليه ألّا يكتفي باستيطان فلسطين وتشريد شعبها، بل عليه أن يستغل الحاجة الأطلسية لوجوده في قلب المنطقة لتدمير كل محيطه دولا وشعوبا وثقافات، ليحكم المنطقة مستأسدا بدعم الغرب الذي صنعه واحتضنه حفاظا على مصالحه ودرء خطر تسلل خصومه من الشرق (المعسكر الاشتراكي) ومن الجنوب (حركات التحرر).  

حروب الجيل الخامس:     

منذ الهزيمة المدوية للجبروت الأطلسي في فيتنام أمام بندقية الفلاح الفيتنامي البسيطة انتبه خبراء الإمبريالية الغربية الاستعمارية لخطورة صعود حركات التحرر الوطني على نفوذها وهيمنتها، فهي ليست جيوشا منظمة مقابلة لجيوشهم المتقدمة والمتطورة بالتقنيات الحديثة ليسهل هزهما، والأخطر أن ثقافة التحرر الوطني ليست فوقية مسقطة، يسهل اقتلاعها بقوة السلاح والهيمنة، خاصة وأنها تستهلم قدراتها الفكرية والسياسية للتحرر من واقع مرارة العبودية والهيمنة والاستعمار وتستنير بروح الفكر الغربي نفسه وفلسفته التحررية، أي فلسفة الأنوار الديكاركتية والداروينية والماركسية وال لينين ية والغرامشية...، إذاً استنبط مهندسو الغرب الاستعماري فكرة بعث الحياة في الفكر القروسطي الأسطوري والديني الكامن في الباطن العقلي الجمعي لهذه الشعوب، بادعاء أنه أصالة وفخر انتماء لتوظيفه لفرملة اللحاق بالحضارة الإنسانية المتحررة والمتحضرة، أي إقناع العقل المجتمعي العام بالعودة بالتاريخ إلى الوراء، عوضا عن التقدم إلى الأمام لحل معضلة التخلف.   

السؤال من سيمكنه تفعيل هذه الخطة الخبيثة والرجعية بالعودة إلى الوراء وعداء التقدم والتحضر على أرض الواقع، غير الإخوان والوهابيين والمدارس الرجعية، من شيعة وشيع وقبلية وقبائل وقوم وقوميات وفاشية وصهيونية، والتي بإمكانها كلها ووحدها فرملة اللحاق بالحضارات الإنسانية واستيعاب فلسفات الغرب العلمية الحديثة؟

حروب الجيل الخامس هي الأداة الفعلية التي تعتمد التقنيات الحديثة وتوظيف العلم لتدمير ثقافة الشعوب الأصلية وتدمير اقتصاداتها التي كانت كافية لدرء جوعهم وتوفير حاجاتهم المعيشية حتى دون تطور تقني، وذلك عبر نشر الأوبئة المصنعة مخبريا، وتصنيع الأدوية والعقاقير لمواجهتها، لضمان الهيمنة ولمزيد السيطرة على حياتهم ومستقبلهم، ولحرف وتحييد أية امكانيه لحلول ذاتيه وتفاعل مع المحيط الطبيعي وقتل روح الاجتهاد لديها، لاستنباط طرق مواجهة القسوة البيئية التي تسبب فيها الغرب المجنون بتقنياته الربحية الأنانية، على حساب الشعوب وفقرها، وتدميرا وربما انقراضا للأرض ومن عليها، وذلك عبر زرع بذرة اليأس والاستسلام ثقافيا وسياسيا وإعلاميا بأن لا حل بدون الغرب "المتطور".

حرب الجيل الخامس هي حرب على الثقافة الإنسانية وفرملة لتطورها نحو سعادة البشر وسلمية نمط عيشهم وتعايشهم في أمن واستقرار. تلك هي إسرائيل النموذج الفعّال لتجسيد فكرة الصد ضد التقدمية والتحرر العادي والطبيعي للمجتمعات، من خلال حلول لمشاكلها، وذلك بتقويض أي استقرار على أرض الواقع عبر تهميش النخب، وتخريب التعليم، وتسكيح الثقافة، ودعم الفكر الرجعي، وإحياء التفكك سياسة باسم الديمقراطية، ونبذ العلم باسم الأصالة، ولذلك أسقطت أنظمة ودمرت دول وأججت حروب أهلية، لتفكيك الموحد ونشر الفوضى، ليسود الوهم الإمبراطوري التوراتي من جهة، والسيطرة الإمبريالية الغربية بلا حروب مباشره ولا استعمار معلن من طرف الطغمة المالية العالمية. تلك هي فلسفة الفوضى "الخلاقة"، لتجاوز صفحة الاستعمار المباشر أو الهيمنة المستترة، عبر الأنظمة العميلة، وفتح صفحه جديده لخداع الشعوب واختراقها تحتيا، عبر التبشير بديمقراطية الغرب المغشوشة والخداعة (أنظر التمويلات الهائلة من طرف الغرب لما يسمى بالمجتمع المدني والفيضان الحزبي والسياسي غير المبرر). 

طبعا لكل مشروع أدوات تنفيذه، وللأسف هذه المرة كان بعض اليسار الذي يدعي التقدمية والطليعية، الأكثر غباء إن لم نقل الأشنع خيانة للشعوب المضطهدة والتحرر الوطني من اليمين في تمرير المشروع الصهيوأطلسي.