Menu

في ذكرى انهيار الاتحاد السوفييتي وصعود روسيا كقطب أعظم في السياسة الدولية

محمّد جبر الريفي

بانهيار الاتحاد السوفييتي في عهد الرئيس غورباتشوف، في مثل هذه الأيام قبل أكثر من ثلاثة عقود؛ تشكلت في الواقع مرحلة جديدة في السياسة الدولية، حيث انتهت بهذا الانهيار الحرب الباردة بين النظامين الاشتراكي والرأسمالي، وكان من نتائجه على المستوى الدولي؛ تراجع الصراع الطبقي، باعتباره يشكل التناقض الرئيسي ليحل محله الصراع القومي، بهدف تحقيق المصالح الحيوية بين الدول العظمى. أما على صعيد دول العالم الثالث، فقد فقدت حركات التحرر الوطني نصيرها الأقوى الفاعل في إطار النضال ضد الهيمنة الاستعمارية، مما أتاح للإمبريالية العالمية بقيادة الولايات المتحدة؛ التغول في معاداتها للأنظمة الوطنية والتقدمية التي تسعى للتحرر الكامل و للخلاص من علاقات التبعية للنظام الرأسمالي، حيث مارس القطب الأمريكي الأوحد العدوان، بذريعة مكافحة الإرهاب الدولي الذي هو في الأصل من صنع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية؛ فقام باحتلال أفغانستان والعراق، في وقت يتم فيه تعزيز العلاقة مع الكيان الصهيوني الذي هو أول الدول التي تمارس الإرهاب باغتصابه وباحتلاله للأرض الفلسطينية؛ عدا عن الإرهاب الذي يمارسه المستوطنون ضد المواطنين العزل...

في مجريات  السياسة الدولية لم تستمر الولايات المتحدة الأمريكية؛ تشكل القطب الأوحد، فقد تراجع دورها السياسي في العالم في الأعوام الماضية بسبب سياسات الإدارة الأمريكية السابقة برئاسة ترامب القومية العنصرية التي جعلت واشنطن، في خلاف حتى مع أقرب الحلفاء الأوروبيين، كما كان سبب التراجع في الدور السياسي الأمريكي، خاصة على المستوى الإقليمي؛ ظهور أقطاب دوليين جدد، فيما يسمى بعصر تعدد الأقطاب كالاتحاد الأوروبي الذي يضم في عضويته كلًا من بريطانيا وفرنسا من الأعضاء الخمسة الذين لهم حق الفيتو في مجلس الأمن الدولي، ومن الأقطاب أيضًا الصين وروسيا إضافة إلى تعاظم القوة الاقتصادية لكل من اليابان وألمانيا التي توحدت بسقوط جدار برلين...

أما في الحقبة الزمنية الحالية، فهي تتميز بصعود روسيا الاتحادية السلافية الأرثوذكسية، وهي بخلاف الاتحاد السوفييتي الشيوعي المنهار؛  تتميز بحجمها البشري وموقعها الجغرافي في شرق أوروبا، وعلى تخوم آسيا كقطب أعظم في السياسة الدولية،   ولترث موقع الاتحاد السوفييتي السابق في كل قدراته؛ خاصة منها القوة النووية التي أرهبت الغرب الرأسمالي وجعلت الولايات المتحدة؛ عاجزة عن الرد المباشر للدفاع عن أوكرانيا في مواجهة الجيش الروسي في الحرب الدائرة الآن على الأرض الأوكرانية والاكتفاء بتقديم المساعدات العسكرية وفرض عقوبات اقتصادية هي وحلف الناتو، وما أشيع أيضًا عن أسلحة إسرائيلية وصلت إلى كييف العاصمة الأوكرانية..

وفي الشرق الأوسط الذي يشهد بعض بلدانه، خاصة العربية منها؛ أزمات طاحنة على خلفية اقتصادية واثنية؛ تلعب روسيا الاتحادية فيه دورًا سياسيًا وعسكريًا للدفاع عن الدولة الوطنية في مواجهة المعارضة اليمينية المسلحة، خاصة في الأزمة السورية.. لقد أعاد الصراع في سوريا طبيعة العلاقة التي كانت قائمة بين الاتحاد السوفييتي السابق والأنظمة الوطنية العربيةَ؛ ففي مقابل تدخل كل من الكيان الصهيوني والولايات المتحدة وتركيا إلى جانب المعارضة اليمينية والتنظيمات الإسلامية الإرهابية كداعش والنصرة وغيرهما، في الأزمة السورية؛ وقفت روسيا إلى جانب  النظام السياسي ولولا ذلك لما استطاع أن يبقى هذا النظام الوطني صامدًا؛ طيلة هذه المدة؛ محافظًا بذلك على موقف سوريا القومي، فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وعدم الانجرار وراء الدول العربية المعترفة والمطبعة مع الكيان الصهيوني.