مقدّمة:
كان عنوانُ المقالِ الذي كتبناه في مجلّة الهدف عدد أكتوبر الماضي هو "اكتشاف الناتو المتأخّر للاستراتيجيّة الروسيّة في أوكرانيا"، وتتلخّص فكرته في أنّ الغرب اِعتقد أنّ روسيا تريد حربًا خاطفة، ومن ثَمَّ لا بدَّ من توريطها في حربٍ طويلة، ليكتشفَ متأخّرًا أنّ الاستراتيجيّة الروسيّة مبنيّةٌ بدورها على حربٍ طويلةٍ تريد من خلالها تحقيق أهدافٍ سياسيّةٍ واقتصاديّةٍ غايةً للعمليّة العسكريّة. لكن، وماذا بعد الاكتشاف؟
الإجابةُ على السؤال تكمنُ في قراءة ما تقدّمه وسائلُ الإعلام الغربيّة من أرقام ووقائع للخسائر الروسية في الأفراد والمعدات، ومساحات الأرض التي تسيطر عليها وتنسحب منها، يضاف إلى ذلك محاولة التعرف الطريقة التي يفكر بها المعني بإدارة العمليات، وتخديم الاستراتيجيات الموضوعة سلفا أو التي تعدلت بحكم الظروف الميدانية المتحركة، ودون أن نتعرض إلى الخسائر الأوكرانية وذلك لأن أوكرانيا اُستخدمت كأداة للضغط على روسيا واختراقها، فكانت هي ساحة الحرب التي دُمرت معظم قدراتها العسكرية والاقتصادية ومكوناتها كدولة وتشرد الملايين من شعبها، وفقدت واجهتها الساحلية فأصبحت دولة داخلية؛ لأن قيادتها السياسية أرادت لها أن تكون ذيلا ومخلبا للناتو، على هذه الأرضية يقدم المقال قراءة مركزة في ثلاثة عناوين:
أولا: الإعلام الغربي ومحرقة الجنود والمعدات الروسية
استندت استراتيجية الناتو القائمة على إغراق روسيا في المستنقع الأوكراني إلى ضرورة إلحاق أكبر اذى بالجيش الروسي، خاصة على مستوى الأفراد، وذلك نتيجة لعلاقة الارتباط بين ارتفاع اعداد القتلى واتساع دائرة الغضب على المستوى الشعبي، بما يعنيه ذلك من أثر مباشر يساهم في تأليب الشارع الروسي على قيادته السياسية. هذا الأمر يمكن ملاحظته من خلال الأرقام التي تصدرها أوكرانيا ووسائل الإعلام الغربية، وبعض جنرالات الناتو عن خسائر الجيش الروسي. فقد دأبت وزارة الدفاع والأركان الأوكرانية على تقديم جردة إحصائية لخسائر الجيش الروسي على مستوى الأفراد. وفي هذا الصدد أشارت إلى أن خسائره قد بلغت حتى 30 ابريل 23200 فردا، وذلك بعد شهرين من انطلاق العملية العسكرية الروسية بتاريخ 24 فبراير 2022، ثم قفزت الأرقام الى 49 ألفا، وذلك في سبتمبر أي بعد ما يقارب السبعة أشهر، لتصل إلى 67 ألفا حتى الثاني والعشرين من شهر أكتوبر 2022. وبالنسبة للتقديرات الأمريكية وفق رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الجنرال مارك ميلي، فقد بلغت خسائر الجيش الروسي 100 ألف جندي سقطوا بين قتيل وجريح، وذلك حتى 8 نوفمبر 2022، أي بعد تسعة أشهر من بدء العمليات العسكرية، ورأى أن الجيش الروسي تكبد خسائر بشرية أكثر مما خسره الاتحاد السوفييتي في أفغانستان. ومن جهة ثانية جاءت التقديرات الروسية مغايرة بشكل كبير لتلك الأرقام، فقد ذكرت وزارة الدفاع الروسية أن عدد قتلى الجيش الروسي قد بلغ حتى شهر مارس 1350 جنديا، كما أعلنت بتاريخ 20 سبتمبر 2022 أن مجموع خسائر الجيش الروسي، قد بلغ حتى ذلك التاريخ حوالي (5939) جنديا بين قتيل وجريح.
تدفع المسافة الشاسعة بين الأرقام المعطاة من قبل الطرفين إلى التساؤل عن الصحة والدقة في الناحيتين. لكن الإجابة القريبة من الدقة ترتهن بحقائق جوهرية لا يمكن القفز عنها أو تجاهلها عند التدقيق في أية أرقام تتعلق بخسائر الجيوش أثناء خوض الحرب، أولها أن منطقية الخسائر في الأفراد ترتبط بشكل وثيق بعدد القوات المشاركة في العملية العسكرية. وثانيا استراتيجيات القتال المتبعة. بالنسبة للمبدأ الأول فقد بلغ مجموع القوات الروسية التي دخلت الحرب أواخر فبراير 2022 ما يقارب 125.000جندي، وهو أمر يؤكده البنتاغون الذي حذر أوكرانيا في اليوم الثاني للحرب من أن روسيا أرسلت إلى أوكرانيا 30 في المائة فقط من 150,000 إلى 190,000 جندي كانت قد حشدتهم على الحدود، هذه الأرقام تتناقض تماما مع أرقام الخسائر التي أخذت أجهزة الإعلام والرسميين الغربيين والأمريكان تروج لها، وهي أرقام لا يمكن أن تكون صحيحة إلا إذا كانت القوات الروسية قد تعرضت إلى عملية إبادة شاملة، وهو الأمر الذي تنفيه كل وقائع الحرب ومجرياتها، والتي تقود إلى الاستنتاج بأن الأرقام المعطاة من قبل وزارة الدفاع الروسية هي التي تحوز على المصداقية والصحة. والأمر نفسه ينسحب على المعدات، حيث تذكر المصادر الأوكرانية والأمريكية أن الخسائر الروسية في المعدات (دبابات/ مدرعات/ عربات / زوارق) قد بلغت حتى 30 ابريل 3453، ووصلت حتى 22 أكتوبر 7854، بينما بلغت في أنظمة المدفعية (راجمات / مضادات) حتى 30 ابريل 664، لتصل حتى 22 أكتوبر 2215، أما في الطائرات فقد بلغت حتى 30 ابريل 577 لتصل حتى 22 أكتوبر 1845 (1341 بدون طيار) وفي ذات السياق يقول رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الجنرال مارك ميلي، "أن روسيا خسرت في الحرب نصف دباباتها، واستخدمت غالبية ذخائرها الموجهة، ويصل إلى استنتاج مفاده أن بوتين فشل، وروسيا ستخرج من هذه الحرب أضعف مما دخلت فيها.. والعقوبات ستجعل من الصعب عليهم إعادة بناء جيشهم إلى ما كان عليه قبل الحرب". وبغض النظر عن تناقض عدد المعدات مع عدد القوات بكثير، فإن هذه الأرقام لو صحت لربما كانت الدبابات الأوكرانية ترابط في الساحة الحمراء. وبالنسبة للمبدأ الثاني فهو يدعم الأرقام الروسية، ذلك أن استراتيجية القتال الروسية قائمة على تقليل الخسائر في الجنود، والاعتماد بشكل أساسي على سلاحَي المدفعية والجو، كما أن المعركة بالنسبة لها تدور في ساحة الاقتصاد والسياسة، لذلك هي ليست على عجلة من أمرها في أوكرانيا حتى تضحي بذلك العدد من الجنود.
ثانيا: القرارات وكمائن الحرب الروسية
خلال سريان العمليات العسكرية اتخذت روسيا قرارين، يتعلق الأول بإعلان التعبئة والثاني بالانسحاب من خيرسون، الأمر الذي تم تفسيره بأنها تعاني نقصا في القوات بسبب الخسائر التي تكبدتها، والثاني أنها تلقت هزيمة ساحقة في خيرسون. إن إعلان روسيا للتعبئة بعد سبعة أشهر من الحرب، أمر ليس له علاقة بالخسائر الوهمية. فعدد الجيش الروسي يتجاوز المليون فرد، وكان بإمكانه استدعاء جزء منهم لو كانت المسألة تتعلق بتعويض خسائر الجبهة. لكن جوهر قرار تعبئة 300.000 مُجنّدا، يهدف إلى مسألتين الأولى الحفاظ على القوة القتالية الأساسية للجيش الروسي على المستوى الاستراتيجي، وتشكيل وحدات قتالية جديدة بالاستفادة من هدوء الجبهات خلال الشتاء يتم استخدامها في ربيع 2023على المستوى التكتيكي، بينما هو يحافظ على زخم القوة الأساسية التي زجها في المعركة. أما بالنسبة للانسحاب من خيرسون في الجنوب فقد شكل إرباكا لأغلب المحللين حتى بالنسبة لقادة الناتو الذين هللوا للانسحاب باعتباره نصرا وهزيمة لبوتين، لكن نتيجة الانسحاب تتلخص في أن انسحاب القوات الروسية كان مجرد انتقال من الضفة اليمنى لنهر الدنيبر، وبما لا يتجاوز 30 بالمئة من مساحة خيرسون، قد وضع القوات الأوكرانية التي دخلت المنطقة تحت رحمة قصف المدفعية الروسية المحمية بالتلال من ناحية، وخطر تدفق مياه سد كاخوفكا من ناحية ثانية، ومن ناحية ثالثة فقد واصلت القوات الروسية عملياتها وتقدمها في أكثر من مكان. هذه الحقيقة هي التي تفسر تراجع زخم التهليل للنصر الذي ساد أوساط الناتو في البداية، والتي ركزت على تصدير الأمر للداخل الروسي بوصفه هزيمة لجيشهم، لكنها بعد ذلك رضخت لحقائق الواقع الصلدة.
ثالثا: الحرب على جبهة الاقتصاد
فتحت دول الناتو جبهة الحرب الاقتصادية بالاعتماد على سلاح العقوبات، بهدف تأليب الشارع الروسي، وإلحاق أذى عميق بالبنية الاقتصادية الروسية بما يعرقل طموح روسيا لأن تكون لاعبا فاعلا على المستوى الدولي. وقد كان للعقوبات تأثير سلبي مباشر على العملة الروسية، فقد انخفض الروبل، فورا بنحو 30 % في مقابل الدولار عندما أعلنت الدول الغربية سلم عقوباتها بحق البنوك الروسية بتاريخ 26/2/2022، مما دفع البنك المركزي الروسي بتاريخ 28/2/2022 إلى وقف التداول في سوق الأسهم، من أجل إبطاء بعض الخسائر، بعد أن جمَّدت دول التحالف الاستعماري الغربي نصف أرصدته الموجودة في بنوك الخارج. وفي مواجهة ذلك تعاملت روسيا مع الموضوع عبر مرحلتين سابقة ولاحقة. فعلى المستوى الأول كانت قد استعدت لهذه اللحظة بمراكمة احتياطي نقدي هو الرابع عالميا، وتقليص دينها الخارجي إلى حدود دنيا، وتقليص تأثير الدولار على اقتصادها، وتفعيل تجارتها مع شرق أسيا، كما حرصت على تطوير صناعات محلية تقلل اعتمادها على استيراد بعض المنتوجات الغربية، أو إيجاد بدائل عنها من دول أخرى، مع الإبقاء على الاعتمادية الأوروبية على واردات الطاقة الروسية، التي تصل إلى ما يقارب 40 % من حاجتها للطاقة، واتخذت قرارات استراتيجية تتعلق بموضوع الطاقة، يتمثل في تسديد ديونها وتسديد ثمن الغاز بالروبل الروسي. وفي ذات الوقت بناء شراكات اقتصادية جديدة خاصة مع الصين، وكذلك رفع أسعار الغاز، بما مكن الروبل من استعادة ما خسره وتسجيل نقاط لصالحه في زمن قياسي. وفي الناحية الثانية فقد تضررت أغلب القطاعات الاقتصادية الغربية الصناعية والزراعية والتكنولوجية التي تعتمد على مستلزمات تشغيل ومواد روسية أوليه، إضافة إلى خسارة دول الاتحاد الأوروبي صادراتها إلى روسيا، والتي بلغت قبل بداية الأزمة الأوكرانية نحو 200 مليار دولار، وبدلا من تفجر الأزمة الاجتماعية في موسكو فقد انفجرت الاحتجاجات في أغلب العواصم الأوربية تحت وطأة الأزمة الاقتصادية التي باتت تعاني منها كثير من دول الناتو.
خاتمة
إن تقلص الخسائر الروسية على مستوى الأفراد والمعدات، واتساع دائرة الأذى التي لحقت بالاقتصاديات الغربية، هو النتيجة المنطقية لاستراتيجية الحرب الروسية في أوكرانيا والتي تؤكد أن الهدف الرئيس من العمليات العسكرية هو تحقيق انجازات سياسية وليس قتالا لأجل القتال، لذلك ما زالت تأثيراتها جارية على المستويين الاقتصادي والسياسي الذي يمضي نحو إعادة تشكيل صورة العالم.

