عندما يكون للكلمة فعل البندقية وتأتي الصورة بالحقيقة كالشمس لا يحجب ضوؤها زيف أو خداع، ينقلها شهود عيان في الميدان يخوضون غمار الحقائق وينقلون الوقائع بصدق وأمانه دافعهم الإسهام في كفاح عادل، بسلاح فعال لا تثلمه جرائم أعدت مسبقا، عن سبق إصرار أولئك الشهود الذين يرتقون لمراتب القديسين والأنبياء وهم يتحدون المخاطر ويعرفون فداحة الثمن، فكل الأرواح عندهم فداء للوطن.
هكذا كانت شيرين أبو عاقلة على مدى سنوات كفاحها ال 25 الشاقة في عملها الميداني، إعلامية مقاتلة بالصوت والصورة لتنقل الحقائق من الميدان، رغم كل ما تتعرض له من أعمال القمع والتضييق والإرهاب، وكغيرها من زملائها الصحفيين والإعلاميين في الميدان، تتقدم بجرأة أكبر لتكون أكثر صدقا في نقل الوقائع، فهذه طبيعة الجانب الكفاحي في العمل الإعلامي والصحفي، وذلك ما يغيظ العدو الذي يعمل جاهدا لطمس الحقيقة واعتماد الزيف والخداع والتجاهل وانكار المسؤولية عن جرائم يعدها وينفذها بدقه وبتصميم مسبق، إلى أن كانت عملية اغتيال شيرين، زهره فلسطين المقاتلة المسلحة، بروح الحقيقة والبراءة والأمانة في الرواية فور وصولها لأقرب مكان يتمركز فيه جنود العدو المدججين بالسلاح وأدوات التصويب الدقيقة التي لا تحتمل أي نسبة من الخطأ أو حجب الرؤية، وتجاهلت عيون المكر والعدوان كل ما يميزها كإعلامية عن وسائل الحماية الشخصية من الخوذة الحديدية أو الدرع الواقي، وعبارة صحافة press على صدرها وظهرها، لتطلق يد الغدر رصاص الحقد الصهيوني على عنقها الطاهر، وذلك لتقتل الحقيقة كما يظن المجرمون.
لقد كانت تلك الجريمة المتمثلة في قتل الشهيدة شيرين أبو عاقلة وجرح بعض من رفاقها في الميدان وبدم بارد ولا مبالاة بأي قوانين أو أعراف وشرائع دولية، فقد كانت جريمة واضحة المعالم، وكان حولها أقوى من أن تحجبه أبواق الدعاية الغربية ونفاق الإعلام الغربي المتصهين، المنحاز دائما ودون أي وجه حق إلى جانب العدوان، ليستمر في تبني الرواية الصهيونية أو يحميها من لحظه وقوع الجريمة وانتشار الخبر وحتى بعد الاعتراف الصهيوني المفبرك والمتدرج بوقوع الجريمة من جانبه، محاولا التنصل من المسؤولية عن الجريمة، واستمر الإعلام الغربي، ممعنا في إعفاء المجرمين من المسؤولية عن جريمتهم باللجوء لعبارات الأسف وإطلاق الاوصاف على الجريمة والدعوات لإجراء التحقيق، دون أدنى إشارة لإدانة المجرمين بأسمائهم وتحديد هوياتهم، ليظلوا مجهولين وكأن الجريمة حصلت من تلقاء نفسها، وذلك باستنساخ مواقف وعبارات الإعلام الصهيوني.
ويستمر النفاق الغربي الذي شمل كل الدول الاستعمارية ورموز العدوان إزاء قضايا الشعوب العادلة في العالم، وذلك بتبني الدعوة للتحقيق الذي يصفونه بالشامل، والدقيق والنزيه، دون أن يحددوا جهة ذات مصداقيه في التحقيق، الأمر الذي يثير الاستغراب والدهشة، فكيف يعقل أن يشارك المجرم في التحقيق مع نفسه؟ وأي حقيقة هذه يمكن الوصول إليها عندما يكون اللصوص هم من يحقق مع صاحب الدار؟ وهل تُنصف الضحية من المجرمين؟!

