في ظل ثورة الاتصالات وعصر الفضاء والسماء المفتوحة التي جعلت من العالم كوناً واحداً، نتيجة انكماش المسافات وزيادة الاحتكاك بين الشعوب وتطور ثورة التكنولوجيا وتأثيرها على طبيعة البشر؛ مطلوب من الإعلام العربي إزاء هذا التطور العلمي الهائل غير المسبوق في العالم اليوم أن يقترب أكثر من الجماهير العربية في محاولة لإشراكها في كافة القضايا المصيرية التي تهمها كقضايا: الديمقراطية والتنمية والحداثة والتقدم الاجتماعي والعمل على صياغة الخطاب السياسي والتربوي وإبراز أهمية العرب الاقتصادية ومكانتهم الحضارية والتأكيد على القيم الأخلاقية والدينية للمجتمعات العربية، لأن ظاهرة العولمة الثقافية التي يسيطر عليها الغرب، من خلال منظومة من الفضائيات التي تستهدف تغريب الثقافة العربية وقطعها عن جذورها القومية والدينية والأخلاقية، هذه العولمة الثقافية أصبحت واقعاً ملموساً من خلال هذا الغزو الكبير للقنوات الفضائية والإنترنت والإذاعات الموجهة، وفي ظل استمرار عجز وضعف الإعلام العربي الذي ساهم بطريقة أو بأخرى في إحباط المواطن العربي وأوصله إلى موقف الشك والحيرة، حتى أنه فقد الاستعداد للتفاعل والمشاركة وأضحى في موقف اللامبالاة تجاه القضايا السياسية المصيرية الوطنية والقومية؛ مكتفيا بدور مطلبي لتحسين وضعه المعيشي الصعب، وذلك كما ظهر واضحا في ثورات ما سميت بالربيع العربي، حيث لوحظ الغياب الكامل في الاحتجاجات الشعبية للشعارات السياسية التحررية...
إن العولمة الثقافية هي خطر داهم على الثقافة القومية والهوية الوطنية والقومية، وخطورتها تنبع بالأساس من تفوق الأمم الأخرى على الأمة العربية، خاصة أمم الغرب الرأسمالية التي تمتلك وسائل اتصال قوية؛ يمكن أن تكرس هيمنة ثقافة الأقوياء، وبصورة خاصة سيطرة نموذج الفكر الغربي والسلوك الحضاري الغربي الجديد على بقية أجزاء العالم، لأن العالم الغربي بقيادة أمريكا لم يكتف بالهيمنة السياسية والنهب الاقتصادي والاحتكار المصرفي والتقني، بل إنه يسعى إلى أبعد من ذلك وهو اختراق المجتمعات التقليدية المتماسكة حضارياً ومحاولة تفتيتها من الداخل؛ كما هو جاري الآن في الوطن العربي، من إثارة النزعات العرقية والطائفية والمذهبية والجهوية؛ تكريساً أكثر للتجزئة السياسية، عبر منازلة ثقافات هذه المجتمعات الوطنية والقومية والعمل على تفاقم مشاكلها الاجتماعية كمشاكل: الفقر والبطالة والجريمة والأمراض وانتشار المخدرات وعدم الالتفات إلى رغبة الشعوب النامية في الخروج من مرحلة التخلف والتخلص من التبعية وامتلاك العلم والتكنولوجيا، حتى يبقى الغرب الإمبريالي؛ مسيطراً بشركاته المالية والاحتكارية على مقدرات المنطقة والعمل على رسم مستقبلها السياسي الذي يبقي دولها في دائرة علاقات التبعية ونفوذها السياسي.

