Menu

بن غفير: تزييتٌ فاشيٌّ لعجلات المشروع القوميّ الصهيونيّ المتطرّف

أحمد مصطفى جابر

نشر هذا المقال في العدد 44 من مجلة الهدف الإلكترونية

ربّما يكون من السذاجة، وخداع الذات والغير، الادّعاء بأنّ صعود الفاشيين الجدد في الكيان الصهيونيّ هو نكسةٌ في مسار "الديمقراطيّة الإسرائيليّة" بسبب شرطها بالذات كونها "ديمقراطيّة" كون التحليل الدقيق والشامل لطبيعة "إسرائيل" وطبيعة نخبها السياسيّة، والطريقة التي تتبادل بها هذه النخب الأماكن في المسرح السياسي، تشير بما لا يدع مجالًا للشكّ، إلى ما هو مثبتٌ أصلًا، أنّ هذا الصعود ليس سوى تنويعٍ بسيطٍ على سياقٍ متطاولٍ وأصليٍّ في المشروع الصهيونيّ القوميّ اليهوديّ، هذا المشروع الذي أجاد عبرَ تاريخِهِ تصعيد أدواته ونخبه بما يتناسب ويتلاءم مع لحظته التاريخيّة، فأبعد جابوتنسكي وايزمان عندما كان ضروريًّا ثمّ استعادهما أيضًا عندما دقّت الساعة، حدث هذا مع العمل عام 1977، ولاحقًا مع مجرمي عصابة شتيرن، ثم العمل مرّةً أخرى ورابين وشارون في سياقٍ طويلٍ يثبت أنّ كلّ انحرافٍ ظاهريٍّ في الصهيونيّة إنّما هو في الواقع "عمليّة تنقيحيّة" كما تشير المغالطة حول وصف حركة جابونسكي باعتبارها "تصحيحية". وهكذا تعود الكاهانية لتسطع كشمس فاشية على سماء السياسة "الإسرائيلية" بدون خجل، إذ ليس من المعتاد أن يخجل المرء من جلده الأصلي.

 هذا النص، يتركز حول الممثل الطبيعي للتحول الجديد أو التصحيحي الجديد في الصهيونية إيتامار بن غفير وناخبيه الإشكاليين (اعتمد في معلومات النص على عدد من المقالات في الصحافة الصهيونية التي تناولت بن غفير وظاهرته).

في مطلع تشرين أول/ أكتوبر الماضي، صور البرنامج التلفزيوني الكومدي الساخرEretz Nehederet على القناة الثانية، السياسي الصهيوني المتطرف الصاعد إيتمار بن غفير بعيون جاحظة كشخصية كرتونية لقاتل متسلسل، في الحقيقة هذا النوع من الهجاء، وإن كان يقلل بسخرية من خطورة هذا الفاشي فإنه يليق به تماما، كمؤيد فج لقاتل جماعي مثل مجرم مذبحة الحرم الذي كان يعلق صورته في غرفة المعيشة، في منزله. إن السؤال الجدير بنقاش علماء النفس ربما، ما هي درجة السواء العقلي التي يتمتع بها من يعلق صورة قاتل جماعي في منزله؟ والسؤال لن يكون له معنى عندما يكون هذا بحد ذاته مستوطنا مسلحا مستعد بشكل دائم لإطلاق النار، حتى زوجته ذاتها تتمثل هذه الرمزية المريعة، الباعثة على السخرية المريرة عندما تذهب متقلدة مسدسا بارزا إلى اجتماع زوجات الائتلاف، وقد علق صديق على هذا الموقف متسائلا عن مدى الخطر الذي تشعر به زوجة بن غفير في منزل سارة نتنياهو؟

يرى البعض أن بن غفير مجنون، مضطرب نفسيا، ولكنه في الواقع مختل إجرامي مخيف، بتصريحاته وسلوكه الإعلاني على الأقل بغض النظر عن قدرته على تحقيق وعوده الفاشية. والمسلسل الكوميدي أعلاه صور بن غفير كمجنون ملتهب بالحماس، كبابا نويل (إسرائيلي) يحمل هدايا غير متوقعة وغريبة، عنصري ينتفض ويدور وهو يسير في طريقه إلى أسفل المسرح، معلنا عن توقه لمنصب وزاري وسرعان ما انضمت إليه، أو إلى الممثل الذي يثلد شخصيته في البرنامج، مجموعة من المسلحين اليهود الشباب الذين يرقصون بشكل متزامن، حيث كانت القبضة السوداء لحزب كاخ الذي أسسه مئير كاهانا تلوح في الأفق خلفهم. عوتسما يهوديت، وحزب بن غفير، الذي يُترجم اسمه بشكل غامض إلى "القوة اليهودية"، سيكون "كهانا لكول هاميشباشا"، يعني - كاهانية لجميع أفراد الأسرة.

جذور

كان بن غفير البالغ من العمر 46 عامًا ما يزال في أوائل سن المراهقة في عام 1990، اغتيال المتطرف كاهانا، الحاخام الأمريكي المولد وعضو الكنيست السابق الذي دعا بشكل مباشر إلى طرد العرب الفلسطينيين، وهو من يعتقد أنها ستكون خطوة ضرورية نحو استعادة السيادة اليهودية الكاملة على "أرض إسرائيل"، وإعادة بناء الهيكل المزعوم، والخلاص النهائي لليهود، في ذلك الوقت وبسبب ما زعم إنه غضبه من العنف الفلسطيني في الانتفاضة الأولى، نشط بن غفير في أجنحة الشباب في حزبي كاخ و"كاهانا حي" في منتصف التسعينيات، وكلاهما تم حظرهما في النهاية بسبب دعوتهما لطرد السكان العرب وقربهما من المتطرفين العنيفين. وكان بن غفير مراهقًا تحت رعاية زعيم كاخ وصديق كاهانا السابق، باروخ مارزل، الذي حرمته المحكمة العليا من الترشح للكنيست في عام 2019. 

بشكل غير رسمي، يطرح عوتسما يهودا نفسه كأبرز خلفاء كاخ، الذين تناوبوا على الظهور طوال الـ 25 سنة الماضية، وهم يستمدون قوتهم من كونهم المكمل الغذائي التافه ولكن الضروري لاستكمال تحالف بنيامين نتنياهو لأجل حكومته اليمينية الصافية الموعودة، وهذا ما يقدمه الحزب لنتنياهو مقابل حقائب وزارية فخمة مثل الأمن الداخلي، وهكذا يسلم نتنياهو الحكومة لحفنة من الفاشيين الذين يحتقرهم أساسا (ليس لفاشيتهم بل لأسباب أخرى) مقابل ائتلاف وتصويت يحميه من المحاسبة القضائية.

يشير البرنامج الساخر المذكور أرض إريتز نهيدير في الحلقة إلى النوايا والقدرات الإجرامية التي يتمتع بها بن غفير، حيث يرقص منتحل شخصيته مبتهجًا عندما يرقص بعلبة غاز، يحدق فيها بسعادة لا متناهية كأب يحمل طفله الصغير وهي إشارة غامضة ومباشرة أيضا بلا شك إلى جريمة قرية دوما الفلسطينية عام 2015 واغتيال عائلة دوابشة، في تذكير أيضا أن بن غفير كان محامي الدفاع عن المستوطنين الإرهابيين مرتكبي الجريمة.

تصحيح الانحراف: الالتزام بالمشروع الأصلي

يحاول "الإسرائيلي" العادي، إقناع نفسه، قبل أن يواصل سهرته الآمنة بعيدا عن الاحتلال والفلسطينيين والمستوطنين، بأن كهانا (مؤسس كاخ)، غولدشتاين (جزار الحرم)، يجال عامير(قاتل رابين) والقتلة في قرية دوما، هم مثل بن غفير جميعهم وحوش من الهامش وليسوا "أصليين" في السياق" الإسرائيلي" يأتون من إنكار الدولة التي طالما قدسها هذا "العادي" وهؤلاء الوحوش مختلفون عن اليمين اللطيف المعتاد الممثل ببنيامين نتنياهو ونفتالي بينت والمرأة الآلية أيليت شاكيد، والشخصيات الأساسية الأخرى لليمين، غير أن الواقع يصدم هذا "الإسرائيلي" العادي، بأن بن غفير، ليس الوحش في الخزانة، بل الصديق في غرفة المعيشة. إنه التمثيل الرئيسي والأكثر صلابة ربما "لإسرائيل" الحقيقية التي يمثلها المستوطن المسلح الذي يعتمر الكيباه ويعيث فسادا في "الأرض الموعودة".

بن غفير باعتباره الممثل الأساسي للمشروع الصهيوني الاستيطاني في فلسطين، يعتبر أن ثمة شيء معطل في هذا المشروع القومي اليهودي، وأن هناك حاجة إلى إجراءات متطرفة لإصلاحه، وهو من يحمل مفاتيح الإصلاح والدفع بعجلة هذا المشروع إلى الأمام، وما يثبت هذا التحليل هو كيف أصبح بن غفير الشخصية المحبوبة لـ "إسرائيليين" عاديين، لم ولن يحبوا أو يعجبوا  بكاهانا في يوم من الأيام، وليس لديهم استعداد لزيارة كريات أربع في عمق الضفة الغربية حيث يعيش بن غفير، ناهيك عن الاستقرار هناك. وهذا الأمر يدل على اتجاه اللحظة الاجماعية القومية في الكيان، وهي ليست لحظة "جديدة" بحال من الأحوال بل تنبع من السياق الأصلي التاريخي للفكرة الصهيونية وجوهرها العنصري الاستعلائي.

من هم أتباع بن غفير؟

من الناحية الفنية، كان بن غفير يحتل المرتبة الثانية في القائمة المشتركة التي كان فيها عوتسما هو الحزب الرئيسي، حيث تنازل عن المركز الأول لمنافسه السابق، بتسئيل سموتريتش، الذي يمثل الجناح الأشكنازي الأكثر عقائدية في الكهانية الإسرائيلية. سموتريتش، يبدو كحاخام "أصلي" في جمهور ناخب متنوع وعلماني في الغالب، بينما بن غفير الذي ينحدر من عائلة عراقية من الطبقة الوسطى غير متدينة، نشأ في مفاسيرت زيون، التي ليست في الضفة الغربية، يبدو مثل سائق سيارة أجرة مشاكس، أو ضيف ثقيل الظل. لكن بالنسبة لأولئك الذين رأوا فيه أملهم، لا يبدو أنه مصاب بجنون العظمة أو متعصبًا دينيًا، كما ظهر كهانا غالبًا. ويقدم بن غفير نسخة "إسرائيلية" أكثر إشراقًا وأكثر استرخاءً و "إسرائيلية" من الكهانية، مدعومة بشعور يلوح في الأفق بالكارثة الوطنية القادمة، حيث يعتقد عدد كبير من الناخبين الآن أن بن غفير يخبرهم بأشياء لا يستطيع أي شخص آخر القيام بها أو يريد إخبارهم بها، وهذا الجزء من الناخبين اليهود، الذي يتراوح بين 10٪ -20٪ يشمل المراهقين المتمردين، والمسيانيين المتدينين اليمينيين، والعنصريين المعادين للعرب، والحريديم الذين يسعون إلى وطن سياسي يتجاوز الحدود المتراخية لدارس التوراة، والمزراحيم الذين يريدون شخصًا سوف يقف إلى جانبهم ضد مؤسسة وطنية لم تعد تحوز على ثقتهم.

كما هو حال الفاشية، ينضح فكر الكاهانية بالتشاؤم وهكذا من المنطقي أن يصبح المخربون اليمينيون قوة صاعدة خلال هذه اللحظة المتناقضة التي توحي بالتفاؤل في شكلها العام، حيث يتم البناء الاستيطاني في كل مكان بما في ذلك في سديروت، الأكثر تعرضًا للقصف بما يوحي بانتصار "إسرائيل"، على الأقل في الوقت الحالي، حتى في أماكن في الضفة الغربية، حيث بدا مؤخرًا أنها خسرت فيها. ولكن بن غفير وناخبيه يستندون في تشاؤمهم إلى واقعهم المعيشي وقرروا أن المتفائلين مخطئون إذ أن "إسرائيل" لم تنتصر وما زالت في خطر: إذ يمتلك حزب الله صواريخ يمكن أن تدمر أي عدد من المنازل تلك التي قيمتها بقيمة مليون دولار في موديعين أو في أي مكان آخر تقريبًا وهي منازل لايستطيع ناخبوه شراءها اصلا. وقد يكون المسعى الصهيوني الذي دام 30 عامًا لمنع إيران من الحصول على قنبلة نووية قريبًا جدًا من نهايته الفاشلة.

رغم هذا، فإن بن غفير وناخبيه لا يهتمون كثيرًا بإيران، حيث يعتبرون الفلسطينيين أكثر تهديدا، وخطرا من الجمهورية الإسلامية "لأن إيران ليست هنا" ومنشأة فوردو النووية الإيرانية بعيدة، بينما العلم الفلسطيني العملاق الذي يرفرف فوق مدينة طولكرم بالضفة الغربية، والذي يمكن رؤيته بوضوح من الطريق رقم 6 شريان "إسرائبل" الحيوي هو أقرب بكثير، وحيث تصعد الآن موجة مقاومة فلسطينية عارمة عمادها شبان ينتمون غاضبون من الاحتلال لم يشاركوا في الانتفاضات السابقة، ما ينبؤ بعصر جديد من الصراع الفلسطيني- الصهيوني أعلن بن غفير بصوت عالٍ أنه انتشر بالفعل داخل "إسرائيل" أي داخل حدود فلسطين المحتلة عام 1948 خلال تصعيد 2021.

في هذا السياق ينشغل بن غفير بفكرة السيطرة على الأرض، وقد قال في لقاء سابق "عدنا بعد ألفي عام إلى الوطن ولكننا ما زلنا نشعر كضيوف"، وهكذا فإن وزارة الأمن الداخلي التي حصل عليها (على الأرجح) تعني "الحكم" والأمن الشخصي، وهو ما يضعه في إطار مفهوم "الإرهاب الداخلي" وضرورة إظهار "من هو المالك هنا" على ما قالت دعايته الانخابية، من صاحب هذا البلد، الفلسطينيون أم اليهود؟ وهو مثل مرشده الروحي كاهانا الذي استخدم في انتخابات عام 1984 مفهوم "العمل العبري" لتسخير المزراحيم الذين تضرروا اقتصاديًا من التغييرات في تكوين سوق العمل بسبب وجود العمال الفلسطينيين، أيضا بن غفير نجح في التقاط قضية، ذات جوانب اجتماعية وطبقية وعرقية وجغرافية مميزة، وتسخيرها للإطار العنصري الذي يسعى إلى تعزيزه.

النقطة هنا هي السيطرة على كامل المنطقة الواقعة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط وهي المعضلة التي تواجه "إسرائيل" بين رغبتها وطمعها وإدعاء احتياجها الأمني، وبين العوائق الدولية وجدار التحدي الفلسطيني.

لذلك كله يكون بن غفير الشخصية الأبرز على ورقة الاقتراع وربما الشخص الوحيد الذي يتحدث جوهريا، بما يفكر فيه "الإسرائيلي العادي" في تل أبيب، ولا يقوله، ويريد من يقوله بالنيابة؛ فكأن بن غفير هنا يتحول إلى قفاز يُلبس لأداء الأعمال الأشكنازية القذرة، معتقدا: أنها أعماله الخاصة وهي وإن كانت فعلا أعماله الخاصة، يبقة مشكوكا فيه تمامًا إن كان ناخبوه سيستفيدون منها، وربما سيكون مصيرهم كمصير الشرقيين الذين انتخبوا بيغن عام 1977 ثم قلب لهم ظهر المجن، كما يليق بليكودي أشكنازي حقيقي.