... وانتهت المفاوضاتُ التي استمرّت منذ عشر سنواتٍ على الأقل، تناوب عليها عددٌ من الوسطاء، ومن المسؤولين في لبنان؛ الرئيس نبيه بري أوّلًا، وبعده ثلاثيّة الرؤساء.
ما يهمُّنا هو المرحلةُ الأخيرةُ من المفاوضات، التي كانتْ بالشكل غير مباشرة، لكنّها بالمضمون كانت مباشرةً بامتياز، إذ إنّ الوسيط المفترض (هوكشتاين) هو جنديٌّ صهيونيٌّ، وحتّى لو لم يكن كذلك، فهو مندوبُ الولايات المتّحدة الأميركيّة المفتّشة دومًا عن حماية وظيفة الكيان، مع غيابٍ كاملٍ أو شبهِ كاملٍ للأمم المتّحدة، مما جعل هذه المفاوضات مباشرةً بين لبنان من جهة، والعدو ببعديه؛ الصهيوني والأميركي، من جهةٍ أخرى.
لندخل الآن في الموضوع؛ الموقف العلمي والثوري من أي حدث، تحدده معايير متعددة:
- المعيار الأول، هو عدم تعريض المبدئي لضرورات الواقعي فقط.
- المعيار الثاني، موازين القوى المحيطة بالحدث.
- المعيار الثالث، من له مصلحة ومن هو المضطر.
- المعيار الرابع، المضمون والنتيجة، وهنا المقصود مضمون الاتفاق وتفاصيله.
في المبادئ: هذا البحر لنا لفلسطين، ومن ثَمَّ كان يجب الإصرار على مفاوضات ولو موازية مع منظمة التحرير الفلسطينية.
في المبدأ أيضًا أنّ العديد من اللجان التقنيّة، ومنها من هو صديقٌ للعدوّ، كان قد حدّد الخطّ 29 حدودًا بريّةً لبنانيّةً طبقًا للقوانين الدوليّة قبل أن يبتلع ميقاتي وبعده السنيورة ومن شاركهم الحكم تقارير هذه اللجان.
في المبادئ أيضًا هل يمكن لأي عقلٍ أن يفترض حياديّة الولايات المتّحدة (وليس هوكشتاين فقط) في الخلاف مع العدو؟
أما فيما يتعلق بموازين القوى، فقد جرت المفاوضات في وقت كانت فيه الولايات المتحدة (وما زالت) بأمس الحاجة لمصادر الطاقة الشرق أوسطية. وأخذًا بعين الاعتبار صعوبات نقل الطاقة من الخليج إلى أوروبا بقي الرصيد الأميركي هي مصادر الطاقة الموجودة على شواطئ بلاد الشام، من فلسطين إلى لبنان وسوريا وكذلك قبرص. ولذلك فهي بحاجة ماسة لتحرير البترول والغاز الفلسطيني (المصادر من العدو) وكذلك محاصرة مصادر الطاقة الأخرى، وبهذا المعنى كان يمكن اعتبار أن لنا سنداً خفياً رئيسياً في المفاوضات، هو السند الروسي، في مواجهته الناتو، وبالتالي حاجة أوروبا الماسة للطاقة.
وضمن موازين القوى أيضاً، يدخل الخلاف البيني، داخل صفوف الخصم العالمي والإقليمي، وبشكل خاص الخلاف الأميركي – السعودي حول سعر النفط وكمية إنتاجه، إذ أنها من المرات النادرة التي تتجرأ فيها المملكة السعودية على مخالفة الوجهة الأميركية في زيادة الإنتاج بما يتعدى السقف المحدد في أوبك.
وفي هذا الإطار أيضاً، كان ضروريا الاستفادة مما يجري في فلسطين، انبعاث مقاومة من نوع جديد ضمن مفهومٍ ثوري بدأ يتخطى المفهوم التقليدي للدولة والثورة، حيث أن الجغرافيا الجديدة لها (الضفة) ومكوناتها، شباب عرين الأسود ومن يشبههم، تتخطى المفهوم التقليدي للثورة الفلسطينية ومفاهيم السلطة السائدة، سواء في بلدية الضفة، أو بديلها الديني في بلدية غزة، وهذه الحالة أرعبت العدو الصهيوني، وكان ممكناً أيضاً الاستفادة منها.
إلى هذه العوامل، نضيف عامل الأزمة الاقتصادية التي يعيشها الكيان الصهيوني، والتي جعلته هو الآخر بحاجة ماسة لما يمكن أن تضخها له مصادر الطاقة البحرية.
انطلاقاً من كل ما سبق، فالمضطر ومن هو بحاجة لهذا الاتفاق وللإسراع في إبرامه هو الولايات المتحدة أولاً (وضمناً أوروبا المترهلة) وكذلك العدو الصهيوني.
ومن قبيل الفكاهة الحاجة اللبنانية، إلا إذا كان المقصود، حاجة العهد والحكومة لانتصار وهمي يسجل لهم، أما الشعب اللبناني، الواقع تحت ضغط الأزمة الاقتصادية - الاجتماعية، ولو أنه بأمس الحاجة لذلك، ولكن يخشى أن يكون المردود الاقتصادي – المالي له نفس مصير مئات المليارات المنهوبة من قبل السلطتين المالية والسياسية، عدا عن أن الحديث عن المردود مؤجل حكماً لعدة سنوات.
أيضاً حاجة العدو ووسيط العدو، كان يمكن أن نستفيد منها في المفاوضات، ولكن للأسف عندما سنأتي لعرض المضمون سيتضح أننا لم نستفد لا من الظروف العالمية ولا الإقليمية ولا من قوة الحق في تعاطي لبنان الرسمي مع هذه المفاوضات. والآن: ماذا في مضمون الاتفاق؟
الخط البحري 29 هو وحده تبعاً للدراسات القانونية (ومن ضمنها الجيش اللبناني) من يتمتع بحقوق أقرتها القوانين البحرية الدولية، ولكن للأسف، ورغم إصرار الخبراء العسكريين والمدنيين، جرى تجاهل هذا الحق من قبل الحكومات المتعاقبة، وأرسلوا رسالة للأمم المتحدة تتراجع عن الحق اللبناني وتحدد الخط 23 خطاً للحدود البحرية. وقانونية الخط 29 تتأتى من الحدود اللبنانية – الفلسطينية والمقرة في اتفاقية الهدنة (آذار 1949 المادة 5) التي تحدد نقطة الانطلاق رأس الناقورة، أما الخط 23، فينطلق من 30 متراً شمالي رأس الناقورة مما يُخضِع لبنان لخسارة نحو 500 كلم مربع في البحر.
بالمقابل فإن الخط الأزرق البري، ليس حدوداً دولية ولم يوافق عليه لبنان وسجل اعتراضه ضمن الاتفاقات المرفقة بالقرار 1701، والخطورة الرئيسية هنا لاتفاق الترسيم، أن موافقة لبنان على الانطلاق من 30 متراً شمالي رأس الناقورة، ستعطي حقاً للعدو بالمطالبة بتثبيت الخط الأزرق البري وتحويله من أمر واقع أمني إلى حدودٍ قانونية، وبالتالي التخلي عن آلاف الأمتار المربعة من أرضنا، بالتوازي مع 1430 كلم مربع بحرياً، خاصة وأن نص الاتفاق يتضمن اعترافاً بأمرٍ واقعٍ آخر هو خط الطوافات البحرية الذي يوازي الخط الأزرق البري، وبالتالي يسمح للعدو بخرق الحدود البحرية بحجة الخط الأمني الذي تحدده الطوافات.
والخطر في هذا الاتفاق أيضاً هو النص الحرفي (يتفق الطرفان على أن هذه الاتفاقية، تشكل حلاً دائماً ومنصفاً لنزاعهما البحري)، أي أن لبنان اعترف بالأمر الواقع كواقع نهائي وتخلى طوعاً عن (مسمار جحا) الذي تمسك به العدو، خاصة وأن الاتفاق تضمن نصاً حرفياً آخر لا يقل خطورة (يتفق الطرفان على إبقاء الوضع الراهن بالغرب من الشاطئ على ما هو عليه، بما في ذلك على طول خط العوامات البحرية الحالي وعلى النحو المحدد بواسطته). هذا البند مع الذي سبقه يشكل انتهاكاً واضحاً للسيادة الوطنية براً وبحراً، وبالتالي يمكن اعتباره بالتعبير التربوي (علامة لاغية) تضاف للتفريط بالثروة الوطنية أو قسم منها لصالح العدو، إضافة إلى أن المفاوضات نفسها بالشكل الذي تمت فيه تشكل تفريطاً بالثروة الفلسطينية.
أما الكذبة الأخرى، التي تشكل استغباء للشعب اللبناني، هي الإدعاء بأن لبنان أخذ حقل قانا كله، والعدو لم يأخذ ما طلبه منه.
الاتفاق ينص على أن العدو سيأخذ نسبة معيّنة بحدود 17 في المئة من مستحقات شركة توتال. هل يمكن استغباء شعبنا إلى هذا الحد؟
شركة توتال نفسها انسحبت من التنقيب في الحقل الشمالي (البترون) بإشارة أميركية، واليوم العصمة الكاملة في حل الخلافات تبعاً للترسيم، وفي تحديد الشركات وتوزيع الحصص هي في يد العدو الأميركي، فهل سنقتنع بأن شركة توتال ستعطي من حصتها للعدو الصهيوني؟ هل هي جمعية خيرية؟ أم أنه ستزاد حصتها بمقدار الحصة المفترضة وعلى حساب حصة لبنان؟
إلى ذلك، فإن الاتفاق ينص على سلطة الولايات المتحدة في تحديد الشركات التي ستتولى التنقيب والاستخراج في لبنان، هذا (الشيطان الأكبر) الذي يطلق البعض صرخات مواجهته يرضى بتسليمه اليوم العصمة، ويسلم معه باستمرار حصاره الاقتصادي على لبنان. إن هذا البند بالذات ينفي أيضاً الإدعاء بتنويع الاقتصاد اللبناني ويلغي موضوعياً شعار الاتجاه شرقاً، إذ كيف للبنان الاتفاق مع أي شركة روسية أو صينية أو خلافها، إذا كانت شروطها أفضل، طالما أن القرار النهائي هو في يد الولايات المتحدة كما ورد في النص (شركات ذات سمعة طيبة وغير خاضعة للعقوبات الدولية)، أي خلاف في تنفيذ الاتفاق يعود حله إلى الولايات المتحدة نفسها، أي إلى (الشيطان الأكبر) ذاته.
بهذا المعنى، هذا الاتفاق لن يساعد في حل الأزمة الاقتصادية – الاجتماعية في لبنان، تلك الحجة التي استعملت للتسويق له، ولعل القصف الأميركي المجرم على قافلة الفيول الآتية إلى لبنان عند الحدود السورية – العراقية، يشكل الرسالة الأولى في هذا الإطار:
الاتفاق وُضِع لحل مشكلة الكيان المعادي ولإيجاد مصادر طاقة قريبة لأوروبا، أما لبنان فما عليه إلا انتظار صيد السمك من البحر.
أما في الموقف، فطبيعي أن نكون كتقدميين ويسار في لبنان رافضين لهذا الاتفاق وداعين لتجاوزه وحكماً مُدينين للتسويق له كاتفاق. إن اعتبار هذا الاتفاق انتصاراً هو تشويه وإساءة لكل الانتصارات التي تحققت بصمود شعبنا وبدماء الشهداء، كل الشهداء المقاومين على اختلاف انتماءاتهم. في أحسن الأحوال يمكن القول، أن دخول المقاومة على خط المفاوضات عبر المُسيّرات، قد ساهم في تخفيف الخسائر، لأنه لو تركت الحكومة لكانت ارتضت (الخط هوف) لكن تهديدات المقاومة، والحاجة الأميركية – الأوروبية ساهما في تخفيف الخسائر، ولكن لم تلغِ الخسائر الكبرى المشار لها سابقاً.
نعم ليس انتصاراً، ولم يكن يستحق من المقاومة هذا التهليل وأهازيج النصر.
نعم ليس تطبيعاً، ولكنه يفتح المجال أمام قوى لبنانية وعربية (وربما فلسطينية) للانطلاق منه نحو شعارات واتفاقات تسوق وتبرر لتطوير عمليات التطبيع مع العدو. لقد ارتكبت قيادة المقاومة خطأ كبيراً في قيادة حملة الدفاع عن الاتفاق والترويج له كانتصار، فهي كانت تقول دائماً على لسان قيادة حزب الله أننا نقف خلف الدولة، فلماذا سبقنا الدولة في الترويج لاتفاق يمكن القول أنه على الأقل ملتبس وموضع خلاف لبناني؟
هذا الخطأ يذكرنا بخطأ قمع ساحات الانتفاضة، وخاصة تلك التي كانت بإدارة قوى وطنية لبنانية، والحلول مكان قوات قمع الدولة في الحفاظ على النظام الطائفي. إنها ذروة التناقض بين وظيفة المقاومة وبنيتها المذهبية والطائفية.
أخيراً، هو اتفاق مدان، جاء لمصلحة العدو بجزئه الأساسي، استفادة العدو مباشرة، واستفادة لبنان (المفترضة) مؤجلة ومهددة ومنتقصة، وبشكل خاص جاء لمصلحة استجرار الطاقة من الساحل الفلسطيني إلى أوروبا في إطار الصراع العالمي.
على القوى التقدمية اللبنانية، أخذ خطوات عملية لمواجهة لهذا الاتفاق، كما أن على قوى الثورة الفلسطينية، التنبه لما يحضر له بوساطة مصرية – قطر ية – تركية مع الولايات المتحدة للبحث باتفاق مماثل على شواطئ غزة.

