Menu

إلى أين تتجه الحكومة الإسرائيلية الجديدة؟

د. أحمد فؤاد أنور

فشل يائير لابيد فى استثمار نجاحه الملموس، كرئيس وزراء مؤقت، بل وفشل أيضا في ترجمة تقدمه الكبير على مستوى حزبه في الانتخابات الخامسة في إسرائيل.. حيث حصد المزيد من الأصوات، لكن على حساب أعضاء معسكر التغيير! خاصة من حزبي العمل وميرتس اليساريين، وقبل ذلك لعب دورا سلبيا للغاية في إصرار حزب التجمع، والقائمة الموحدة على الانفصال عن القائمة العربية المشتركة، وخوض الانتخابات بثلاث قوائم عربية. مما أدى إلى صعود بنيامين نيتانياهو مرة أخرى، مستغلا إهدار أصوات حصل عليها التجمع، وميرتس لعدم اجتياز نسبة الحسم، وكذلك تدنى نتائج حزب العمل. فما هي السيناريوهات المتاحة أمام نيتانياهو في مرحلة تشكيل الحكومة الجديدة؟ وما هي التوجهات المتوقعة لتلك الحكومة؟ وهل المخاوف الفلسطينية والعربية من تحالفه مع اليميني المتشدد ايتمار بن جفير مشروعة؟

الاحتمال الأبرز هو تحالف نيتانياهو مع حزب الصهيونية الدينية بصفته ثالث الأحزاب من حيث الترتيب في تلك الانتخابات (بعد الليكود، ويش عاتيد) وهو ما سيعد ورطة حقيقية لنيتانياهو تضاف لفواتير، وهواجس، وكوابيس داخلية، وخارجية تطارده وليس العكس. نظرا لأن بن جفير من تلاميذ مائير كاهانا مؤسس حركة كاخ المحظورة والسابق استبعادها من الكنيست في 1988، وشعارها شبه الرسمي هو (الموت للعرب)! وخططهم للسلام تتمحور حول الترحيل الجماعي لفلسطينيي الـ48 وإرهاب المقدسيين وسكان المدن المشتركة! وهو ما قد يشعل نيران المواجهات الشاملة مع فلسطينيي الداخل، وأيضا الضفة وغزة. ويعرض في نفس الوقت مسيرة السلام والتعاون مع الدول العربية للخطر.

ويجدر بنا في هذا السياق أن نؤكد أن بن جفير لا يمكن استيعابه أو تخفيف حدة غلوه وجموحه؛ نظرا لأنه نجح بأصوات جمهور يرفع تلك الشعارات العنصرية والإرهابية ويطبقها يوميا على الأرض. ولن يقبل أن تقل وتيرة الاستيطان عن حد معين، ولن يسمح هذا الجمهور لقادته بتقييد عمليات تخريب ممتلكات الفلسطينيين، ومنعهم من ممارسة حياتهم بشكل طبيعي أو حتى الانخراط في حكومة تقدم ما تصفه تلك الجماعات المتطرفة ب(تنازلات) للسلطة الفلسطينية، وهو ما لا يحتاج بن جفير لضغوط لكي يتبناه، فالأمر الوحيد الذي منع بن جفير من قتل رئيس وزرائه. اسحق رابين ـ هو أن إيجال عامير سبقه وقتله! ويجب أن يوضع في الحسبان أن المجتمع الإسرائيلي ينزلق بسرعة تجاه اليمين، حيث أن هذا الحزب العنصري المرتكز على أفكار حركة كاخ الإرهابية صار له مؤيد من بين كل ثمانية ناخبين يهود، في مقابل مؤيد لنفس الأفكار من بين كل 100 ناخب يهودي عام 1984. وبالطبع في هذا المضمار لن يحصل على تأييد خمس عدد سكان إسرائيل من فلسطينيي الـ48، نظرا لأنهم الضحايا الحاليون والمستقبليون لهذا الحزب وأنصاره. والمرجح أن يشكل نيتانياهو حكومة مع بن جفير وبقية الأحزاب اليمينية بإجمالي مقاعد 65 تقريبا، ثم يشرع فى التفاوض مع بينى جانتس وزير الدفاع في حكومة يائير.. للانضمام للحكومة.

وفق تقديري لن يقدم جانتس على الانضواء تحت قيادة نيتانياهو، كسيناريو محتمل لإرضاء الولايات المتحدة وتهدئة مخاوف أطراف عربية وإقليمية، تسعى لحد أدنى من الاستقرار في المنطقة.. خاصة في فترة الأزمات الاقتصادية العالمية الطاحنة.

وفي المقابل سيجد جانتس صعوبة بالغة في الانضمام لائتلاف بقيادة نيتانياهو؛ نظرا لأنه خاض التجربة بالفعل من قبل وكان الرجل الثاني في الحكومة، لكن الحكومة لم تصمد كثيرا وانهارت، وانهارت معها شعبيته إلى حد بعيد؛ نظرا لصدمة الناخبين المؤيدين له بعد تحويل أصواتهم، دون إرادتهم من معسكر (لا لنيتانياهو)، وتقديم طوق النجاة للثعلب العجوز نيتانياهو. وسيكون أيضا من الصعب على جانتس الانضمام لنيتانياهو، نظرا لأن على جدول أعمال الحكومة المقبلة (تعديلات تشريعية عاجلة) تعفى نيتانياهو من الملاحقة القضائية، وتتيح له الإفلات من المحاكمة بتهمة الفساد وتحديدا خيانة الأمانة والحصول على رشى.

سيكون من العوائق الرئيسية أمام انضمام جانتس أن الأجندة التشريعية التي سيضطر نيتانياهو لتمريرها، تشمل قوانين منح اعتماد شهادات الأطعمة الحلال، وفقا للشريعة اليهودية، والمراهنات، والتجنيد، والتهويد (وهي الاصلاحات التي كانت قد أقرتها حكومة لابيد ـ جانتس)، وفى المقابل زيادة ميزانيات ومخصصات المدارس والمعاهد التلمودية إرضاءً للأحزاب الدينية.

إشكالية نيتانياهو الكبرى هي اضطراره للائتلاف مع خارجين على القانون الإسرائيلى نفسه.. ليتعانق الفساد مع الإرهاب بشكل يخصم من قدرة حلفاء إسرائيل الدوليين على الدفاع عنها... وهو ما يتقاطع مع أزمات أخرى ستعانيها منها أي حكومة إسرائيلية مقبلة تتمثل في تزايد غضب الدب الروسي من مواقف إسرائيل الداعمة لأوكرانيا.. الأمر الذي قد يستوجب من الجيش الأحمر عينا حمراء تجعل التنسيق في سوريا بين تل أبيب وموسكو في مهب الريح.. أو تطلق العنان لذئاب منفردة لمهاجمة العمق الإسرائيلي بصواريخ أو عمليات تسلل عبر الجولان.