على الرغم من أن إدارة بايدن لم تكن هي التي أنشأت اتفاقيات أبراهام التطبيعية، إلا أنها أثبتت استعدادها لاعتمادها - على أمل، مع هذا التأييد، في تهدئة الفزع الذي يشعر به الكثيرون في المنطقة من جوانب أخرى من سياستها. ومع ذلك، لم يفعل الرئيس بايدن الكثير، حتى الآن، للترويج للاتفاقيات وتوسيعها. علاوة على ذلك، فإن ضعف نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة والخوف من تنامي قوة إيران ربما أدى إلى زيادة تباطؤ العملية، وربما يثير الشكوك في البلدان التي لم تقرر بعد ما إذا كانت ستنضم إلى الاتفاقات أم لا. مئير بن شبات رئيس مكتب الأمن القومي في مكتب رئيس الوزراء الصهيوني سابقا المقرب من بنيامين نتنياهو وأحد المساهمين الاستخباريين في تطبيع العلاقات الصهيونية الإماراتية والخليجية عموما، ومن ثم المغربية أيضا نشر مقالا في مجلة جيروساليم ستراتيجيك تريبيون، ناقش فيه انجازات ومعوقات اتفاقا إبراهيم التطبيعية. في هذا المقال نناقش افتراضات بن شبات، ونحلل الرؤية الصهيونية لآفاق الاتفاقات التطبيعية وما يخشاه الكيان وكيف يجب أن تتصرف المقاومة وحركة الاعتراض الفلسطينية والعربية والقليمية في مواجهة هذا التغول والتوسع الصهيوني.
يزعم بن شبات وهو المقرب من الجهاز الأمني الصهيوني والأمريكي، أن الدور الإيراني في الحرب في أوكرانيا يوفر للبيت الأبيض فرصة لتغيير مسار النظام الإيراني واتخاذ موقف لا هوادة فيه من الملف النووي الإيراني والأنشطة التخريبية في المناطق والقمع الوحشي للاحتجاجات المستمرة. ويمكن بعد ذلك ترجمة هذا التحول إلى مكاسب على جبهات أخرى تتعلق بالاتفاقات. لكن هذا الأمل اليائس الذي يحاول بن شبات تصديره لقارئه مرتبط أساسا بانتصار أوكرانيا ومن ورائها الغرب في الحرب وهذا وإن كان لايوجد ما ينفيه إلا أنه ايضا وبشكل أكثر جذرية لايوجد ما يؤكده أو يساعد على تصديقه.
يستند التحليل الضعيف الذي يقدمه بن شبات إلى وهم القدرة الأوكرانية والتراجع الروسي من جهة، ومن جهة أخرى الموقف الصهوني القلق في العلاقة بين روسيا وإرادة الولايات المحدة بتحديد تل أبيب لموقفها وهو ما أثبتت الأيام غن الكيان الصهيوني لايستطيعه وإن رغب به بشدة وإن تصرف بعض التصرفات |(التسليحية ) مع أوكرانيا والتي تقربه أكثر إلى موقف الناتو والولايات المتحدة.
عموما يعتبر بن شبات أن من الضروري أن تضع "إسرائيل" خطة عمل شاملة ومنهجية، بالتشاور مع الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين، من أجل تقوية وتعميق وتوسيع اتفاقيات إبراهيم التطبيعية. والهدف طبعا تعزيز موقع "إسرائيل" في المنطقة ووضع إيرلاان في حالة عزلة سياسية في مجالها الإقليمي الحيوي، مما يساعد بتصعيد الضغط لإسقاط نظام الجمهورية الإسلامية.
في التحليل العميق، يعلم الكيان الصهيوني جيدا أنه رغم صمود اتفاقيات إبراهيم، بعد رحيل راعيها الأول عن الحكم في الولايات المتحدة، وبرود بايدن تجاهها، إلا أنه كما يحلل بن شبات لا تزال إمكانات الاتفاقيات بعيدة كل البعد عن الاستغلال الكامل، والشعور بالرضا مشوب بالمخاوف بشأن استمرار العملية. حيث لم تتسع دائرة الدول المشاركة، ولم تبذل إدارة بايدن أي جهد لذلك كما أن أي تقدم حدث فقط بين الحكومات وليس في الشعوب التي تشير التحليلات واستطلاعات الرأي أن الأغلبية الساحقة من مواطني دول الخليج لايوافقون على التطبيع مع الكيان الصهيوني، أو غير متحمسين له، وهذا طبعا يتناقض مع الوعود التي أطلقها ترامب ونتنياهو بأنه سيكون سلاما ساخنا وحميما شعيبا ورسميا وحاولوا الترويج له.
الانجازات عموما يمكن حصرها على أصابع يد واحدة، نعني إنجازات التطبيع الحقيقية وليس تلك الدعائية كزيارات بعض الإماراتيين أو البحرانيين من جماعة النظامين للقدس والأقصى أو احتفاء هؤلاء بزيارات الصهاينة إلى بلادهم فهذا كله هراء بالمعنى السياسي، الذي تم فعلا، وما يفتخر به الصهيوني، مثلا، قمة النقب، في مارس 2022 وهي ليست قمة حقا إذ حضرها وزراء وليس قادة دول أو رؤساء حكومات، وتلاها اجتماع في البحرين في يونيو لمديري وزارة الخارجية. وتم إنشاء لجنة توجيه رسمية، منتدى النقب، لمراقبة التعاون في القضايا الأمنية بالإضافة إلى التعليم والطاقة والسياحة. ومع ذلك، لم يحدث الكثير من الناحية العملية، وقد تم تنفيذ عدد قليل من المبادرات الإقليمية الرئيسية أو مشاريع القطاع الخاص في العامين الماضيين، بخلاف اتفاقية لبناء قدرة طاقة شمسية واسعة النطاق بين الأردن، والإمارات العربية المتحدة، والكيان الصهيوني (وسيكون تنفيذها معقدًا، بسبب الافتقار إلى المعلومات المناسبة. البنية التحتية في الأردن)، و لا يزال انضمام المملكة العربية السعودية إلى الاتفاقات أملاً. وواجه تحقيق الوعد بالسماح للطائرات المدنية "الإسرائيلية" بالتحليق فوق المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان في طريقها إلى المحيطين الهندي والهادئ صعوبات، وتحديداً بسبب تردد عمان. نظرًا للعلاقة غير المستقرة بين الرئيس بايدن وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لم يبذل السعوديون جهدًا للوفاء بهذا الوعد، الذي حصل عليه الأمريكيون خلال زيارة بايدن في يوليو إلى المنطقة.
ما لايذكر كسبب لإعاقة اتفاقات إبراهيم، على الأقل لايذكر علنا، هو الخوف من القوة الإيرانية المتنامية وةرغم ذلك يبقى الاعتراض الإيراني هو "الفيل في قاعة خزف" الاتفاقات الهشة وينعكس في التطورات والأحداث الأخرى في المنطقة. ومن هنا يمكن فهم توطد العلاقات بين دول الخليج من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى وقرارهما تقييد إنتاج النفط رغم توسلات بايدن. والتقارب بين الإمارات وإيران، والذي أدى إلى عودة السفراء ، بعد ست سنوات من العلاقات المتقطعة. وكذلك حوار الرياض - طهران، الذي استؤنف بعد تولي بايدن السلطة واستمر بهدوء.
الأمور مع المغرب و السودان لم تسر على الهوى الصهيوني أيضا بخصوص الأمل من الاتفاقيات، لم يتم بعد توقيع اتفاقية تطبيع ثنائية بين السودان والكيان، على الرغم من أن القيادة السودانية وقعت بالفعل على الجزء التوضيحي من الاتفاقات في يناير 2021. لذلك، لم يفتح بعد بعثات دبلوماسية ولا يزال الجانبان بحاجة إلى إنشاء قنوات للتفاعل المدني. أيضا لا يسير كل شيء بسلاسة مع المغرب، على الرغم من العلاقات التي تزدهر الآن على مستوى بالكاد يمكن للصهاينة أن يحلموا به. لا شك في أن الرباط تسعى إلى دفع عجلة الارتباط مع الكيان. أصبحت زيارات وزراء الحكومة الصهيونية للمغرب روتينية. تم التوقيع على اتفاقيات ثنائية في قائمة طويلة من المجالات. وقد تم توثيق التعاون الأمني، وهو ما انعكس في الزيارات المتبادلة بين رؤساء الأركان العسكريين من الجانبين وتوقيع عقود الأسلحة. يتم ملء الرحلات الجوية المباشرة دائمًا تقريبًا إلى سعتها. قامت وفود تجارية من البلدين بزيارات متبادلة وأقامت مشاريع مشتركة. تم إنشاء قنوات اتصال وتعاون بين الجامعات ومراكز البحوث والنقابات والجماعات الثقافية والجمعيات الرياضية. المزيد لم يأت بعد. ومع ذلك، لا يزال يتعين ترقية البعثات الدبلوماسية رسميًا إلى سفارات. لم يتم تبادل الزيارات الوزارية "الإسرائيلية" في المغرب، ولم يلتق رئيسا الدولتين، الملك محمد السادس و يتسحاق هرتسوغ، حتى الآن. ليس من السهل التأكد إلى أي مدى يرجع ذلك إلى موقف "إسرائيل" الغامض من سيادة المغرب في الصحراء الغربية. من الواضح أن هناك توقعًا، على أعلى المستويات في الرباط، أن تنضم "إسرائيل" إلى الولايات المتحدة، وبولندا، وفرنسا ، والبحرين، والإمارات العربية المتحدة، مما يثير استياء الجزائر وهو ما لاتمانع به تل أبيب عموما.
وبينما لا يتم احتسابها ضمن دول اتفاقية أبراهام، يجب أيضًا ملاحظة تشاد في هذا المسح لعلاقات إسرائيل المتغيرة في المنطقة. بقيادة المرحوم إدريس ديبي، شقّت هذه الأمة طريقها إلى القدس بمفردها، لا بإطار إقليمي ولا بموقف أمريكي داعم. استؤنفت العلاقات الدبلوماسية في تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، لكنها ظلت بعيدة عن الأنظار. في مايو 2022 قدم سفير إسرائيل في السنغال خطاب اعتماده لرئيس تشاد الحالي، نجل ديبي محمد. يجب أن ينصب التركيز الآن على بناء الثقة في عملية السلام من خلال إظهار ثمار السلام للشعب في تشاد. إذا رأى الناس أن الميزانية العمومية للتطبيع مع إسرائيل سلبية، فقد يزيد ذلك من خطر الزخم السلبي، الذي قد يعيق ويضر بإنجازات اتفاقيات إبراهيم.
ما الذي يجب فعله:
يقترح مئير بنشبات ست خطوات للكيان والولايات المتحدة والحلفاء الإقليميين للخروح من تهديد المأزق المحيط باتفاقات إبراهيم حتى لايخسر الكيان كل السعي السابق، وهذه الخطوات يجب أن تكون أيضا تحت عدسة القوى المقاومة والرافضة للمسار التطبيعي بقدر ماهي تحت عدسة الكيان وحلفائه.
أولا: كما أن الخبير الأمني الصهيوني يعتبر أنه لايجب اعتبار اتفاقيات إبراهيم أمرًا مفروغًا منه أو تفترض أنه لا رجوع فيه. بالنسبة للعدو، يرى بن شبات بأنه بعد انقضاء وقت الاحتفال بالاتفاقيات من الأهمية بمكان إعداد خطة عمل مفصلة لتعزيز وتعميق وتوسيع اتفاقيات إبراهيم - وإنشاء آلية، بقيادة رؤساء الدول الموقعة، لمراقبة التنفيذ. أيضا هذا ما يجب ان تراه فوى المقاومة والاعتراض على هذه الاتفاقات وأن تنهي وقت الغضب والألم وتبدأ بتحفيز قدرتها والبحث في نقاض ضعفها وعوامل تقويضها وخصوصا العامل الشعبي الرافض للتطبيع مع الكيان وهيمنته على المنطقة.
ثانيا: يدرك العدو الصهيوني وحلفائه أن إيران وموقفها هي الرافعة الإقليمية الأساسية للاعتراض على وناهضة اتفاقيات إبراهيم، لذلك يقترح بن شبات أنه يجب تغيير المسار بشأن إيران. وأنه يجب على الإدارة الأمريكية اتخاذ الموقف الحازم تجاه إيران باعتباره الموقف الصحيح وليس فقط بسبب دورها في حرب أوكرانيا أو نشاطها لتقويض اتفاقات إبراهيم. بل ما يهم الكيان الصهيوني فعلا هو طموحات طهران النووية ودعمها للمقاومة الفلسطينية واليمينة واللبنانية، ويرى أن هذا الموقف من شأنه أن يخدم المصالح الأوسع للإدارة الأمريكية ويستجيب للتحديات الرئيسية التي يواجهها الغرب: إضعاف قدرة روسيا على مواصلة الحربفي أوكرانيا، واتخاذ إجراءات لحل أزمة الطاقة العالمية، وعكس اتجاه دول الخليج نحو روسيا والصين، وعرقلة إيران المدمرة. الطموحات، وتعزيز عملية التطبيع. أيضا يرى الخبير الصهيوني أن على الإدارة بدلاً من الخلاف مع المملكة العربية السعودية، أن تقرر مواجهة إيران.
ثالثا، تطوير المشاريع المشتركة التي تهدف إلى حل المشاكل العالمية الملحة في مجالات الطاقة والغذاء والمياه. عبر ضمان دور ريادي صهيوني في مجالات الخبرة الزراعية والمائية.
رابعاً، فتح جسر بري للتجارة بين أوروبا والخليج عبر إسرائيل . من المحتمل أن يكون الجسر البري للتجارة أرخص وأكثر كفاءة من بعض البدائل، وهو هنا يشير ربما إلى قناة السويس وبالتالي ربما على النظام المصري التفكير مليا في مساعي الكيان لتهميش مصر وقناتها كممر تجاري استراتيجي.
خامسا، تعزيز المشاريع الإقليمية المشتركة، على سبيل المثال، في مجال الطاقةكمنتدى غاز شرق المتوسط (EMGF)، والذي يضم "إسرائيل" ومصر جنبًا إلى جنب مع شركاء إقليميين وأوروبيين آخرين.
سادساً،يأمل الكيان بتعزيز المبادرات في مجال التعليم والثقافة، لتدعيم المواقف الأساسية الداعمة للسلام وإضعاف المواقف المعادية وتمسك الأفكار الإسلامية الراديكالية. هذا عنصر حاسم لترسيخ السلام على المستوى الشعبي، بين المواطنين والشعوب، وليس فقط بين الحكومات.
بقدر ما تشكل الأحداث فرصة للكيان الصهيوني لتعزيز موقعه الإقليمي، فإنها أيضا توفر فرصة لقوى المقاومة لإحباط هذا التغول، ولابد لها أن تبني على الأعمدة الصحيحة لدحر الاتجاه التطبيعي وخصوصا القاعدة الشعبية العربية العريضة التي لايوجد أدنى شك بأنها أكبر عائق أمام موجة التطبيع والمتصدي الأكبر لها.

