ليس النصرُ بحدِّ ذاتِهِ هدفًا، إنّما الهدفُ الحقيقيُّ هو ما بعدَ النصر. والهزيمةُ ليست الخطورةَ بحدِّ ذاتِها بل ما أُسّس قبل الهزيمة وما نتج بعدها، فقد أسهمت – على سبيل الاستدلال - المنظومةُ الاشتراكيّةُ ممثّلةً بالاتّحاد السوفييتي بالنسبة الأكبر في عمليّة سحق النازيّة الهتلريّة، لكن من استثمر ذلك بشكلٍ أساسيٍّ هو حليفها الغربي في الحرب العالمية ممثّلًا رأسيًّا بالولايات المتّحدة، التي استغلّت النصر لدعم الإمبرياليّة عالميًّا، ومن ثَمَّ الاستعمار والصهيونية وكيانها الذي كان في العمق والأصل هو الشريكُ الأوّل في غرفة عمليات النازيّة الألمانيّة الهتلريّة!
نجح هذا الاستثمار لسببٍ أساسيٍّ وهو أن أميركا الإمبرياليّة والحركة الصهيونيّة كانتا تمتلكان خطةً شاملةً؛ أي استراتيجية لما بعد الحرب، أما الاتحاد السوفييتي فقد كان مهتمًّا بالنصر ونشر النظرية والتوسّع الجغرافي إيديولوجيًّا من خلال وقائع الحرب ذاتها، لا لما ما بعد النصر والأمد الطويل، فاستثمر الغرب الاستعماري ذلك وحده بنسبةٍ كبيرةٍ وبمعظم نتائجه السياسيّة والاقتصاديّة والإعلاميّة، أمّا الروس فما زالوا يحتفلون حتى الساعة بيوم النصر على النازية، اليوم الذي ذهبت نتائجه بالنسبة لهم وبقيت ذكراه!!
يتبادر إلى الذهن سؤال خطير يجب أن يتفكر به جيداً كل فلسطيني ومفاده كالتالي: بما أن الكيان الصهيوني بدأ فعلياً بالتفكك وأن استمراريته مستحيلة في فلسطين - هذا لا يعني أن انهياره الشامل قريب زمنياً- لكن لنفترض أن ساعة انهياره غداً، فهل هيأ الفلسطينيون أنفسهم لتسيير دفة بلدهم، إن كان الجواب لا إذن ما الذي سوف يحدث؟
إن سيناريو ما سيحدث هو تكرار لما حدث في بدايات القرن العشرين، رحل العثماني وجاء البريطاني الذي سلم البلاد للعصابات الإرهابية الصهيونية، إذن سوف ينتهي الكيان ويأتي احتلال آخر إقليمي أو دولي، غربي أو شرقي، أي أن فلسطين ستكون قد استبدلت احتلالاً بآخر وأعادت أسطوانة بدايات القرن الماضي ذاتها، وذلك بسبب أساسي أولي ومحوري هو أننا لا نمتلك استراتيجية منذ الآن.
من خلال فهم المعنى الإنساني الاستثنائي، تاريخياً ومستقبلياً لفلسطين كبقعة جغرافية وكيان سياسي وثقافي وموطئ تاريخ بشري وديني وفلسفي ووو ينبغي صوغ الاستراتيجية المطلوبة، هذا أولاً، فهذه البلاد لا تصلح لأن تكون كياناً منغلقاً – كالوضع الصهيوني الآن الذي شكل وصفة سحرية مثلى وأساسية لزوال الكيان القادم- وعلى الفلسطينيين أن يدركوا بجلاء بأن وطنهم ملك للإنسانية ولهم في آن معاً، هم سيديرون شؤونه ومؤسساته كافة، يحكمون ويسنون قوانينه وفي الوقت ذاته ينظمون للعالم كل الحرية في السياحة والزيارات العلمية والبحثية والدينية بالذات الإسلامية والمسيحية، لا الاقتصار على الأسلمة، فأسلمة فلسطين تفضي بالضرورة إلى احتلال آخر، وجعلها مختصرة بالمسيحية أيضاً يفضي بدوره إلى احتلال آخر، إنهما الوجه الآخر للتهويد، أما الحفاظ على الصيغة التنوعية فهو وحده ما يضمن مستقبل السلام والاستقرار- هذا بالضبط ما يفسر خطأ الصهيونية وكيانها الأول والمستمر الذي أنبت وحمل بذرة القضاء الحتمي عليه والمتمثل بالأحادية الستاتيكية- وهو ما يحلو لنا تسميته عبر مصطلحات عملية كالعنصرية والأبارتهايد والفصل والدولة الدينية ووو...
إذن من الطبيعي والمنطقي أن يمثل الشعب الفلسطيني ودولته روح الإنسانية بأكملها أما الادعاء بأن البلاد دولة إسلامية فهو ما يجعلها نظيراً للكيان اليهودي الصهيوني وبالتالي هي الآن تشرع وجوده ثقافياً وأخلاقياً بشكل تلقائي، لهذا يعلم كل فلسطيني ويستشعر ذلك الانسجام والتوافق أحياناً ما بين الخطابين -المتأسلم السياسي واليهودي الصهيوني- وهو ما ابتكر وزرع بذرة الإبراهيمية الصهيونية على الرغم من أن إله اليهود يهوه ليس هو الله تعالى الذي تؤمن به كل من الديانتين التوحيديتين الإسلامية والمسيحية!
يأتي هنا دور النخبة في التخطيط، الأنتلجنسيا، المثقفون والأكاديميون والكتاب والفنانون والاقتصاديون لا السياسيون، لأن العقل السياسي عقل نفعي آني مع أنه يفيد في رسم الاستراتيجية وتسيير الآني، هم جميعاً يقترحون فيختلفون ويتفقون، قد تبدو بعض اقتراحاتهم وأفكارهم طوباوية وربما سخيفة، لكنها في لحظة ما تشكل مجتمعة مفتاحاً لباب مغلق يفضي إلى مكان فسيح.
تبرز هنا أيضاً مشكلة الفشل الحتمي من حيث إمكانية اتخاذ القرار وتبرز محنة هيمنة القائد الأوحد الذي يفكر ويقرر وينفذ باعتباره رأس الهرم، وهذا يبدأ من الرئيس ولا ينتهي بسائق المرسيدس لدى مسؤول فصيل بخمسة أعضاء، أي أن النخبة الفكرية والثقافية وبكل وضوح هي من يجب أن تحتل الصدارة في التخطيط لا الجالس على الكرسي أيا كان وبغض النظر عن سويته المعرفية أو تاريخه النضالي، من هذه النقطة بدأت كارثة أوسلو، أي من التفرد باتخاذ القرار.
الركائز المعرفية الأساسية لتجاوز كل ذلك تكمن في فهم المجتمع الفلسطيني بمعزل عن الخطب، وبالتالي فهم تبايناته فالفلسطيني الذي يتواجد في المناطق المحتلة عام 1948 يختلف بظروفه عن الفلسطيني في مخيم بلبنان أو سوريا أو المحتلة عام 1967 أو المهاجر، مع أنه يجب الانتباه إلى التوافق الكبير في الهدف النهائي العام وهو استعادة فلسطين وعودة شعبها، لكن ذلك لا يعني بأن الدور واحد.
لقد عرف الميثاق الوطني والأدبيات الفلسطينية الأخرى الفلسطيني بشكل عام، لكن لم يتم إدراك الظرف الموضوعي تماماً، وهذا ما أدى إلى الابتعاد عن استثمار مكامن القوة، وما زلنا حتى اليوم ندور في هذا الفراغ فتارة يكون الوزن السياسي والكفاحي هنا وأخرى هناك، عامل ينشط وآخر يدخل في السكونية، هذا ما يفضي إلى تصويب مفهوم الوحدة الوطنية فالوحدة تكمن هنا في الجانب الاجتماعي وتقسيم الدور بحسب القدرة، لا بالتوافق السياسي بين الفصائل والأحزاب.
هذا يفضي إلى مساحة أوسع وهي استكشاف وتوظيف مكامن القوة، لا البحث في خيارات سياسية تبدو دائما كردة فعل "مقاومة" لا "ثورة" ففلسطين بحاجة لثورة لا لمقاومة، ذلك أن المقاومة رد فعل أما الثورة فهي الفعل بحد ذاته.
إن قراءة الماضي، فهم الواقع، إدراك مكامن الضعف والقوة تبدو أفكاراً فراغية هوائية ما لم يكن الهدف منها رسم خريطة للمستقبل، أي ألا تكون معلومة فحسب، بل مادة بحد ذاتها تُشكل منطلقاً لرسم الاستراتيجية.
توظيف الطاقات والإمكانات إذن هو مكمن بلوغ الغاية لا حشدها سياسياً هو الأجدى، فالمال السياسي قيد الحركة الوطنية إلى حد كبير حتى حول الفدائي الثائر إلى مقاوم ثم إلى موظف أو شرطي ثم إلى فرد في حلقة الدبكة، المال يجب استثماره أولاً في المشروع الوطني لا في تحسين الحالة المعيشية وهو الخطأ الكبير الذي وقعت فيه مجمل الحالة الوطنية بما فيها المقاتلة خلال فترة التمكن في لبنان، ثم ما بعد أوسلو لهذا ومع أول هزيمة أو فصل ركون تحول الفدائي سريعاً إلى تابع للسياسي أو السلطة أو الفصيل، وهو ما سهل التبعية الإقليمية، ثم مجمل العلاقة بالمحيط.
يبدو التوصيف الذي حدده الحكيم جورج حبش هو الأكثر تناسباً لتوصيف العلاقة مع المحيط والعالم، فقد تحدث مراراً عن تحديد العدو والصديق بوضوح، توصيف الرجعية بدقة والتي لا بد أن تنضم يوماً كحليف تبعي للعدو– كمثال نظام حكام الإمارات اليوم- وتحديد الأنظمة الإمبريالية كحليف قوي للكيان الصهيوني، من هنا أيضاً يجب الانطلاق مرة أخرى، فلا يمكن للرجعي أن يكون في صف القضية، فالقضية بحد ذاتها جهد تقدمي رافض للواقع الرجعي، كما ولن تكون الدكتاتورية مع الحق الفلسطيني أبداً، كل هؤلاء بالضرورة في مربع مساندة العدو المحتل بحكم التوافق الفكري والتمازج المصلحي والتواطؤ كضرورة شرطية للبقاء، ومن ناحية أخرى فإن حلفاء الشعب الفلسطيني تلقائياً هم أحرار العالم بأسره، مناضلوه ومفكروه الأحرار وفنانوه وكتابه وأحزاب وحركات التحرر والمهمشون والمضطهدون والتائقون لتصحيح أخطاء الإنسانية ورفع الظلم واللصوصية عن كاهل الشعوب، متدينون وعلمانيون وهم الأغلبية في هذا العالم.
من الغريب أن الفلسطينيين الذين يمتلكون أهم الإعلاميين في العالم تبدو وسائل إعلامهم متخلفة، لأن المؤسسة التي يقوم على رأسها متخلفون سوف تحارب تلقائياً الفكر النير المبدع والإعلام العميق، فذلك يظهر حجمهم تلقائياً كصغار قياساً بحجم الكرسي، ولهذا يتم تعطيل بل محاربة الطاقات الفكرية والإعلامية وهو ما يسود فلسطينياً في هذه المرحلة، علماً بأن أميركا استندت بقوتها إلى الجانب الإعلامي كأساس حتى في اقتصادها وقوة الدولار والهيمنة السياسية والعسكرية عالمياً.
في الخلاصة يمكن القول بأن الاستراتيجية يجب أن يتم رسمها قبل العودة إلى إيقاد الثورة العارمة، فالمقاومة بلا استراتيجية سوف تذهب هباء، هذا سبب أساسي وإجابة في الوقت ذاته على أسباب عدم تحقيق مكاسب وطنية على الرغم من هوائل التضحيات والبطولات.
على الاستراتيجية إذن أن تكون مستندة إلى ما يلي:
- إعادة رسم ملامح فلسطين ثقافياً وأخلاقياً وتاريخياً ودينياً.
- تحديد الهدف الوطني النهائي "دولة ديمقراطية، دولة مرحلية" بروح ومفردات علمية لا خطابية.
- تحديد هوية فلسطين وهوية الفلسطيني، وتصحيح الالتباس الذي وقع فيه الساسة في القبول باتفاقات وصيغ تشرذم تعريف المواطنة ذاته.
- توصيف ودراسة كافة مكامن القوة والضعف وكيفية تفعيل ايجابياتها.
- الكف عن استصراخ العالم أياً كان، والاعتماد على القوة الذاتية المحلية، فاستحقاقات أي نظام سياسي في العالم مهما كان حليفاً تتناقض بالضرورة خلال لحظة ما مع الخيارات الثورية الفلسطينية الضرورية.
- الأهم من كل ما سبق هو امتلاك القوة لا تحسين شكل الضعف، أي أنه على الفلسطينيين ابتكار أساليب نضالية غير دفاعية تجبر العالم لا تستجديه، خلق مكامن قوة مشروعة أو غير ذلك، فالعالم لا يحترم الحق بل يرضخ للقوة، لذا فالاستجداء من العالم ومسخرة الشرعية الدولية وجامعة الأنظمة العربية الدكتاتورية والحليف الفلاني والصديق العلاني كلها سوف تبقي الوضع على حاله.
خلاصة: لا بد إذن من ترسيم استراتيجية، فالفلسطينيون لن يحققوا شيئاً دون إعادة فهم وصياغة تاريخهم، عليهم تنظيم طاقاتهم لا أحزابهم، أي أن يمتلكوا مختلف مفاتيح القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية والتقنية والقانونية والثقافية والإعلامية وووو، وما غير ذلك يبقى طحناً للهواء. هل هذا سوف يفضي إلى الاستفادة من تجربة الحركة الصهيونية ذاتها؟!
نعم، وما المشكلة في ذلك.
- ما ورد في المقالات الأربع السابقة هو مقتطفات من كتاب يصدر قريباً بنفس العنوان-

