مات هادي العلوي يوم الأحد في 27 سبتمبر/أيلول عام 1998 ودفن في مقبرة الغرباء في حيّ السّيدة زينب بدمشق العاصمة السوريّة، وترك بذلك الموت المُبكّر فراغاً، أو لنقل حيزاً فكرياً في الثقافة العربية المُعاصرة لم يستطع شغله من بعده شاغل. فأنت لن تجد من المفكرين العرب -بكلّ تأكيد- من يقول لك: "إن سرّ الأسرار في هذه السياسات العربيّة الرّاهنة العرجاء أو قُل "الكسيحة" أن الحاكم يريد أن يفكر ويعمل بالنيابة عن جميع الخلق، وما أن يقعد قائد "الدولة والمجتمع" على كرسيّ القيادة حتى يكتسب صفات القدس يّة ويتحرك على قاعدة "كن فيكون". ويمكن التوصل من الاستقراء الميدانيّ لتجارب الحكّام أن القصور العقليّ يلازم أهل الدولة، وأن ما يُصيب البلاد والعباد من الكوارث هو في بعض أسبابه من نواتج هذا القصور العقليّ للحُكّام. والفعل الكارثي للدولة يأتي في المقام الأول من نذالة حُكّامها ولصوصيتهم وانحرافهم الأخلاقيّ وخساسة رغباتهم وبالجملة من صغر نفوسهم".
ولكن يا هادي ما تفسير ذلك؟
في الجواب يقول:
"عندي أن نفس الحاكم يجتمع فيها من الشر ما "تفرّق" في نفوس الأفراد وتفسيره أن وجوده في السلطة، يجعله قادراً على استيفاء صفات الشرّ والفساد، بسبب زوال الرّادع الذي يجعل الفرد العاديّ يخاف من التهمة والحساب، إذا اجتمعت فيه هذه الصفات وخوف الفرد العاديّ يكون من الناس والسلطة القضائيّة والحاكم لا يخاف منهما. ومن المعتاد أن يتصرّف الحاكم بوصفه قوّة ردع ضدّ المخالفات القانونيّة والأخلاقيّة، ممّا يتيح له الانفراد بالشرّ والعدوان، لكونه آمراً لا مأموّراً".
ومن ينظر اليوم بجديّة في تكوين شخصيّة "الحاكم العسكري خاصة" ويسبر أغوار هذه النفس الآثمة، يجد خواء يسدّه البطش. فقيرة وصغيرة هي نفس "الحاكم" التي تبطش بالأشياء والأحياء بطش الصبيان. فقيرة يا أبا العلاء المعري هي تلك النفوس التي لا تُخفف الوطء، لأنها لا تدري أن أديم الأرض من هذه الأجساد.
غالباً ما يتعاطف الناس على امتداد رقعة الوطن العربيّ مع هذه النصوص الفصيحة الواضحة، وسواء صدرت في كتب أو نشرتها الصفحات الفكريّة والثقافية في الجرائد والدوريات العربية -هذا إذا وجدت طريقها للنشر- وأسباب شتى تسوغ تعاطف القارئ العربيّ مع النصّ الفصيح، قد يكون أخطر الأسباب على الإطلاق رغبة الإنسان "العربي الجديد" في "كسر" المنهج المألوف الذي تعوده في حياته اليومية، ويضطر الناس إلى بذل الجهد الاستثنائي من أجل تغيير النمط الحياتي السائد في الفكر والمسلك، وهذا ما فعله الشباب في "الربيع العربيّ" في الميادين والساحات، أما نجاحهم أو فشلهم في ذلك، فلا يتحمل وزره لا هم ولا هادي العلوي، لأن فكره كان هادياً ومحرّضاً على التغيير، وكانوا كالكواسر في انقضاضها، وكان ما كان، مما لست أذكره/ فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر.
يقول هادي العلوي هناك قاعدة فكرية خطيرة، ترجع إلى "كونفوشيوس" وتوسع فيها أهل الفكر في الحضارة الإسلامية: "إن أخلاق الناس تتبع سلوك الحاكم، فإن كان عادلاً مستقيماً عدلوا واستقاموا وإن جار وسرق جاروا وسرقوا".

