بعد الحرب العالمية الثانية، اعتبارا من 1945، انبثق عالم جديد على أساس التوازن، ولكنه توازن يشبه تعادل عنصرَيْ البروتون والنيوترون داخل غلاف الذّرة. كان ذلك عالم الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، حيث توازن الرعب النووي، الذي سمح بسلام هشّ، يستند إلى قاعدة من التعادل بين القطبين في أوروبا، وانتشارهما خارج أوروبا وفق نسق مع ذلك غير متعادل. كانت الغلبة للغرب بالقيادة الأمريكية، سياسيا واقتصاديا وعسكريا، في كل من إفريقيا وأمريكا اللاتينية، بل في آسيا الشرقية أيضا برغم ظهور الصين الشعبية بقيادة الحزب الشيوعي بانتصاره الباهر في ديسمبر 1949.
وظلّ الصراع سجالا بين القطبين، في حالة حرب ولكنها (باردة) فيما يقال؛ ثم ما لبث الصراع أن هدأ قليلا خلال الفترة بين أواسط الستينيات وأواخر السبعينيات، فيما أطلق عليه "الانفراج" حينا، أو الوفاق حينا آخر، وذلك من أجل (الأمن والتعاون في أوروبا) شرقا وغربا، على وقع نهايات حرب فيتنام منتصف السبعينيات. واشتدّ التغلغل السياسي والاقتصادي والثقافي- الإعلامي للغرب (الأمريكي)، في عالم الشرق الاشتراكي، ولدقّ (إسفين) بين روسيا والصين، الاشتراكيتيْن مع ذلك، ثم لينطلق سيّال الأحداث المريرة، وتتحول عيْنا الصين قبالة الولايات المتحدة. وكان أن وقع انهيار الاتحاد السوفييتي كله، كدولة، في عملية بدأت عام 1985 (مع تولّى جورباتشوف) وانتهت عام 1990 في ظل الرئيس الروسي، أمريكي الهوى، يلتسين.
حينئذ أخذ ينبثق عصر جديد لعالم جديد، قوامه ما يسمى بعالم القوة العظمى الوحيدة، ويمكن تسميته عصر وعالم السلام الأمريكي، حيث استطاعت الولايات المتحدة بناء سلام (على مقياسها) في مختلف أقاليم العالم، يستند إلى أحجار الزاوية المعتمدة في كل إقليم.
كان حجر الزاوية في شرق آسيا يتمثل في اليابان كعملاق اقتصادي، ولكنْ قزم سياسي يستظل بأمريكا، وكان إلى جوارها جناحان: تايوان من ناحية، وكوريا الجنوبية من ناحية أخرى، لعلهما يوازنان الصين. والجميع في حالة سلام اقتصادي مع أمريكا، خاصة في إطار جدلية الأصدقاء الأعداء بين أمريكا والصين، حيث وصل الاندماج الاقتصادي بين الطرفين، في لحظة معينة، إلى حدود ما سماه بعض الخبراء عند مطلع الألفية الجديدة (صينو أمريكا) وكأنهما دولة واحدة.
أما فيما يُطلَق عليه مصطلح الشرق الأوسط، ذلك التكوين الهجين، الذى أراده الغرب كيانا غير محدد الحدود بشكل دقيق، فكان حجر الزاوية عدة أحجار، تشكلت على مهل لتوازن وتواجه، في بداياتها، مصر الناصرية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي حتى 1970.
وأما عن إسرائيل فقد (تقلبت على جمر النار) إبّان حرب أكتوبر 1973، وتتالت عليها أطياف مختلفة من التيار الصهيوني. وقد كان صعود ما يسمى اليمين الصهيوني المتطرف إلى سدّة قمة النفوذ والسلطان خلال السنوات العشر الأخيرة، إيذانا بانهيار قاعدة (العقد الحكومي العربي–الإسرائيلي) كحلقة حاكمة للسلام الأمريكي في الشرق الأوسط، إلى جانب الحلقة الأخرى: النفط، واستنادا خلالهما إلى حالة العداء الإيراني، ولو تمت أحيانا تحت شعار تقاسم السيادة الإقليمية بين محور النفط الخليجي ومحور الجوار الإيراني.
وقد بلغ الأمر درجة تقْرب شطر قليل من عالم النفط إلى إسرائيل، تحت شعار التطبيع، وإن لم يحدث اهتزاز لقاعدة اليمين الصهيوني المتشدّد الأثيرة، تلك القائمة على اعتبار إسرائيل، وفق ما سموه لديهم قانون القومية، بمثابة الدولة القومية للشعب اليهودي، متمثلا من الناحية الفعلية في مواصلة التوسع الاستيطاني ومشروع الضمّ والقضم للأرض الفلسطينية، مع استخدام القوة المفرطة، في جميع الأحوال، في مواجهة المقاومة الفلسطينية.
ويأتي اهتزاز قاعدة السلام الأمريكي في (الشرق الأوسط) في شقّه العربي–الإسرائيلي، وكذا التغير النسبي في صيغة التوازن العسكري بين المقاومة والاحتلال، متزامنا مع عدة تطورات في سياق التنازع الأمريكي مع كل من الصين وروسيا؛ وذلك كما تدل عليه وقائع الأزمتيْن الأوكرانية والتايوانية في الفترة الأخيرة. ويحدث ذلك على وقع انحدار تدريجي ولو كان بطيئا نسبيا، ولكنه مستمر عبر الزمن، ومنتظم الإيقاع إلى حدّ بعيد، في المكانة الأمريكية داخل النظام الدولي. هذا الانحدار، قد لا يصل إلى حدود السقوط المهين للهيمنة الأحادية في الأجل القصير وربما المتوسط، والتحول السريع إلى ما يسمونه "عالم بلا أقطاب" أو تعددية قطبية. لكن الحال ربما سيكون نظيرا لما يُطلق عليه مؤرخو العلاقات الدولية (وضعية الدولة الأولى بين متساوين)، وصفا موجزا لحال توازن القوى الدولية في عصر الهيمنة البريطانية–الفرنسية خلال القرن التاسع عشر بالذات، حيث كانت بريطانيا تمثل القوة الأولى بين أنداد أو أكفاء بالمعنى التقريبي العام. ولكن ماذا سيكون عليه الحال مع ذلكم الانتقال والتحول المرتقب في هيكل النظام الدولي الراهن، وما أثره على صيغة السلام الأمريكي في الشرق الأوسط..؟ تلك الصيغة التي اهتزت، إلى حدّ بعيد، بفعل صعود اليمين الصهيوني المتطرف وإخلاله بالعديد من الموازين. وماذا يمكن أن يحدث في الأفقيْن البعيد والمتوسط، مع الصعود غير القابل للتراجع، للقوة الفلسطينية، مع شيء من تغير في الميزان السياسي، وربما العسكري- الصاروخي أيضا، نسبيا وتدريجيا نعم، باتجاه قضية فلسطين، ودع عنك الميزان الديموجرافي العتيد، وحينئذ تسود القاعدة الذهبية المجرّبة: لا بدّ مما ليس منه بدُّ..!

