قام الاحتلال يوم الخميس الموافق 24/11/2022 باعتقال الناشط الشبابي "أحمد أبو عياش"، أحد أعضاء المجلس المحلي الشبابي في بلدة بيت أمر – شمال الخليل، حيث يعتبر أحمد من النشطاء البارزين في العمل التطوعي داخل وخارج البلدة، وكان ملقب "بالدينامو" لشدة الانتماء المغروس في قلبه لمساعدة الفقراء والمحتاجين، وأكثر لشدة إيمانه بأهمية نشر العمل التطوعي، ونشر ثقافة التعاون داخل المجتمع.
يبقى السؤال.. لماذا نكتب عن أحمد؟ ولماذا نُسلّط الضوء على قضيته؟
يقول أحمد: "أن قيمة الإنسان تكمن في مقدار عطاءه"، وجاءت هذه الكلمات من عــَبــــَـــــقُ الحب لمساعدة الفقراء، وخصوصاً مشاهدة الفرحة في عيون أطفالهم، لحظة تقديم بعض الألعاب أو الاحتياجات لهم، وقد واجه أحمد الموت وجهاً لوجه، حيث تعرض لحادث سير عنيف قبل ما يقارب الثلاث سنوات، ليُجرِي بعد ذلك عمليات جراحية صعبه ومعقدة في قدمه اليسرى، مما أدى إلى زراعة شرائح من "البلاتين" فيها، وليتنقل منذ ذلك حتى الآن على العصا الطبية، وأيضاً كان أحمد يحلم أن يسافر ويبدأ تعليمه من جديد.
ما بين حب العمل التطوعي وشغفه بالحياة التي اقترب من مغادرتها بحادث السير وحلمه بالسفر لإكمال رسالته التعليمية؛ كان أحمد أبو عياش يمارس هوايته مع الحياة، إلا أن هذا الثلاثي جاء الاحتلال وكسر الدوران الخاص به ليلة الاعتقال، وأصبح هذا الثلاثي يحتاج إلى الحرية التي هي نفسها المقابل، كما قال غسان كنفاني ؛ ليبدأ دورة جديدة من أجل الحياة والحرية.
من بديهيات القول: أن الوضع الصحي الذي يعاني منه الأسير أحمد لن يمنع الاحتلال من اعتقاله، بل على العكس؛ إن الاحتلال سيقوم بعملية صبَّ الزَّيتَ على النَّار عمداً، حيث هذا وجهه الحقيقي، وجه الاستعمار والإرهاب، واستخدام كل الأساليب النفسية في محاولة لقتل أحلام الشعب الفلسطيني.
قبل الخروج من البيت وحضن الأم، وصبر الأب، ودموع الأطفال؛ كان أحمد يفكر بالعصا الطبية التي يستند عليها، كأنها أكثر شيء ثبات في هذا العالم، لأنها تساعده على الوقوف في وجه الظلم الواقع عليه؛ فربما ينسى أحمد كنزته رغم البرد القارص، وربما ينسى ترتيب غطاء السرير، ولكنه حتماً لن ينسى العصا قطعاً.
سوف تعيد أم أحمد ترتيب البيت، وخزانة الملابس، وأيضاً سوف تعيد مرطبان الزعرور مكانه، وأكثر ستقوم بتنظيف الطين الذي خلفته أحذية الجنود للمرة الثانية، حيث كانت الأولى لحظة اعتقال ابنها مهدي قبل ما يقارب العشرة شهور، ولكن من يقوم بتنظيف الحزن من قلبها سوى عودة أحمد؟
كأنه طيّر مهاجر يعود إلى وطنه الأبدي، وكأنها تلك الليلة تسأل: لقد خبأت حب أحمد طوال عمري داخل قلبي، ولكن لماذا هذا القلب لا يتسع له ليدخل هناك ويختبئ من الجنود؟ كم كانت تتمنى لو كان قلبها أرضاً؛ تغرس فيها أحمد كما يغرس الفلاح بذور شجر الرمان... إن هذه المرأة قلبها برج حمام لم يَهِج الحمام منه يوماً.
سيقوم والد أحمد هو الأخر بممارسه الصبر الذي وأد تحته حزنه، وقهره، وسيقول للأطفال: "لا تبكوا شقيقكم رجل"، وسوف يستبعد تلك الليلة فكرة النوم كأنه يتحايل على النوم الذي لم يأتِ؛ بسبب التفكير القاتل في الوضع الصحي لطفله أحمد، ولكنه سوف يبكي بصمت في اليوم التالي أثناء العمل، عندما يبرد ألم مشاهدة أحمد وهو يمشي على العصا ما بين الجنود.
عند وضع قطعة القماش على العين تزداد العتمة من حول الأسير، ومنها يستدل أن الاعتقال قد حل، وتبدأ الطريق إلى المعتقل التي لا تكون طويلة بحساب الوقت، ولكنها بعيدة جداً بقياس الحرية، وكل شيء سوف يمضي ليلة الاعتقال، ولكنه لا يُنسى، يبقى مغروساً في الدماغ، وترويه قطر ات الذاكرة، وأيضاً كل شيء يمر رغم بطئ الثواني، وسرعة قهقهة الجنود، وأكثر رغم سرعة تفريغ الجنود سلاحهم من الرصاص بعد انتهاء مهمة الاعتقال.
مرة أخرى يعاني أحمد من وضع صحي صعب، وحتى ليلة الاعتقال لم يكن قد قام بإزالة "الجبس، والبراغي، والشرائح" عن قدمه، ورغم التفكير الذي يحفر في رأسه عن وضعه الصحي الذي أصبح هو الآخر رهن الاعتقال، والذي يقول فيه "علي عزت بيغوفيتش": "عندما تكون في السجن؛ تكون لك أمنية واجدة وهي الحرية، وعندما تمرض في السجن لا تفكر بالحرية وإنما بالصحة، والصحة إذن تسبق الحرية"، سيبقى أحمد يسأل سؤالاً صعباً يواجه كل أسير: "ماذا بعد؟".
لقد نجا أحمد من كل المعارك الدامية التي خاضها في حياته، ولقد كان يثابر كل يوم في سبيل أن على هذا الوطن ما يستحق النضال، وحتماً سوف ينجو من السجن، وعندما يحتضن شقيقه مهدي داخل الزنزانة، سيقول له ما قاله مريد البرغوثي في قصيدته "سنصعد هذا الجبل":
توجع قليلاً
توجع كثيراً
سنصعد هذا الجبل
متعبين تماماً
وحولي وحولك يأسان
يأسي ويأسك
رعبي ورعبك
يا صاحبي
نحن لسنا جبانين
أو بطلين
ولكننا ولدان بسيطان
مثل مكاتيب فلاحة غربوها
بسيطان
مثل نعاس الرعاة ومثل العطش
بسيطان
كالعائدين من الحقل للبيت
كالعائدين من الويل للبيت
نحن بسيطان
يا ليت قصتنا مثلنا
الطريق إلى السهل هذا الجبل
الطريق إلى الأهل هذا الجبل
كل ما تشتهي كل ما أشتهي
يبدأ الآن أو ينتهي
والأمل ذروة اليأس يا صاحبي
الأمل
توجع قليلاً توجع كثيراً
توجع.. فإن الأمل ذاته موجع
حين لا يتبقَ سواه
سنصعد هذا الجبل.

