Menu

زيارة بلينكن وطبخة الحصى الأمريكية المسماة حل الدولتين

وليد محمد محمد

في إطار جولته إلى المنطقة أنهى وزير الخارجية الأميركية انتوني بلينكن زيارة استغرقت ثلاثة أيام زار خلالها مصر والكيان الصهيوني والأراضي الفلسطينية المحتلة، تاركا خلفه فريقا أمنيا أميركيا مهمته ترجمة الالتزامات الأمريكية بالحفاظ على أمن (إسرائيل) وتنفيذ تعليمات الرئيس بايدن للمخابرات المركزية والأمن القومي، بتقديم الدعم والمساعدة وكل ما يلزم لنظرائهم (الإسرائيليين) عقب ما شهدته الأراضي الفلسطينية من تصاعد أعمال المقاومة ضد الإجراءات الصهيونية.

معلوم أن قضية الصراع العربي الصهيوني ليست على جدول أولويات السياسة الأمريكية ودبلوماسيتها، كذلك الأمر بالنسبة لحلفائها الغربيين وأن التركيز الأهم بالنسبة إليهم ما يحدث من تطورات على الساحة العالمية بفعل الحرب الأوكرانية الروسية ومواجهة التداعيات الكبرى الاقتصادية والعسكرية الناجمة عنها، إضافة إلى السعي لمواجهة الطموحات الروسية والصينية المشتركة بالانتقال إلى عالم متعدد الأقطاب وبتحالفات واصطفافات مختلفة،  بينما يتواصل الاهتمام الأمريكي الغربي، إضافة إلى الكيان الصهيوني أيضا بالملف الإيراني وتشعباته وصولا إلى التعاون الذي تبديه إيران مع روسيا في معركتها مع حلف الأطلسي في أوكرانيا، ليضيف بندا إضافيا لأسباب المواجهة القائمة منذ عقود مع الولايات المتحدة وقاعدتها المتقدمة (إسرائيل)، وتأتي زيارة وزير الخارجية بلينكن إلى المنطقة في هذا الظرف لحاجة الإدارة الأمريكية إلى تحشيد دول المنطقة وترتيب أوراقها، بما يخدم مصالحها في المواجهة القائمة على الساحة الدولية وتعزيز نفوذها وتحالفاتها في المنطقة لمواجهة إيران، وهي لذلك تحتاج إلى فرض الهدوء، فيما يخص الأراضي الفلسطينية وعدم السماح بانزلاق الأمور إلى مواجهة مفتوحة مع الاحتلال في هذه المرحلة بالتحديد. ومن غير المفاجئ أن بلينكن لم يحمل في حقيبته أية مقترحات أو ملفات سياسية واكتفى بالحديث عن طبخة البحص الأمريكية القديمة الجديدة المسماة حل الدولتين، دون أن يقدم أية إيضاحات أو إشارات بخصوص ذلك، كذلك ليس مستغربا تبني الإدارة الأمريكية لوجهات النظر (الإسرائيلية) في ما يجري على الأرض وحصر الصراع في بعده الأمني، باعتباره وعلى رأي الحكومات الصهيونية المتعاقبة المدخل لفرض حالة الهدوء والاستقرار، وما انضمام مدراء المخابرات المصرية والأردنية إلى المحادثات في رام الله وما سبقها من لقاءات أمنية، جمعت مسؤولين أمنيين أميركيين وبحضور مدير السي آي ايه وقادة أجهزة أمنية فلسطينية وما كشفت عنه مساعدة وزيرة الخارجية الأميركية لاحقا من وجود خطة أمنية لفرض الأمن في جنين ونابلس، إلا تعبيرا عن طبيعة الرؤية الصهيوأمريكية القادمة بخصوص التعامل مع الفلسطينيين، وخاصة مع ما أفرزته الأحداث من بروز ظواهر المقاتلين الجدد كمجموعة عرين الأسود وغيرها وتزايد الالتفاف الشعبي والجماهيري حولها، فيما تجد القيادة الفلسطينية نفسها مرة أخرى  أسيرة التصريحات الأمريكية الخلبية والوعود الواهية وبيع الوهم، فلا هي أعادت فتح مكتب المنظمة في أميركا وأبقتها على لوائح الإرهاب، ولا هي أغلقت سفارتها في القدس ، ورغم  حرص الإدارة الأمريكية على بقاء السلطة الفلسطينية وتقوية أجهزتها الأمنية، إلا أن مطالب الفلسطينيين بوقف الاستيطان والاجتياحات للمدن والمخيمات الفلسطينية ووقف عمليات الهدم والترحيل ووقف الاقتحامات للأماكن المقدسة والأقصى وممارسة أعمال القتل بدم بارد والاعتقال وهدم البيوت ومصادرة الأراضي وسياسة العقاب الجماعي، لم يجد له صدى لدى الوزير الأمريكي، رغم تصريحاته برفض الخطوات والتصرفات أحادية الجانب، لكنه لم يقم بإدانتها، بل ولم يذكرها. ومعروف أن إدارته دائما تتفهم دوافع الكيان الصهيوني في كل ما يقوم به ضد الفلسطينيين وتحت ذريعة تحقيق الأمن (لإسرائيل) ومستوطنيها، حسب المزاعم الصهيونية، فيما سيبقى التوجه الفلسطيني إلى مؤسسات المجتمع الدولي ومحاكمه، هو الإجراء أجادي الجانب المرفوض، حسب الرؤية الصهيوأمريكية والذي لا يخدم الوصول إلى حل الدولتين ويقوض فرص إحلال (السلام).

ومن الواضح أيضا أن هدف زيارات هذا الكم من المسؤولين الأميركيين: سياسيين وبرلمانيين وأمنيين وعلى أعلى المستويات للكيان هو تصحيح العلاقة بين الإدارة الأمريكية الحالية وحكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة، بالشراكة الكاملة مع  الكهنوت الديني المتطرف الفاشي، وعلى الأرجح أنها لن تمارس أية ضغوط عليها بحكم التوافقات التي حكمت تشكيلها، بل ستضغط على السلطة الفلسطينية وتحثها على مواصلة التنسيق والتعاون مع حكومة نتنياهو بصورة أكبر، هذا من جانب، ومن جانب ستجامل السلطة ببعض الإجراءات من قبيل إعادة بعض أموال المقاصة للسلطة والمحتجزة، لدى الاحتلال وتقديم مبلغ خمسين مليون دولار لوكالة الأونروا وتشغيل الجيل الرابع من الانترنت على الشبكة الفلسطينية وتسهيل الحركة على الفلسطينيين وفتح جسر الملك حسين على مدار الساعة  .

لا شك أن التطورات المتسارعة وما يحدث على الأرض الفلسطينية، بفعل التغول الصهيوني وحكومته الفاشية، تتطلب من القيادة الفلسطينية الانحياز الكامل لتحركات الشارع الفلسطيني وتدعيمها في مواجهة الإرهاب الصهيوني المتواصل ومخططاته الرامية إلى أسرلة وتهويد الأرض الفلسطينية، كما تتطلب العمل على إنهاء الانقسام والتوحد، بدل المراوحة والبقاء في مربع الرهانات الخاسرة والوعود الخلبية الأمريكية وعليها أن تتخذ مواقف أكثر جرأة وتنفذ القرارات التي اتخذتها المؤسسات الفلسطينية والموضوعة فوق الطاولة منذ سنوات، وأولها سحب الاعتراف بالكيان ومغادرة مربع أوسلو ووقف التنسيق والتعاون الأمني  مع الاحتلال والذي سيؤدي حتما إلى ما لا يحمد عقباه.