Menu

نقض مفهوم الاختيار في الميثيولوجيا اليهوديّة

الدكتور سامي الشّيخ محمّد

(هل الإسرائيليون شعب الله المختار؟!)

أكاديمي وباحث فلسطيني

مقدّمة:

تكمنُ مشكلةُ اليهودِ أساساً في كتابِهِم الّذي يُسمّونهُ " العهد القديم " ، على ألاَّ يُفهَم من ذلك خِلوّ هذا الكِتاب من وجود بعض الأفكار والمبادئ الدّينيّة والأخلاقيّة السّامية ، بوصفِها أفكارَ ومبادئ إنسانيّة تنسجمُ مع أفكار ومعتقدات الأمم والأقوام غير اليهوديّة . إلاَّ أنَّ وجودَ كَمّ ليسَ بالقليلِ من النّصوص سيّئة الذّكر المنسوبة إلى اللهِ زوراً، ينطوي على إفساد شخصيّة الإنسانِ اليهوديِّ من النّاحية الاجتماعيّة والإنسانيّة والأخلاقيّة ، ويُدخلهُ في تناقضٍ مربكٍ وصراعٍ عنيفٍ بين شروط ومقتضيات الواقع الاجتماعي المعاش، والأفكار والنّصوص العقديّة المستمدّة من الشّريعة اليهوديّة (العهد القديم)، ناهيكَ عن التسبّبِ في كراهيةِ اليهودِ من قِبَلِ الأمم والشّعوب غير اليهوديّة ، واستغلال المُنظّمة الصّهيونيّة العالميّة تلكَ النّصوص في بنائِها السّياسي والأيديولوجي في صراعِها مع الشّعوب غير اليهوديّة في العالم . فالقول بأنَّ اليهودَ وحدَهُم شعبُ الله المختار ، وبأنَّ وجودَ النّبوّة والقداسة لدى الإسرائيليّين لا يتعارضُ مع فسادهِم الأخلاقي والعرقيّ والدّينيّ ، وبأنَّ لهُم الحقَّ بملكيّة الأرض الممتدّة من الفراتِ إلى النّيل وتشمل : العراق ، وسوريا، ولبنان ،وفلسطين ،والأردن ، و مصر ، بموجبِ وعدٍ إلهيٍّ صادرٍ عن الله لهُم، وبأنَّ أقوامها وشعوبها غير اليهوديّة أدنى مرتبة من اليهودِ وبأنَّهُم عُرضةٌ للاستباحةِ والقتلِ على أيديهم، واعتبار ذلكَ عملاً مُقدّساً من النّاحية الدّينيّة . يُنتجُ بالضّرورةِ ضروباً من الحقدِ والكراهيةِ والانتقام ، وهذهِ نتيجةٌ طبيعيّةٌ للأفكارِ والسّلوكِ اليهوديين المُستمدّين من النّصوص الرّديئةِ في العهدِ القديم .

إنَّ كراهيةَ العالم لليهودِ المؤمنين بتلك الأفكار شيءٌ طبيعيّ ، لكنَّ أفكارَ اليهود ومعتقداتهم وممارساتهم العنصريّة الفاسدة هو الشّيء غير الطّبيعيّ . فالكراهية بهذا المعنى نتيجةٌ وليست سبباً ، وما لم يزُل السّبب لن تزولَ النّتيجة المرتبطة به . والسّؤال: ما السّبيل لزوال كراهية اليهود وإعادة الاعتبار لهم كغيرِهِم من النّاس بوصفهم بشرا ينحدرون من ذرية أب البشرية آدم عليه السلام ؟! . لعلَّ السبيل الوحيد لتحقيقِ ذلكَ يكمُن في الشّروع بإعادة النّظرِ في أسفار العهد القديم وإزالة جميع النّصوص الّتي تنطوي على أفكارٍ رديئةٍ وعنصريّة وفي مُقَدَّمَتِها النّصوص المتعلّقة بالاختيار والوعد والإرهاب بوصفها أفكاراً ميثولوجيّة تسيءُ للشّخصيّة اليهوديّة في أبعَادِها الرّوحيّة والأخلاقيّة والإنسانيّة ، بغية تقديم كتابٍ دينيٍّ يرتكزُ على المبادئ الأخلاقيّة والرّوحيّة الإنسانيّة الأصيلة ، وهذا الجهدُ يقعُ على عاتقِ اليهود الرّاغبين في التّحرّر من ربقةِ الأفكار الدّينيّة الفاسدةِ الّتي تسيء لهُم ولدينِهِم على حدٍّ سواء ، ويأتي ذلكَ في السّعي لتأسيس نظرةٍ إنسانيّةٍ جديدةٍ تفضي إلى احترامِ وتقدير الشّخصيّة اليهوديّة كغيرها من الشّخصيّات الإنسانيّة : المسيحيّة والإسلاميّة والبوذيّة والكونفوشيّة ..وغيرها .

حقّاً يحفلُ العهد القديم بالكثير من النّصوص الدّينيّة الّتي تؤكّد تزوير كَتَبَةِ الشّريعة اليهوديّة كلام الله وأوامرهِ ورسومهِ ووصاياه . في مقابلِ نصوص دينيّة رائعة تُظهرُ الحرص على التّقوى والإيمان باللهِ والحكمِ بالعدل حِيالَ الأرملةِ والغريبِ واليتيم ، وتنهى عن ارتكاب المعصيةِ والفاحشةِ وجميعِ الآثام ، والتّعَفُّفِ عن الطّمعِ بأملاكِ الآخرين ، باعتبارِها أملاكاً لا حقَّ لهُم فيها على نحو ما فعلهُ إبراهيم و إسحق ويعقوب وداود. وعلى نحو ما يكتنزُ به سفر يشوع بن سيراخ من حكمة وموعظة ، وحضٍّ على العفّةِ والتّقوى ، وما ينطوي عليه سفر أيّوبَ من فضيلةٍ وتقوى وإيمان وقدرةٍ هائلةٍ على احتمال الألم والصّبر في سبيل مرضاة الله .

والسّؤال : لِمَ يتعيّن على اليهود إعادة النّظر في عقيدتِهِم ، بينما يُستَثنى المسيحيّون والمسلمونَ من ذلك ؟! الإجابةُ ببساطة : إنَّ العقيدة الوحيدةَ بين العقائد الدّينيّة، الّتي فيها ذِكرٌ صريحٌ للفساد العرقي والدّيني والأخلاقي للشّخصيّات الدّينيّة، وتكريسٌ للعنصريّة والحضّ على انتهاكِ كرامةِ الآخرِ واستباحةِ دمه وماله وعرضه وممتلكاته، هي العقيدةُ اليهوديّة . فالمسيحيّة رغمَ أنّها عقيدةٌ مكتوبةٌ بواسطةِ تلامذةِ السيّد المسيحِ وبعض الرّسل إلاَّ أنّها التزمت التزاماً كليّاً بالحضّ على قيم الخيرِ والإيمان والتّقوى ونبذ الرّذيلة والعنف وتنزيهِ الصّورة الدّينيّة والأخلاقيّة للسيّد المسيحِ والمؤمنين برسالته . كذلكَ العقيدة الإسلاميّة، تُنزّه جميع الشّخصيّات الدّينيّة من الأنبياء والرسل عن الفاحشةِ والسّوء منذ آدمَ حتّى مجيء الإسلام ، والمساواة التّامة بين جميعِ المؤمنين من مختلف الدّيانات السّماويّة ، واحترامِ كرامةِ الإنسان ، وتحريم القصاص غير العادلِ تحريماً مطلقاً ، ومقاومةِ الشّرِّ بكلّ أنواعه. ناهيك عن كون الله فيها إلهاً عامّاً لجميع البشر والمخلوقات كما هو في المسيحيّة ، وليس إلهاً لجماعةٍ عرقيّةٍ بعينها ، كما هو في اليهوديّة . . فهل سنشهدُ ولادةً جديدةً للعهدِ القديمِ بكلِّ ما تحملهُ الولادةُ الجديدةُ من معنى ؟؟؟!!!.

ستتناول هذه الدّراسة مناقشة وتفنيد المزاعم اليهوديّة بأنَّ اليهود شعب الله المختار الموعود ، والكشف عن المضامين الإرهابيّة في تلك العقيدة . فالاختيار والوعد والإرهاب رؤوس مثلّث الشّرّ في العقيدة اليهوديّة ، الّتي يُعَدُّ زوالُها شرطاً ضروريّاً لتنقيتها من الشّوائب والتّزييف الّذي ألَمَّ بها بفعلِ قَلَم الكتَبَةِ الكاذب ، طبقاً لتأكيداتِ النّبيّ إرميا بهذا الشّأن . فتنقيةُ العقيدة اليهوديّة من المزاعم المنسوبة إلى الله فيها ، وتجاوز المفهوم العرقيّ لله ، بحيث يغدو مفهوماً إنسانيّاً وكونيّاً ، كما هو عليه الحال في العقيدتين المسيحيّة والإسلاميّة ، يُعَدُّ عملاً مُهِمَّاً في السّعي لإنتاج شخصيّة يهوديّة إيمانيّة إنسانيّة تحظى باحترام وتقديرِ الأمم والشّعوب لها ، لتنتهي بذلكَ ضروب الحقد والكراهيةِ الّتي لازَمَتهَا قروناً طويلةً من الزّمن .

نقض الاختيار:

هل الإسرائيليّون شعب الله المختار؟!

يزعم الإسرائيليّون وأتباعُهُم بأنَّ فلسطين وما حولها -[الأرض الممتدّة من الفرات إلى النّيل وتشمَل : العراق و سوريا ولبنان والأردن وفلسطين ومصر ]- ملكٌ لليهود بموجب وعدٍ إلهيٍّ صادرٍ لإبراهيم وذرّيّته من بني إسرائيل ، بميراثِ تلك الأرض على حساب أهلها، وتشريعِ قتلِهِم وطردِهِم مِنها، باستثناءِ من يَقبَل بالخضوع التّام لِبَني إسرائيل ، انطلاقاً من النّصوص الكتابيّة للعهد القديم (التّوراة).

ولتفنيد المزاعم الإسرائيليّة بميراث الأرض العربيّة المذكورة ، فإنّنا سنكتفي بالعودة للنّصوص التّوراتيّة والكتابيّة للعهد القديم دون غيرها من المصادر التّاريخيّة غير اليهوديّة ، للعديد من الاعتبارات ، أبرزُها : أنَّهُ لن يكون أثرٌ ذي جدوى لأيٍّ من الحجج والبراهين الّتي تثبتُ كذبِ الإسرائيليّين وبُطلانِ مزاعِمِهِم بميراثِ الأرضِ العربيّةِ آنفةِ الذّكر ، سواءٌ على اليهود وأَتباعِهِم أو على أنصارهم في الدّول والمجتمعات المتعاطفة معَهُم والمنحازةِ إليهم في صراعهم مع الفلسطينيين والعرب والمسلمين ، إذا كانت مصادر تلك الحجج والبراهين غير كتابيّة لا تعود لأسفار ونبوءات العهد القديم ،على اعتبار أنَّ عالم اليوم يخضعُ خضوعاً مباشراً وغيرَ مباشرٍ للهيمنةِ الصّهيونيّةِ الإمبرياليّةِ الأمريكيّة ، لذا فإنَّ تفنيد المزاعم الصّهيونيّة بامتلاك اليهود الحقّ في إنشاء دولة يهوديّة على الأرض العربيّة في فلسطين ترفعُ علم " أرضُك يا إسرائيل من الفرات إلى النّيل " ، انطلاقاً من تسليمِها بصدقيّة النّصوص الكتابيّة للعهد القديم ، لن يكون مجدياً بالقدْر المطلوب إلاّ إذا انطلقنا من النّصوص الكتابيّة للعهد القديمِ في مسعىً لكشف زيف وبطلانِ الوعد الإلهي لبني إسرائيل القائمِ على فكرةِ الاختيارِ الّتي بنقضِها تُنقَضُ فكرة الوعد كذلك . فحتّى يكون خطابُنا مؤثّراً ينبغي له أن يستمدَّ عناصر تأثيره من ثقافة القوّة المهيمنة في عالم اليوم .

من هنا يمكننا كشف حقائق التّاريخ وعرضها أمام العالم خدمةً لقضايانا الوطنيّة والقوميّة في صراعنا مع العدوّ الصّهيونيّ والقوى المؤازرةِ لهُ . وبالدّخول إلى المسألة موضوع البحث سنكتفي بتناول بعض أبرز الشّخصيّات التّوراتيّة الّتي لها صلةٌ مباشرةٌ وغير مباشرة بالوعد : ( إبراهيم ،إسحق ، إسرائيل ، داود ) مع الإشارة إلى (يشوع بن نون خادم موسى )، واحتلالهِ الغاشم للعديدِ من المدنِ العربيّةِ الفلسطينيّةِ وغيرِ الفلسطينيّةِ، بدعوى تنفيذه الوعد الإلهي لبني إسرائيل بميراث الأرض الكنعانيّة والأرض الممتدّة من النّيل إلى الفرات بحدّ السّيف ، رغمَ أنَّ هذا الوعد لم يتحقَّق على أيدي أصحاب الوعد أنفُسِهِم ( إبراهيم ،اسحق ،ويعقوب )، و (داود) من بعدهم في المرحلة الّتي تلت غزو (يشوع بن نون ) لفلسطين وفاقاً للنّصوصِ الكتابيّةِ ذاتِها .

أخيراً من الضّروري إبراز صلة الوعدِ بالاختيار قبلَ شروعنا في تناولِ تلكَ الشّخصيّات ، على اعتبار أنَّ وعدَ الله لبني إسرائيل بميراث الأرض الكنعانيّة والأرض الممتدّة من الفرات إلى النّيل ، هو نتيجةٌ منطقيّةٌ لاختيار الرّبّ الإله بني إسرائيل كي يكونوا شعباً له . فما لم يثبتُ هذا الاختيار ، لا يعود أيّ قيمةٍ للوعد الإلهيّ المذكور .

صلةُ الوعدِ بالاختيار :

لا أحد من الإسرائيليّين الصّهاينة يُعارضُ القول بأنَّ فكرة الوعد الإلهي لهم بميراث الأرض العربيّة من النّيل إلى الفرات، قائمةٌ في أساسِها على فكرة الاختيار ، اختيار الله لإسرائيل وذرّيّته كي يكونوا شعباً له دون سائر الشّعوب والأمم ، ذلك الاختيار الّذي خصَّ الله به إبراهيم واسحق وإسرائيل وذرّيته من بعده والّذي بمقتضاه أصدر وعده لهم بأن يجعل أرض كنعان في فلسطين والأرض الممتدة من الفرات إلى النّيل ميراثاً أبديّاً لهم ولنسلهم أبدَ الدّهر . غير أنَّ اختيارَ الرّبِّ الإله لبني إسرائيلَ كي يكونوا شعباً له ، كان اختياراً مشروطاً بحفظِهِم وصاياه والعمل برسومه وأحكام شريعته ، وهو ما لم يتحقّق من النّاحيةِ الواقعيّة تاريخيّاً، مِمّا يُحَتّمُ بالضرورة بطلان ذلكَ الوعد جملةً وتفصيلاً .

فهاهما ابنتا لوطٍ بن هاران ،تقترفانِ خطيئةً تستحقّانِ عَلَيها غضب و لعنة وهلاك الله وليسَ رحمتهُ ومباركتهُ ، فزناهُما بأبيهمِا لوطٍ وإنجابِهِما منه خطيئةٌ لا تقلّ فداحةً عن خطيئة قوم لوط في سدوم وعمّورة ، وهي خطيئةٌ أكبر بكثير من تلك الّتي استحقّ حام وولده كنعان غضب ولعنة نوح عليهِما بسببِها وحرمانهما من بركته ،بسبب مشاهَدةِ سوءَتِهِ وهو عريانٌ في خِبائِه [سفر التّكوين ، الفصل التّاسع : 21، 22، 23، 24، 25، 26، المجلّد الأوّل ،العهد العتيق ، الكتاب المقدّس ، دار المشرق ، بيروت ، 1986] والسّؤالُ: ألا يُعدُّ كشفُ ابنتي لوطٍ سوءَة أبيهِما واقترافِهِما فعل الزّنا به ، إثماً وخطيئةً يَستوجِبانِ عقوبة الموت وليس الرّحمة والنّجاة الّلتين كان ملاكا الرّبِّ قد وهباهُما لهما مع أبيهما ؟ إنَّ استثناءَ ابنتي لوطٍ من إثم المدينة بوصفهما ابنتين فاضلتين يتضاددُ مع النّتيجة الّتي انتهتا إليها من ناحية ، ومع مبدأ اصطفاء الرّبّ لهما من دون أهالي المدينتين الآثمتين سدوُم وعمّورة والبقاع المحيطة بهِما من ناحيةٍ أخرى : " فلمّا كان عند طلوع الفجر ألحَّ الملاكان على لوطٍ قائِلَينِ قم فخذ امرأتك وابنتيك الموجودتين لِئَلاّ تهلِكَ بإثم المدينة " [ تكوين 19 : 15].

بعد ذلكَ لم يكُن من ابنتي لوط إلاَّ الشّروع باقترافِ إثم لا يَقِلُّ سوءاً عن إثم المدينة الهالكة :" فقالت الكبرى للصّغرى إنَّ أبانا قد شاخَ وليس في الأرض رجلٌ يدخلُ علينا على عادة الأرضِ كلّها . تعالي نسقي أبانا خمراً و نُضاجِعَهُ ونقيمُ من أبينا نسلاً . فسَقَتَا أباهُما خمراً تلك الَّليلةَ وجاءتِ الكُبرى فضاجعت أباها ولم يَعلَم بنِيِامِهَا ولا قيامها. فلمّا كان الغد قالت الكبرى للصّغرى هاءَنذا ضاجعتُ أمسِ أبي فلنَسقِهِ خمراً الليلةَ أيضاً وتعالي أنتِ فضاجعيهِ لنُقيمَ من أبينا نسلاً . فَسقَتا أباهما خمراً تلك الَّليلةَ وقامت الصّغرى فضاجَعَتهُ ولم يعلم بنِيامِها ولا قِيامِها . فَحَمَلت ابنتا لوطٍ من أبيهِما " [ تكوين19 : 31، 32، 33، 34، 35، 36].

وهذا إبراهيم يحتال على أبميلك وفرعون بإنكاره أنَّ سارة امرأته خوفاً على نفسه وعليها من ناحية ، ولينالَ حظوةً في عيني الملك بسببها رغم أنّه نبيّ مُختار :" فلمّا قارب أن يدخُلَ مِصرَ قالَ لساراي امرأَتَه أنا أعلم أنّك امرأةٌ جميلةُ المنظر ، فيكون إذا رآك المصريّون أنَّهُم يقولون هذهِ امرأتهُ فيقتلونني ويستبقونَكِ . فقولي إنّكِ أختي حتّى يُحسَنُ إليَّ بسببكِ وتحيا نفسي من أجلكِ . ورآها رؤساءُ فرعونَ ومدحوها لدى فرعونَ فأُخِذَت المرأةُ إلى بيتهِ . فأحسنَ إلى أبرام بسببها فصارَ لهُ غنمٌ وبقرٌ وحميرٌ وعبيدٌ وإماءٌ وأُتُنٌ وجِمالٌ . فضربَ الرّبُّ فِرعونَ .. فاستدعى فرعونُ أبرامَ وقالَ لهُ ماذا صنَعتَ بي لِمَ لم تُعلمني أنّها امرأتُكَ . لِمَ قُلتَ هي أُختي حتّى أَخذتُها لتكون امرأةً لي " [ تكوين12: 11، 12، 13، 15، 16، 17، 18، 19 ] ، :" وقال إبراهيم عن سارةَ امرأته هي أختي .. فلمّا رحّلني الله من بيت أبي قُلتُ لها هذا برُّكِ الّذي تصنعينهُ إليّ . حيثما دخلنا فقولي عنّي هو أخي " [ تكوين20 :2 ، 13].

كذلك إسحق يقترفُ الكذبَ ، بزعمهِ أنَّ امرأتَهُ رفقةَ بِنْتِ بتوئيل الأرامي أُختِ لابان الأرامي أختٌ له ، في حضرة أبميلَك ملك فلسطين في جرَارَ ، رغم تجلّي الرّبِّ له ، وظفره بالبركة والوعد والعناية منه :" وسأله أهل الموضع عن امرأته فقال هي أختي لأنّهُ خاف أن يقولَ امرأتي قالَ لَئِلاَّ يَقتُلَني أهل المكان بسبب رِفقةَ لأنّها كانت جميلةَ المنظر " [تكوين26: 7 ] .

كذلك يعقوب (إسرائيل) يقترف فِعلَي الكذب والسرّقة بمشورة أمّهِ رِفقة الّتي تجلّى الرّبُّ لها في لحظةٍ من لحظات حملِها : " فقال لها الرّبُّ إنَّ في جوفكِ أمّتين ومن أحشائكِ يتفرّعُ شعبان . شعبٌ يقوى على شعب وكبيرٌ يُستَعبدُ لصغير " [ تكوين25 : 23]، وكانت رفقةُ أحبّت يعقوب بينما أحبَّ إسحق عيسو ، فطلب إسحق من ولده عيسو أن يَخرجَ للصّيد ليُحضِرَ له صيداً فيأكله ويُباركهُ قبل موته :" وكانت رفقةُ سامعةً حينَ كلَّمَ إسحق عيسو ابنه .. فكلّمت رفقةُ يعقوبَ ابنَها قائلةً إنّي قد سمعتُ أباكَ يُكلِّمُ عيسو أخاكَ قائلاً اِئتِني بصيدٍ وأَصلِح لي ألواناً فآكلُ منها وأُبارِكُكَ أمام الرّبِّ قبل موتي . والآن يا بُنيّ اسمع لقولي فيما آمُرُكَ به . امض إلى الغنم وخُذ لي من ثَمَّ جديين من المعزِ جيِّدين فأُصلِحُهُما ألواناً لأبيك كما يُحِبّ فتُحضِرُها إلى أبيكَ ويأكل لكي يُبارِكُكَ قبل موته . فقال يعقوبُ لرِفقةَ أُمِّهِ إنَّ عيسو أخي رَجُلٌ أشعَرُ وأنا رَجُلٌ أملسُ . فلعلَّ أبي يَجُسَّني فأكون عنده كالسّاخِرِ منه وأجلبُ على نفسي لعنةً لا بَرَكة . قالت له أمّهُ عليَّ لَعنَتُكَ يا بُنيَّ إنّما اسمع لقولي وامضِ وخُذ لي ذلك .. وأخذَت رفقةُ ثياب عيسو ابنها الأكبر فألبسَتها يعقوب ابنها الأصغر وكست يديهِ وملاسةَ عُنُقهِ بجلدِ المعز .. فقال يعقوب لأبيه أنا عيسو بِكرُكَ قد صَنَعتُ كما أمرتني قُم فاجلس وكل من صيدي لكي تُبارِكني نَفسُكَ .. فتقدّمَ يعقوب إلى إسحق أبيه فجسّهُ وقال الصّوتُ صوتُ يعقوب ولكنَّ اليدين يدا عيسو ولم يُثبِتهُ لأنَّ يديهِ كانتا مُشعرّتين كيديّ عيسو فباركه . وقال هل أنت ابني عيسو قال أنا هو ، فقال قدّم لي حتّى آكُل من صيدِ ابني لكي تُبارِكُكَ نفسي .." [تكوين27: 6، 7، 8، 9، 10، 11، 12، 13، 15، 16، 18، 19 ، 22، 23، 24، 25].

إنَّ مكيدة رفقة وابنها يعقوب في الكذب على إسحق ،وسرقة البركة من عيسو، تُظهرُ حجم الخطيئة الّتي اقترفاها، وتناقض ذلكَ مع مبدأ الاختيار الّذي خصَّ به الرّبُّ إبراهيم و إسحق وذرّيّتهما من بعدهما .

لقد ارتذل بنو إسرائيل بالخطيئة إذ نفثت سمومها على أكابر القوم وعامّيه ، فأوّلُ جريمة زناً سُجِّلَت في بيتِ إسرائيل تمّت على يد رأوبين بن إسرائيل وليئةَ، ببلهة امرأة أبيه وأمّ أخوته من أبيه دان ونفتالي ،دون أن يُقام عليه حدُّ الزّنا:"وحدثَ إذ كان إسرائيلُ ساكناً في تلكَ الأرض أنَّ رأوبين ذهب فضاجع بلهةَ سريّةَ أبيهِ . فسمع بذلك إسرائيلُ وكان بنو يعقوبَ اثني عشر " [تكوين35: 22] .
كذلك يهوذا بن إسرائيل وليئة يسعى للزّنا ، فيزني في كنَّتِهِ فَتُنْجِب منه توأمين هما فارص وزارح الأمر الّذي يُعدُّ انتهاكاً لوصايا الله وتعاليمه ونفياً تامّاً لفكرة اختيار الرّبّ لبني إسرائيل كيّ يكونوا شعباً له :" فرآها يهوذا فحسِبَهَا بَغيَّاً لأنّها كانت مُغَطّيةً وجهَهَا . فمالَ إليها إلى الطّريق وقالَ هَلُمَّ أَدخُلُ عليكِ لأنّهُ لم يَعلمْ أنَّها كَنَّتَهُ . فقالت ماذا تُعطيني حتّى تدخُل عليَّ .قال أبعثُ بِجَديِ مَعزٍ من الماشيةِ . قالت أعطني رَهناَ إلى أن تَبْعَثَ .. فأعطاها ودَخلَ عليها فعَلِقتْ منه " [تكوين38: 15، 16، 17، 18] .
ولم ينتهِ الأمر ببني إسرائيل عند هذا الحدِّ من الخطيئة فقد ائتمروا على قتل أخيهم يوسف حسداً منه لِحُلمٍ كان قد رآه في منامه ،والكذب على أبيهم بأنَّ وحشاً ضارياً قد افترسه، الأمر الّذي يتناقض مع فرضيّتي الاختيار والوعد الإلهيّين تناقضاً تامّاً : [تكوين 37 : 5 ، 6 ،7، 8، 9، 10، 11] ، " فلمّا رأوهُ عن بُعدٍ قَبلَ أن يَقرُبَ منهُم ائتِمروا عليه ليقتلوه .فقال بعضُهُم لبعض .. تعالوا نقتله ونطرحهُ في بعض الآبارِ ونقولُ أنَّ وحشاً ضارياً افترسهُ ونرى ما يكونُ من أحلامه " [ تكوين37 : 18، 19، 20 ].

وتتوالى خطايا بني إسرائيل في الأجيال المُتعاقِبة لتتأكّد حقيقة اختيار الرّبِّ لَهُم للّعنة والهلاك ، لا للنّعمة والخلاص والفلاح ، بفعل أفعالهم الشّائِنَةِ أخلاقيّاً وخروجهم الْمُتَعَمَّد عن وصايا الله وشريعته : " فقال الرّبُّ لموسى إلى متى تأبونَ أن تحفظوا وصاياي وشرائعي " [خروج16 : 28]. لقد وضعوا الرّبَّ تحت التجربة والاختبار ، وتذمّروا من نبيّه موسى وتمرّدوا عليه ، و رَذَلُوا وصاياه :" ..فقال لهم موسى لِمَ تخاصمونني ولِمَ تُجرّبون الرّبّ . وعَطِشَ هناك الشّعب إلى الماء وتذمّروا على موسى وقالوا لِمَ أصعَدتنا من مصرَ لتقتُلَنا وبنينا ومواشينا بالعطَش . فصرخَ موسى إلى الرّبِّ قائلاً ما أصنعُ بهؤلاء الشّعبِ إنّهُم عن قليلٍ يرجمونني " [خروج17: 2، 3، 4 ]، لقد كفر الإسرائيليّون بالله الّذي يُفترَض أَنَّهم شعبه الّذي تتوفّر فيه الطّاعة والإيمان : " فقال الربّ لموسى هلمّ انزل فقد فسد شَعبُكَ الّذي أخرجته من أرض مصر . قد حادوا سريعاً عن الطّريق الّذي أمرتُهُم بسلوكه وصنعوا لهم عجلاً مسبوكاً فسجدوا له وذبحوا له وقالوا هذه آلهتكَ يا إسرائيل الّتي أخرجتك من أرض مصر . قال الرّبُّ لموسى قد رأيت هؤلاء الشّعب فإذا هم شعبٌ قُساة الرّقاب " [خروج 32: 7، 8، 9 ] .

إذاً فأيّ معنىً للاختيار والوعد الّذي يُعَلِّلُ به الإسرائيليّونَ أنفسَهُم ، وَمُعْظَمُهُم كَذَبَةٌ مُحتالونَ ، زُناةٌ ،قَتَلَةٌ ،وكَفَرَةٌ بالله ورسومه ووصاياه .
وهذا داود الملك يقترف الزّنا بامرأةٍ مُتَزَوِّجةٍ من أوريَّا الحِثّيِّ هي بَتْشَابَعُ بنت أليعام مُنتَهِكاً بذلك وصيّة الله لا تزن : " وكان عند المساءِ أنَّ داودَ قامَ عن سريرهِ وتمشّى على سطحِ بيتِ الْمَلِكِ فرأى عن السّطح امرأةً تستَحمُّ وكانت المرأةُ جميلةً جداً . فأرسلَ داود وسأَلَ عنِ المرأةِ فقيلَ لهُ هذهِ بتشابعُ بنتُ أليعامَ فدَخَلت عليه فدَخلَ بِها وَتَطَهَّرت من نَجاسَتِها .. وَحَمَلَتِ المرأةُ فأرسَلت وأخبرت داود وقالت إنّني حاملٌ " [ ملوك2، 11: 2، 3، 4، 5] ، فلم يَكُن من داود سوى إخطار يوآب قائد الجند أن يبعثَ لَهُ أوريّا بقصدِ إرسالهِ إلى بيته كيّ يضطّجعَ مع امرأته فتكون إذا ولَدت تَنسِبَ المولود الّذي عَلِقَ بها من داود إلى بعلها أوريَّا ، لكنّ رفض أوريّا الذّهاب للمبيت في بيته ، حَمَلَ داود على التّخطيطِ لقَتلِه وهو في المعركة :" فَلَمّا كان الصّباحُ كَتَبَ داودُ إلى يؤآب كتاباً وأَرسَلهُ بيدِ أوريّا . وكتَبَ في الكتاب قائلاً وجِّهوا أوريّا حيثُ يكون القتالُ شديداً وارجعوا من ورائِهِ فَيُضرَبَ ويموت " [ملوك2 ،11 : 14، 15 ]، فَقُتِلَ أوريّا فكان دَمَهُ في رقبة داود .

وهذا أمنون بن داود يزني بأُخته تامار ، بعد أن تظاهر بالمرض كي تدخل تامار إلى مخدعه لتَقفَ على خدمته ، عملاً بمشورةِ صاحِبِهِ يوناداب بن شِمعَةَ أخي داوُد :" فقال أمنون لتامارَ أَدخلي الطَّعامَ إلى المخدعِ فآكُلَ من يَدِكِ .. وقدَّمَت لَهُ ليأكُلَ فأمسَكها وقالَ تعالي اضطَجِعي معي يا أُخَيَّةُ ، فقالت له لا تذلُني يا أخي .. فلا تفعل هذهِ الفاحِشةَ .. والآن فَكَلِّم الملك فإنّه لا يَمنعني منك . فأبى أن يَسمَعَ لكلامِها ولكن تَمَكَّن منها وَغَصَبَها وضاجَعَها " [ملوك2،13 : 10، 11، 12، 13، 14] .
وهذا أبشالوم يَقتُلُ أخاهُ أمنون على أيدي غِلمانهِ انتقاماً لأُخته تامار ويّدخُلُ على سُرِّيّاتِ أبيه داود فيَصنَع الفاحِشةَ بِهِنَّ على مشهَدٍ من بني قومِهِ :" .. ودخَلَ أبشالوم على سراري أبيه على مشهدِ جميعِ إسرائيل " [ ملوك2،17: 22].

أمّا سليمان بن داود و بتشابع الّتي كانت زوجةً لأوريّا الحثّي فإنَّه يَرذلُ تعاليم الله ووصاياه بعد أن تجلّى له في الحُلم وأجاب طلبته : [ملوك3 ،3 : 4، 5 ، 6 ، 7 ، 8 ، 9 ، 10، 11 ، 12 ، 13 ،14، 15]، لقد زاغ قلبهُ عن الله فعبد آلهة الأقوام الأخرى : " وكان له سبعُ مئةِ زوجةٍ وثلاثُ مِئَةِ سُرّيَّةٍ فأزاغت نساؤُهُ قَلبَهُ . وكان في زمنِ شيخوخةِ سليمان أنَّ أزواجَهُ مِلنَ بقلبهِ إلى اتّباعِ آلهةٍ غريبةٍ فلم يكُن قلبهُ مُخلصاً للرّبِّ إلهه .. وَتبِعَ سُلَيْمانُ عَشتاروتَ إلهةِ الصّيدونيّين ومِلكومَ رِجسَ بني عمّون . وصنعَ سُليمانُ الشّرَّ في عينيّ الرّبِّ وَلَم يُتِمَّ اقتفاءَهُ للرّبِّ مثلَ داود أبيه . .. فَغَضِبَ الرّبُّ على سُليمانَ حيثُ مالَ قَلبُهُ عن الرّبِّ إلهِ إسرائيل الّذي تَجَلَّى لهُ مرّتين . وأمَرهُ في ذلك ألاَّ يتّبِعَ آلهةً أخرى فَلمْ يَحفَظْ ما أَمَرهُ الرّبُّ بهِ " [ملوك3،11 : 3 ، 4 ،5 ، 6، 9 ، 10].
كذلك مَنَسَّى بنُ حِزقِيّا وولدهِ آمون يَصنَعان الأرجاس ويَعبدان الأصنام من دون الله إلهِ آبائِهِم وأجدادِهم ، ففي مَنَسَّى يَذكُر سفر الملوك الرّابع :" وصنعَ الشّرَّ في عينيّ الرّبّ على حَسَبِ رَجاساتِ الأمم الّذين طَرَدَهُم الرّبّ من وجهِ بني إسرائيل " [ملوك4،21 : 2]، وفي آمون يَذكُر :" وَصَنعَ الشَّرَّ في عينيّ الرّبّ كما صَنعَ مَنَسّى أبوه. وعبدَ الأصنامَ الّتي عَبَدَها أبوهُ وَسَجدَ لها . وتَرَكَ الرّبَّ إلهِ آبائِه ولم يَسلُكْ في طريق الرّبِّ " [ملوك4،21: 20 ، 21 ، 22 ] .
هذا هو حالُ بني إسرائيل في التّوراة اليهوديّة وفي أسفار العهد القديم ، يُقَدِّم الدّليل العمليّ على حجمِ فسادِهِم وضلالِهِم وتعارُضِ ذلك مع القول بأنَّهُم شعبُ الله المُختار ، إلاَّ إذا كان المعنى المقصود للاختيار هو اختيارٌ للضّلالِ والغضبِ واللّعنةِ والهلاك. وهو ما انطوت عليه النّصوصُ التّوراتيّةُ آنفةِ الذّكر وما تنطوي عليه نبوءَةُ النّبي إرميا من تأكيدٍ لهذهِ النّتيجة بشكلٍ واضحٍ لا لبسَ فيه : "هكذا قال ربُّ الجنود إله إسرائيل أَصلِحُوا طُرُقَكُم وأعمالَكم فأُسكِنَكُم في هذا الموضِع . لا تتّكلوا على قول الكَذِبِ قائلينَ هيكلُ الرّبِّ هيكلُ الرّبِّ " [نبوءة إرميا 7 : 3، 4 ] ، : " كيفَ تقولونَ نحنُ حُكماءُ وشريعةُ الربِّ معَنا . إنَّ قَلَمَ الكتَبةِ الكاذِبَ لقد حوَّلَها إلى الكَذبِ . قد خَزِيَ الحُكماءُ وَفَزِعُوا وأُخِذُوا . ها إنَّهُم رذَلُوا كَلِمةَ الرّبِّ فماذا فيهِم مِنَ الحكمة .. لأنَّهُم جميعاً من صغيرهِم إلى كبيرِهِم يحرصون على السُّحتِ وَهُمْ جميعاً مِنَ النَّبيِّ إلى الكاهنِ يأتونَ الزّور " [نبوءة إرميا 8: 8 ، 9 ، 10 ] ، :" فدخلَ فيَّ الرّوحُ لمّا تكلّمَ معي .. فقال لي يا ابنَ البشر إنّي مُرسِلُكَ إلى بني إسرائيل إلى أمم متمرّدينَ قد تمرّدوا عليَّ فقد عصوني هم وآباؤهُم إلى هذا اليومِ نفسهِ " [ حزقيال 2 : 2 ، 3 ] ، : " فأمّا آل إسرائيل فيأبون أن يسمعوا لكَ لأنّهُم يأبون أن يسمعوا لي لأنَّ آلَ إسرائيلَ بأسرِهِم صِلابُ الجباهِ وقساةُ القلوب " [ حزقيال 3 : 7 ] ، : " .. إنَّ إثمَ آلَ إسرائيل ويهوذا عظيمٌ جداً جدّاً وقد امتلأت الأرضُ دماءً وامتلأت المدينةُ عسفاً لأنّهم قالوا إنَّ الرّبَّ قد هجرَ الأرضَ وإنَّ الرّبَّ لا يُرى " [ حزقيال 9: 9] .
ما تقدَّمَ من النّصوص يَكشفُ عن قيام بنو إسرائيل بالكثير من الأفعال والممارسات الشّاذّة والفاسدة كتزوير شريعة الله ، والزّعمِ بامتلاكِ الحكمةِ الحقيقيّةِ الّتي من الطّبيعيّ أن تتوفّر لشعب يزعمُ اختيار الله له ، ناهيكَ عن غضب الله المعلن عليهم نتيجة إنكارِهِم لهُ وتمرّدهم عليه وعلى مبعوثيه من الأنبياء ، و انتهاكِ قداسةِ أحكامهِ ورسومهِ ووصاياه .
فتزوير الكتَبَة الإسرائيليّين كلام الله وشريعته ، يجعل من قضيّتي الاختيار والوعد قضيّتين مشكوكٌ فيهما ، ويؤكّد بطلانهما بما لا يدعُ مجالاً للشّكِّ .

إنَّ التحلّل من وصايا الربّ وتعاليمه ، يُفضي بالضّرورةِ إلى إحلال غضبه وإنزال عقوباته المختلفة على الخارجين عليها ، وبهذا المعنى فلا قداسة لبني إسرائيل لدى الرّبّ طالما أنّهُم لم يلتزموا العمل بشريعته ، بل اللّعنة والهلاك ثمرةً لأفكارهم الفاسدة وأفعالِهِم الشّريرة ، والحال أنَّ ذريّة إسرائيل قد فسدت في الماضي فاستحقّت الدّمار والخراب والقتل بأمر الرّبِّ إله إسرائيل ، إذ اتّخذت آلهةً غير الله فعبدتها، وكذبت ، و زنت ، وقَتَلت ، وسرقت ، وزوّرت ، ولم تحكم بالعدل فلم تُنصف القريب والأرملة واليتيم ، طبقاً لقول النّبيّ إرميا :" ها إنَّكُم تتّكلونَ على كلام الكذبِ الّذي لا فائدةَ فيهِ . أتسرقونَ وتقتلونَ وتزنونَ وتحلفونَ بالزّورِ وتُقَتِّرونَ للبعلِ وتتّبعونَ آلهةً أُخرَ لم تعرفوها . ثُمَّ تأتونَ وتَقِفونَ بينَ يديّ في هذا البيتِ الّذي دُعِيَ باسمي وتقولونَ قد أُنقِذنا حتّى تصنعوا جميعَ تلك الأرجاسِ ." [ نبوءة إرميا7: 8 ، 9 ، 10] .
لقد تجاوزَ كّتبةُ أسفار العهد القديمِ تزوير كلام الله بكثير عندما عزوا إليه دعوةَ نبيّه هوشع بن بِئيري ليتّخِذَ له امرأة زنى وأولاد زنى من جومر بنت دبلائيم :" .. قالَ الرّبُّ لِهوشَع انطَلِق فاتّخذ لكَ امرأة زنى وأولاد زنى فإنَّ الأرض تزني زنىً عن الرّبّ . فانطَلَقَ واتّخذَ جومَر بنت دبلائيم فَحَبِلَت وولَدَت لهُ ابناً..ثُمَّ حبِلت ثانيةً وولَدَت بنتاً .." [ نبوءة هوشع 1: 2 ، 3 ، 6]، :" ثُمَّ قال الرّبُّ انطَلِق أيضاً وأَحبِبِ امرأةً محبوبةً لِخليلٍ وهي فاسِقَةٌ كما يُحِبُّ الرّبّ وَهُم يلتفِتون إلى آلهةٍ أخَر .."[ نبوءة هوشَع 3: 1].
ممّا تقدَّم نستنتجُ الحقيقتين التّاليتين : الأولى تتعلّق بماهيّة الاختيار الإلهي لبني إسرائيل بوصفه اختيار لعنة وهلاك لا اختيار تفضيلٍ واصطفاء ، لعلَّة فسادِهم الدّيني و الأخلاقيّ والعرقِيّ بفعل ممارساتهِم غير الشّرعية والشّاذة ، كَحَمْلِ الدَّنَس بفعل زنا المحارم ،عينُ ما فَعلته ابنتا لوط بأبيهِنَّ فولدن منه : " فولدت الكبرى ابناً وسمّتهُ مؤآب وهو أبو المؤآبيّين إلى اليوم . والصّغرى أيضاً وَلَدت ابناً وسَمَّتهُ بنعَمّي وهو أبو بني عمّون إلى اليوم " تكوين 19 :37 ]، وهو عينُ ما فَعَلهُ يهوذا بن إسرائيل بكَنَّتِهِ فحملت منهُ وأنجبتْ توأماً هما فارص وزارح [ تكوين38 : 29 ، 30] ،وعين ما فعله آمنون ابن داودُ بأخته تامار ، وأبشالوم بن داود بأخيهِ وبنساء أبيه ، وعين ما فَعَلَهُ هوشَع بجومَر وغيرِها عملاً بأمرِ الرّبّ ،ناهيك عن الانتهاك المُتَعَمَّد لجميع وصايا الله وتعاليمه ورسومه ، وعدم إقامة حدود الله الّتي حدَّها وأمر بتطبيقها ، والّتي بموجبِها تستحقُّ العديدُ من الشّخصيّات الإسرائيليّة من الأنبياء والملوك عقوبة الموت والحرق بالنّار طبقاً للعقوبات المنصوص عليها في أسفار التّكوين والخروج والأحبار وتثنية الاشتراع المُقَدَّسة :" … أيُّ إنسانٍ قَتلَ أخاه أَطلبُ نفس الإنسان . إن يَكُن سافكِ دمِ الإنسانِ إنساناً فَدَمُهُ يُسفَكُ لأنّهُ بصورةِ اللهِ صُنِعَ الإنسان " [تكوين 9 : 5 ، 6 ]، :" من ذبحَ لآلهَةٍ إلاَّ للرّبّ وحدهُ يُبسَل "[ خروج22 :20]،: " وقيلَ له قد باغَت ثامارُ كَنَّتُكَ وها هي حاملٌ من البغاءِ . فقالَ يهوذا أخرجوها فَتُحرَق " ـ دون أن يدري أنّه هو من اقترَفَ فاحِشَة الزّنا بِها ، فعادَ وعَدَل عن قراره :" … وقالت اثبِت لِمَن هذا الخاتِمُ والعصا . فأثبَتها يهوذا وقالَ هيَ أبّرُّ مِنّي.." [ تكوين 38: 24، 25 ، 26] ،: " وأيُّ رَجُلٍ زنى بامرأةٍ إن زنى بامرأةٍ قريبةٍ فَليُقتَل الزّاني والزّانية . وإن ضاجعَ أحدٌ زوجةَ أبيهِ فقَد كَشَفَ سوءَةَ أبيهِ فليُقتَلا كِلاهُما دَمُهُما عَلَيهِما . وإن ضاجعَ أحدٌ كَنَّتَهُ فَليُقتلا كلاهُما إنَّهُما صَنعا فاحِشَةً دَمُهُما عَليهِما .. وإن أخذَ أحدٌ أُختَهُ ابنةَ أبيهِ أو ابنةَ أُمِّهِ فرأى سَوءَتَها ورأت سَوءَتَهُ فذلكَ عارٌ فليُقطَعا على عيونِ بني شعبِهِما … " [أحبار 20: 10 ، 11 ، 12 ، 17] ، : " إذا وُجِدَ فيما بَينَكُم ..رَجُلٌ أو امرأةٌ صنعَ الشّرَّ أمامَ الرَّبِّ إلهَكَ فَتَعَدّى عَهدَهُ . ومضى فَعَبدَ آلهةً أُخَر وسَجَدَ لها .. فاخرِج ذلك الرَّجُلَ أو تلكَ المرأةَ الّذي صّنعَ هذا الأمر المُنكَر وارجِمهُ بالحجارةِ حتّى يموت .. بِقَولِ شاهدينِ أو ثلاثةِ شهودٍ يُقتَل من يُقتَل .. "[ تثنيةِ الاشتراع 17: 2 ، 3 ، 5 ، 6] ، : "وإن وُجِدَ رجلٌ مُضاجِعاً امرأةً ذاتَ بَعلٍ فَليُقتلا جميعاً الرَّجُلُ المُضاجِعُ لَها والمَرأةُ واقلع الشّرَّ من إسرائيل " [ تثنيةِ الاشتراع 22: 22] ، " مَلعونٌ الرَّجُلُ الّذي يَصنَعُ مَنقوشاً أو مسبوكاً رِجساً لَدى الرَّبّ .. مَلعونٌ من يُحَرِّفُ حُكْمَ غريبٍ أو يتيمٍ أو أرملةٍ .. ملعونٌ من يُضاجِعُ زوجةَ أبيهِ ويَكشِفُ سِترَ أبيهِ .. مَلعونٌ من يُضاجِعُ بَهيمةً .. ملعونٌ من يُضاجِعُ أُختَهُ ابنةَ أبيهِ أو ابنةَ أُمّهِ .. ملعونٌ من يُضاجِعُ حَمَاتَهُ .. ملعونٌ من يَقتُل صَاحِبَهُ في الخفاء .. ملعونٌ من يأخُذ رِشْوَةً لِيَقْتُلَ نفساً بريئةً .. مَلعون من لا يُقيمُ كلِماتِ هذهِ التّوراة وَيَعْملُ بِها .." [ تَثنيةِ الاشتراع 27: 15، 19 ،20 ، 21 ، 22 ، 23 ، 24 ، 25 ، 26 ] ، على ضوءِ أحكام العقوبات الآنفة ، تَستَحقُ ابنتا لوطٍ وابنا إسرائيل رأوبين ويهوذا ،وهارونُ ، وداودُ وأبناؤهُ أمنونَ وتامارَ وأبشالومَ وسُرِّياته وسُليمان ، ومَنَسَّى ابنُ حِزقِيّا وولده آمون، عقوبة القتل لأنّهم اقترفوا الكثير من الذّنوب والخطايا الموجِبَة للقتل ، كالزّنا ، والشّرك بالله ، والقتل . فبمُقتَضى أحكام التّوراة يَستَحقٌّ إبراهيم وإسحق ورِفقةَ ، ويعقوب ومُعظَم أبنائه اللّعنة لأنَّ البعض منهم كَذب واحتال ،والبعض كَذَبَ وائتمَرَ وسَرقَ وَشَهِدَ زوراً ، ممّا يؤَكِّدُ حقيقةَ فسادهم ، وصدقيّة أقوال النّبيّ إرِميا في بني إسرائيل : " … لأنَّهُم جميعاً من صغيرهِم إلى كبيرِهِم يحرصون على السُّحتِ وَهُمْ جميعاً مِنَ النَّبيِّ إلى الكاهنِ يأتونَ الزّور ." [ نبوءة إرميا8: 10] ، وكما يقول الرّبّ في نبوءة هوشع : " فيأكلونَ ولا يشبعونَ ويزنونَ ولا يَكْثُرُونَ لأنَّهُم تركوا الرّبَّ غيرَ حافِظينَ لشريعتهِ . شعبي يَسأَلُ بخشبتهِ وعصاهُ تُخبِرُهُ أنَّ رُوحَ الزّنى أضَلَّهُم فَزنوا عن إلهِهِم " [ نبوءة هوشع 4 : 10 ، 12] ، الأمر الّذي يُدَلّل على أنَّ الإسرائيليّين ليسوا شعب الله المختار بل شعبُ الشّيطان المختار .. الحقيقة الثّانية أنَّ قَلَمَ الكتبةِ الكاذبِ قد زوّر الكثير من نصوص التّوراة ، فجعل الكثير من النّصوص الواردة فيها موضع شكّ ، ممّا أفقدها الصّدقيّة واليقين باعتراف النّبيّ إرميا بذلك : " كيفَ تقولونَ نحنُ حُكماءُ وشريعةُ الربِّ معَنا . إنَّ قَلَمَ الكتَبةِ الكاذِبَ لقد حوَّلَها إلى الكَذبِ " [نبوءة إرميا8 : 8] . ممّا يجعل من قضيّة الوعدِ الإلهي لبني إسرائيل ، قضيّةً كاذبةً زائِفة ، بسببِ الطّبيعةِ الفاسدة لبني إسرائيل ، وتزويرهم كلام الله ، بما في ذلك زعمهم ميراث الأرض الموعودة أرض الميعاد .