Menu

لماذا يتّهمُ مؤيدو إسرائيل حزبَ الله بالموافقة على تطبيعهم؟

د. ليلى غانم

نشر هذا المقال في العدد 44 من مجلة الهدف الإلكترونية

معظمُ مؤيدي "السّلام" مع الكيان الصهيوني في لبنان والعالم العربي، مسألة ترسيم الحدود البحرية غير المباشرة بين لبنان وإسرائيل، لاتهام حزب الله بنوايا الاعتراف "بعقلانية" التطبيع. لكن الهدف من وراء هذه الحملة المنسّقة، سرعان ما اتضح فهو يندرج في استكمال التحريض لوقف المقاومة ونزع سلاحها، والاصطفاف مع الجامعة العربية و"الأشقاء العرب" خلف قرارات "الشرعية الدولية"، وهي حملة تخفي الإقرار بأن إسرائيل التي كانت تنقب عن النفط دون إذن من أحد، اضطرت تحت وطأة تهديد المقاومة لها بقبول الترسيم.

لعلّ المؤرّخ المرموق عصام خليفة، هو بين المعترضين المهنيين القلائل على صيغة ترسيم الحدود البحرية بوساطة أميركية واتهامه الرؤساء الثلاثة الذين خاضوا المفاوضات غير المباشرة بالخيانة العظمى، لسماحهم بالتخلّي عن حق لبنان في خط 29 ابتداء من آخر نقطة حدودية في الناقورة مع فلسطين المحتلّة، وفق ترسيم خط الهدنة التي وقّعها عن الجانب اللبناني الكابتن اسكندر غانم وعن جانب العدو الإسرائيلي فريد ليندر بتاريخ 23 آذار/مارس عام 1949.

مسؤولون عن خطوط الترسيم في الجيش اللبناني يؤيدون وجهة نظره، لكن هذا الأمر لم توثّقه الحكومات اللبنانية المتعاقبة منذ توقيع حكومة فؤاد السنيورة عام 2007، على مسودّة اتفاقية مع قبرص، كيفما اتفق، تشمل أيضاً المنطقة الاقتصادية الخالصة في جنوب لبنان وشماله، وقت هجوم "أشقاؤنا العرب" لنزع سلاح حزب الله وتطبيق "قرارات الشرعية الدولية"، إثر حرب 2006 وهزيمة إسرائيل المدوّية.

عصام خليفة والمعترضون المهنيون على صيغة الترسيم، يرفضون التهديد بالسلاح لمنع إسرائيل من استغلال "حقل كاريش" (القرش) ولا يعترضون على مبدأ المفاوضات غير المباشرة ولا حتى على مبدأ توقيع اتفاقيات مشتركة كالتوقيع على اتفاقية الهدنة وغيرها، ولا يعتبرون كل ذلك تطبيعاً أو على طريق التطبيع. فمن الناحية المهنية والسياسية شتّان بين الاعتراف السياسي كما بدأه "الأشقاء العرب"، وبين اتفاقيات خطوط الهدنة كما حدث في الحرب الكورية بين الشمال و"المجتمع الدولي" في الجنوب الكوري، والتجارب المماثلة لا تُحصى ولا تُعد. وشتّان بين التطبيع وبين منع العدو من انتهاك الحدود بتدخّل دولي أو بتدخّل الأميركي حين يخشى هذا الأخير وقوع الحرب لعدم قدرته في ظرف غير مناسب على حماية محميته في فلسطين المحتلّة.

على الرغم من البراعة المهنية وحسن السويّة الوطنية التي يتمتع بها عصام خليفة، يعبّر عن براءة سياسية طفولية، منذ تأسيس "حركة الوعي" الطلابية الجامعية في منتصف السبعينات، متخيّلاً "علمنة النظام اللبناني" على أبواب الحرب الأهلية وإنشاء دولة مواطنَة وحقوق... عبر الثقافة و"نشر الوعي". وفي مسألة الترسيم يتخيّل منع إسرائيل من استخراج الغاز في حقل كاريش، بمجرد تقديم شكوى اعتراضية إلى الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية التي ترفض أصلاً قبول النظر بالدعوى بسبب عدم انضمام إسرائيل، ويذهب به المخيال إلى الاعتماد على "الشرعية الدولية" لتحصيل حقوق لبنان البرّية والبحرية.

قد يكون اعتراض المهنيين الوطنيين محقاً كما أقرّ الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله. لكن هذا الأمر ليس موضع جدل ونقاش لا طائل منه، إنما المسألة الإشكالية الملحّة تتمحور حول أفضل السبُل، لمنع إسرائيل من استغلال الغاز في "المنطقة المتنازع عليها" بعد مباشرتها العمل على وضع مشروعها موضع التنفيذ في "كاريش"؟

الدولة المهزومة وذراع المقاومة

طوال المفاوضات التي توسّط فيها مبعوث الإدارة الأميركية فريدريك هوف منذ العام 2012، أصرّت الدولة اللبنانية على المطالبة بالخط 23 وفقاً لخطة ترسيم أودعتها الأمم المتحدة عام 2011، تصحيحاً لاتفاقية السنيورة مع قبرص. وفي المقابل أصرّت الإدارة الأميركية على "حل وسط في المنطقة المتنازع عليها" بحسب ادعاء إسرائيل في خط 23، وتقسيم المساحة البالغة 860 كلم2 بمنح لبنان 490 كلم2 (بعد مساومات طويلة) وتقديم هدية مجانية إلى إسرائيل مقدارها 370 كلم2 ولم يستطع لبنان الرسمي الرضوخ للضغوطات الأميركية الطويلة.

لكن في المقابل لم يحرّك "السياديون" اللبنانيون أو بالأحرى مدعو السيادة وأخوانهم العرب ومجتمعهم الدولي ساكناً، ولم تنظر الأمم المتحدة بمطالبة لبنان الرسمي. فالكل منهمك بأولويات "أكثر إلحاحاً وخطورة" عنوانها "تحرير لبنان من الاحتلال الإيراني ونزع سلاح حزب الله"، بمساعدة أميركية لتطبيق قرارات "الشرعية الدولية".

فلحظة إعلان إسرائيل عن موعد بدء التشغيل في استخراج الغاز، ضاربة عرض الحائط باعتراض لبنان الرسمي ومفاوضات "الوساطة الأميركية"، قام حزب الله مستندا إلى عدم رضوخ لبنان الرسمي، بتهديد مدعوم بمسيّرات حربية لفرض شروط المطالبة اللبنانية الرسمية على أميركا وإسرائيل بقوّة السلاح.

وللمصادفة أثارت مسيّرات المقاومة حميّة "السياديين"، ليس لنصرة الدولة اللبنانية في مطلبها أو لتجاوزه الجذري نحو الخط 29، بل اتهاماً لحزب الله بانتهاك سيادة الدولة و"انتزاعه" قرار الحرب من الدولة اللبنانية التي لم تقرّر الحرب دفاعاً عن خط 23. واتهمت المقاومة بأنها تعرّض لبنان لأهوال الحرب بطلب من إيران لمساعدتها في الملف النووي على طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي. لكن تهديد السلاح فرض على الإدارة الأميركية التراجع عن "وساطة هوف" وتكليف أموس هوكشتين بانطلاق صيغة الترسيم من مطلب لبنان الرسمي.

يجدر التأكيد هنا أن المقاومة لم تدخل في أية مفاوضات مباشرة وغير مباشرة مع العدو الإسرائيلي ومع المجتمع الدولي، طيلة محطات تحرير لبنان بإجماع داخلي، وبعد التحرير حين أصبح موضوع نزع سلاح المقاومة مطروحا على طوابير الخط الانهزامي، ولم تدلِ المقاومة بدلوها في أي مفاوضات أو مباحثات تتولاها الدولة اللبنانية، لمصلحتها أثناء الاندحار الإسرائيلي عام 2000 أو ضدها أثناء الحرب الإسرائيلية عام 2006 التي توّجتها حكومة السنيورة بالضغط "مع المجتمع الدولي" لإصدار قراري 1559و1701.

لقد نأت المقاومة بنفسها طوال تاريخ الصراع، عن أي حديث يتصل بإسرائيل من قريب أو من بعيد، بسبب معتقدات الحرام الدينية، ولأسباب عقائدية أخرى في استراتيجية الصراع مع الاحتلال. لكنها في المقابل لم تتردد في دعم أي خطوة لبنانية أو عربية أو إسلامية وحتى دولية، من شأنها المساهمة بتقويض مصالح الاحتلال أو نفوذه وهيبته ومعنوياته، أو حتى المساهمة بمنعه من الاطمئنان إلى راحة البال التي توفّرها له أميركا ومجتمعها الدولي و"الأشقاء المُطبعين".

وفي هذا الإطار "اصطادت" المقاومة فرصة الاستناد إلى لبنان الرسمي في عدم خضوعه للضغوطات الأميركية، لمنع الاحتلال من استحواذ هدية هوف الأميركية، وتلطيخ هيبته في التراجع تحت تهديد سلاح المقاومة، ولكسر معنويات الاعتماد على قدرة أميركا في تحقيق رغباته التوسعية. عدا ذلك لا تركن المقاومة إلى كل أشكال ترسيم الحدود ولا إلى أي اتفاقيات هدنة وتهدئة وغيرها، إلاّ بمقدار تعزيز المواجهة الاستراتيجية ضد الاحتلال والحدّ من نفوذه وسيطرته. فإسرائيل لا تبالي إلاّ بتعزيز مواقعها في موازين القوى لتسويف أي ترسيم للحدود ونقض أي اتفاقات أو معاهدات... وحزب الله يواجهها بتعزيز موازين القوى لمصلحة استراتيجية المقاومة.

تحريض أتباع السلام الأميركي و"الأشقاء العرب"

في وقت يعيش فيه لبنان شبه إجماع على تلافي الحرب وعدم تأييد المقاومة في أي مبادرة يحتمل أن تؤدي إلى مواجهة عسكرية، يقوم المهنيون المعترضون على صيغة الترسيم البحري، بالتنديد بالرئاسات الثلاث في الدولة اللبنانية الذين خاضوا مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل، دون أن يقدموا أي إسهام ببلورة جدّية لخريطة طريق سياسية ذات صدقية لانتزاع الحقوق الوطنية ضد إسرائيل والتي لا يمكن انتزاعها بغير قوّة السلاح. وفي هذا السياق يهدّد حزب الله لانتزاع ما يمكن انتزاعه بقوة السلاح، ويلوّح ببقاء جهوزية السلاح لحماية ما يتم انتزاعه خطوة غير نهائية على الطريق، ولمنع إسرائيل وأميركا من الانقضاض على ما تم انتزاعه من حقوق وطنية.

لكن الاعتراض المهني المحق، شابه شيئاً من البلبلة والريبة في أجواء بعض الوطنيين الفلسطينيين والعرب المؤيدين للمقاومة، الذين يرتأون بقاء حزب الله على الحياد متفرّجاً على عجز الدولة اللبنانية عن الاستمرار برفض الخضوع للضغوطات الأميركية إلى ما لا نهاية، ويفضلون طهارة الموقف المتفرّج على شبهة "التلوّث" مع الدولة اللبنانية في المفاوضات غير المباشرة. ولا ريب أن حملة التحريض المكثّفة بتهمة التطبيع، تركت أثراً من آثارها على غفلة من أمرهم في تقدير موازين القوى وتعقيدات تفكيكها.

غير أن إنجاز الخرق الذي حققته المقاومة بتهديد السلاح ضد أميركا واسرائيل، أثار حملة اتهامات وتحريض "أشقاؤنا العرب" وأتباعهم للدلالة على عقلانية خيارهم في "استراتيجية السلام ونبذ العنف" وتناولها كل منهم بالتصويب على ما يتخيّله مناسباً لخدمة أولوياته. فأشاع بعض الخليجيين أن الترسيم البحري يكشف "مزايدات إيران وأذرعها، التي تخفي نوايا التطبيع" من أجل استباق المطبّعين العرب وتحقيق السلام "الذي لا مفر منه" وقطف ثمرته من إسرائيل وأميركا والمجتمع الدولي.

أتباعهم في اليمن، أداروا مكبرات الصوت ردحاً لتعميق "مأزق الحوثيين الذين يغطون أطماع إيران بشعارات الموت لأميركا، الموت لإسرائيل". أما أتباعهم في لبنان، فأعلنوا على شاشاتهم الخليجية ومواقع "الحرّة"، "انتهاء لعبة حزب الله بورقة المقاومة"، داعين إلى تسليم السلاح وتطبيق القرارات الدولية والالتزام بسيادة الدولة الجانحة للسلام.

وإلى جانب غلّ إعلام الأزقّة، حاول بعض "المحلّلين الأكثر رصانة"، إضفاء مسحة تعمّق مصطنّع في التحريض الخليجي الذي يميّز قطر عن أترابها السعوديين والإماراتيين، على ما جاء في مقال "العربي الجديد" تحت عنوان "لماذا يعارض مؤيدون لإسرائيل اتفاقية الحدود؟".

ففي واقع الأمر، لم يوقّع لبنان الرسمي على اتفاقية حدود، فلا تزال مساحة 5ــ6 كلم2 من الأراضي اللبنانية تُعرف باسم "خط الطفافات الحدودي"، وهو في عرف أميركا وإسرائيل "محل نزاع"، فضلاً عن 79 نقطة خلافية وثلاثة أميال من الشاطئ، أشبه بمزارع شبعا بحرية. ولا تقول "العربي الجديد" اتفاقية الحدود اعتباطاً، بل لكي تستخلص أن إسرائيل حققت لأول مرّة "إنجازاً للمشروع الصهيوني في إجبار دولة عربية على ترسيم حدود نهائية"، وهذا الاستخلاص لعمري لا يفقه شيئاً من الدروس التاريخية وينم عن سطحية "التبحّر في المشروع الصهيوني" بخلاف ما يدعي! فحدود إسرائيل هي حيث تطال يدها، وليس عبثاً أن لا يكون لها دستور.

والحقيقة أن مصر عانت في طابا ما عانته من أجل ترسيم حدود نهائية مع إسرائيل، وما يزال الأردن يعاني في اتفاقية وادي عربة لترسيم الحدود في غور الأردن، ذلك أن المشروع الصهيوني يقوم على رفض ترسيم حدود نهائية مع أي دولة عربية، وفقاً لسردية "مملكة إسرائيل" الأسطورة القابلة لتأويل حدودها بحسب ما تصل يداها من الفرات إلى النيل، وهو سبب عدم إقرار دستور في اسرائيل. لكنه سبب إضافي لعدم مشاركة حزب الله في ترسيم أي حدود مؤقتة أو نهائية مع المحمية الأميركية في فلسطين المحتلة، وعدم إقراره بالحدود.

أبعد من ذلك في تجميل التحريض، لا تنبس "العربي الجديد" كلمة بشأن مؤيدي إسرائيل في قطر والخليج و اليمن ولبنان المعترضين على الترسيم، بل تقفز عنهم إلى معارضة مؤيدي إسرائيل في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، ومنهم ديفيد شينكر قدوة أصدقائه الخليجيين و"السياديين" في لبنان، وتلحظ بجدارة أنهم يعارضون أي تنازل إسرائيلي من شأنه أن يهزّ "ثابتة انتصار إسرائيل وهزيمة العرب". غير أنها عوض انسجامها مع نفسها في التحليل لتسجيل إنجاز لحزب الله في خرق "ثابتة" إسرائيل ومؤيديها، تقلب منطق التحليل على قفاه لتسجيل الترسيم على حزب الله.

لبنان بلد المفارقات وأبرزها أن سلاح المقاومة يخيف إسرائيل وأمريكا، ولكن ما يستعصي عليها هو الطبقة السياسية الحاكمة بكل أقطابها من الحلفاء والمناوئين، وهذا ما يهدد ميزان القوى سواء في معالجة الأزمة الداخلية أو الصراع مع العدو. ولكن الثابت عمليا وعقائديا أن المقاومة في لبنان لم ولن تنهي عداوتها لإسرائيل وأنها قابضة على السلاح ودونه الموت، وما تزال قبلتها فلسطين.