Menu

هل تدشّنُ الحربُ الروسيّةُ الأوكرانيّةُ حقبةَ ما بعد واشنطن؟

د. سامح إسماعيل

نشر في العدد 44 من مجلة الهدف الرقمية

باحثٌ ومحاضرٌ في العلوم السياسيّة وفلسفة التاريخ/ مصر

يرى العديدُ من المحلّلين السياسيّين بمن فيهم؛ روبرت كاجان، وستيفن وباربرا فريدمان (زميل أول في معهد بروكينغز)، أنّه مثلما كان هجوم بيرل هاربور نتيجةً لمساعي الولايات المتحدة لإعاقة التوسّع اليابانيّ في البرّ الرئيسيّ الآسيويّ، ومثلما كانت هجماتُ الحادي عشر من سبتمبر، ردًّا جزئيًّا على الوجود المهيمن للولايات المتّحدة في الشرق الأوسط، بعد حرب الخليج الأولى، كذلك فإنّ الغزو الروسيّ لأوكرانيا؛ يأتي ردًّا على هيمنة الولايات المتّحدة في أوروبا، في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.

هذا التصوّر المجرّد من الاعتبارات الأخلاقيّة، التي تدين أيّ غزو، يقوم على عدّة معطيات جيوستراتيجية، ربما دفعت موسكو نحو العمل على تحييد أوكرانيا، قبل أن تتحول إلى منصة تهديد دائم، ورأس حربة في العمق الجغرافي لروسيا، يمسك بها حلف الناتو.

أوكرانيا تدفع الثمن

من بين الجمهوريات التي خرجت من تحت عباءة الاتحاد السوفياتي، تظل أوكرانيا هي الدولة الأقل حظًا، والأكثر عرضة للاضطرابات والحروب، نظرًا لوضعها الجغرافي في قلب العمق الروسي، بوصفها بوابة موسكو إلى أوروبا والعكس، الأمر الذي كان ينبغي التعاطي معه بشيء من الحكمة والتوازن في المواقف السياسية.

يقول إدوارد كار، الباحث البريطاني البارز في العلاقات الدولية، إنّه كان بإمكان أوكرانيا تحقيق قدر كبير من التنمية، إن هي واصلت اتباع السياسة المتوازنة التي انتهجتها في السنوات الأولى من استقلالها، قبل أن تقوم الولايات المتحدة بالتحريض على الثورة البرتقالية في العام 2004، وثورة العام 2014؛ للدفع بكييف نحو الانخراط ضمن الأجندة السياسيّة الموالية للغرب، ما أدى إلى تقسيم أوكرانيا سياسيًا من الداخل ومن الناحية الجيوسياسية بين روسيا وأوروبا. مضيفًا: "إنّه لأمر مثير للتفكير حقًا أنّ تصبح بوابة أوروبا، واحدة من أفقر البلدان في أوروبا، وخط المواجهة لتوسع الناتو باتجاه الشرق، وخط الصدع المتمثل في الثورات الملونة والصراعات".

في العام 2014، عندما اندلعت الأزمة في شرق أوكرانيا، وبينما عقدت ألمانيا وفرنسا وروسيا وأوكرانيا عدة جولات من المشاورات، وجرى توقيع اتفاقيتي مينسك لتهدئة الوضع، اتخذت الولايات المتحدة اتجاهًا معاكسًا لتأجيج الشعلة. وفي الصراع الحالي بين روسيا وأوكرانيا، تحاول واشنطن أن تجني الفوائد دون التورط عسكريًا؛ فشعارات إنقاذ أوكرانيا مجرد فكرة مجردة، تستخدمها الولايات المتحدة كأداة سياسية؛ لمحاصرة روسيا واستنزافها في صراع لا نهاية له على ما يبدو.

الحاجة الدائمة إلى عدو

تقوم استراتيجية الهيمنة الأمريكية على احتياج دائم لعدو، حقيقي أو خيالي؛ فالولايات المتحدة التي ظهرت كقوة عظمى بفضل وجود العدو النازي في أوروبا، والياباني في المحيط الهادي، نجحت في تكريس هيمنتها على غرب أوروبا عبر حلف الناتو وعلى آسيا عبر حلف سياتو، من خلال فزاعة العدو الشيوعي (الاتحاد السوفياتي والصين)، ومع انتهاء الحرب الباردة، وتفكك الإمبراطورية السوفياتية، رفضت واشنطن محاولة روسيا للانضمام إلى الناتو أربع مرات، ويبدو أنّ الهدف كان جعل روسيا ذلك العدو الخيالي؛ لتبرير هيمنة الولايات المتحدة على أوروبا.

ومع التوسع في عضوية الناتو، نجحت واشنطن منذ العام 1999 في دفع حدود هيمنتها شرقًا لأكثر من 1000 كيلومتر؛ لتشمل عددًا كبيرًا من دول أوروبا الشرقية، كما وعدت أوكرانيا وجورجيا وأعضاء آخرين في رابطة الدول المستقلة (CIS) بعضوية الناتو، ما شكل تهديدًا واقعيًا على روسيا، خاصّة وأنّ دولة مثل لاتفيا، التي تشترك مع روسيا بخط حدودي يبلغ نحو 300 كيلومتر، قد انضمت للناتو، وباتت عضوًا فاعلًا فيه، وكذلك بولندا.

هذه المعضلة الأمنية التي تسببت فيها العقلية الأمريكية، وتفاقمت جراء الجموح الروسي، ما كانت لتحدث، بحسب عضو الكونجرس الأمريكي السابق، تولسي غابارد، إذ وعد الرئيس جو بايدن، بعدم قبول انضمام أوكرانيا إلى الناتو، لكنه لم يفعل؛ لأنّ الولايات المتحدة تبحث عن مبرر لفرض عقوبات على روسيا، ويمكنها أن تستفيد من الحرب؛ لإنعاش المجمع الصناعي العسكري الأمريكي، وبالتالي حرضت كييف على تهديد العمق الجيوستراتيجي الروسي، قبل أن تتركها وحدها تدفع الثمن.

وعليه، وبينما تسعى معظم دول العالم للمساعدة على تحقيق تسوية سلمية للصراع، تضع واشنطن الحواجز في طريق المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا، بما في ذلك إصرارها على تقديم مساعدات عسكرية ضخمة للثانية، وإجبار المزيد من الدول الأخرى على فرض عقوبات صارمة على روسيا.

يطرح الواقع القائم على الأرض سؤالًا حول كيفية الخروج من الأزمة، في ظل الإصرار الأمريكي على الذهاب بالصراع نحو نهاية بعينها، كشف عنها وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن، حين قال: إنّ الولايات المتحدة تأمل في أن "يُضعف" الصراع روسيا. مضيفًا: "لقد فقدت روسيا بالفعل الكثير من القدرات العسكرية والكثير من قواتها، بصراحة تامة، نريد أن نرى أنّها لا تملك القدرة على إعادة إنتاج هذه القدرة بسرعة كبيرة".

وبحسب أوميت ألبرين، المحلل في مركز أنقرة التركي للسياسة، فإنّه: "بدلاً من تهدئة هذه الأزمة أو حلها من خلال الدبلوماسية، بدأت الولايات المتحدة تتلاعب بها أكثر قليلاً". وأضاف ألبرين: "تريد الولايات المتحدة على الأرجح استمرار الصراع، وهذه هي نيتها منذ البداية".

ودون شك، فقد تحقق جزء غير قليل من الهدف الأمريكي، في ظل تراجع الجيش الروسي على الأرض، وانسحابه الأخير من خيرسون، لكنّ أوكرانيا دفعت بالقابل ثمنًا باهظًا من الخراب والتدمير، وأوروبا بالمثل، دفعت ثمنًا من رفاهية شعبها، ووقعت تحت ضغط الاحتياج لمصادر الطاقة، وكذا إيواء النازحين من الجحيم الأوكراني، ما قد يدفع تجاه حل أوروبي / روسي منفرد، بعيدًا عن واشنطن، إن طال أمد الحرب.

تراجع الهيمنة الأمريكية

بعيدًا عن الحلفاء التقليديين، فإنّ أكثر من 140 دولة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، لم تشارك في العقوبات ضد روسيا، الأمر الذي كشف إلى حد بعيد مدى ترهل السياسة الأمريكية في العقد الأخير، في ظل رغبة غالبية دول العالم في الحفاظ على استقلاليتها في صنع السياسات الخاصّة بها، بعيدًا عن الولايات المتحدة وحلفائها، وبالتالي تصدت تلك الدول لمحاولات الولايات المتحدة لجرها إلى دائرة الصراع، مما يشير إلى تراجع قوة ونفوذ الولايات المتحدة، خاصّة في مجال نفوذها الحيوي التقليدي في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.

ويعتقد دانيل بوشكوف، الخبير في مجلس الشؤون الدولية الروسي، أنّ جميع الدول الأخرى خارج التحالفات التقليدية للولايات المتحدة، باتت مدفوعة بمنطق أوسع للسعي وراء المصلحة الذاتية؛ فبدلاً من محاولة تبرير الصدام مع روسيا على أنّه صراع بين الليبرالية والقيادة الاستبدادية، طورت العديد من هذه الدول أفق التعاون مع روسيا، سواء في الطاقة أو التجارة أو الزراعة أو مجال التعاون العسكري. وتابع بوشكوف: "إنّهم أقل استعدادًا للمخاطرة بمصالحهم، مقابل بعض الأهداف الغامضة المتمثلة في الدعوة إلى الليبرالية والديمقراطية العالمية، والتي انُتهكت أيضًا في بعض الحالات من خلال سياسات الولايات المتحدة في: العراق وأفغانستان و سوريا وما إلى ذلك".

لا شك في أنّ الحياد الذي تحافظ عليه معظم دول العالم، وجه ضربة للولايات المتحدة قوية والدول الغربية المتحالفة معها، التي اعتادت على تحديد الموقف الجيوسياسي الذي يجب على الدول الأخرى اتخاذه، بناء على توجيهات واشنطن، لكن الأزمة أظهرت أنّه لم يعد بإمكان الولايات المتحدة حشد الدعم لسياساتها على نطاق واسع، كما كان تفعل أثناء الحرب الباردة وبعدها. هذا الطرح يؤكد عليه فريد زكريا، المذيع الشهير في شبكة سي إن إن الأمريكية، في تصريحات خاصّة لــ "واشنطن بوست"، لفت فيها إلى أنّ الصراع الحالي في أوكرانيا يمثل بداية لحقبة ما بعد أمريكا، وأكد كذلك أنّ مفهوم السلام الأمريكي في العقود الثلاثة الفائتة قد انتهى إلى حيث لا رجعة، والإشارات كثيرة، بحسب زكريا، فقادة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، الذين اعتمدوا على واشنطن في تحقيق أمنهم لعقود، يرفضون الآن ترتيب مكالمات مع الرئيس الأمريكي جو بايدن، وحتى الهند، الشريك الرئيسي الذي تسعى الولايات المتحدة لجذبه، رفضت أن تحذو حذو واشنطن في إدانة ومعاقبة روسيا، رغم التحذيرات المتكررة من الأخيرة، وكذلك فعلت باكستان.

لقد أظهرت الأزمة بوضوح شيخوخة السياسة الخارجية الأمريكية، وكشفت مدى هشاشة أطواقها الاستراتيجية الكلاسيكية، وحتى التهور العسكري الروسي، ربما أفصح ضمن دلالاته عن سقوط هيبة واشنطن في مجالها الحيوي الأوروبي، بحيث أصبحنا على أعتاب عالم يخطو أولى خطواته، نحو حقبة ما بعد هيمنة القطب الأوحد.