يبالغُ الفلسطينيّون - وأنا منهم - بتقدير هذا الحكيم اللداوي، الذي تتفوّق أهميّته الحسّيَّة اللا ملموسة على أفعاله وخصاله العلنيّة!
تلك مأثرةٌ كبرى، فعبر التاريخ، غالبًا ما يتمُّ تقدير القادة بناء على إنجازاتهم، مثلًا تحرير بلدانهم، أو احتلال بلدان أخرى - هذا بالنسبة للشّعوب الاستعماريّة - لكن الحكيم عمل مع رفاقه وشعبه على تحرير وطنه، فكانت الظروفُ وتحالفات الصهيونيّة أوسع من طاقات شعبٍ أعزل، لكنّه ظلَّ في لحظات النصر والانتكاس يحظى بالاحترام الوطنيّ والقوميّ والعالميّ.
على المستوى النخبويّ اختلف كبار المثقفين الفلسطينيين مع الحكيم في محطّاتٍ معيّنة، رسم الشهيد ناجي العلي كاريكاتيرًا يدين فيه إحدى خطوات حبش السياسية، بعد شهور قال ناجي: "لو بقدر لكنت لمِّيت هالكاريكاتير من كل الجرايد، مش لأنّي غلطت بموقفي، لا ما غلطت، بس لأنّو الحكيم...!".
عبَّر محمود درويش أيضًا عن الخلاف مع بعض مواقف الحكيم في فترة صخب صراع الفكر السياسي الفلسطينيّ بعد عام 1982 وما تبعه، وحال الثورة ومنظمة التحرير التي ذهبت قيادتها المتنفّذة سياسيًّا في طريق ما يسمّى بـ "عمليّة السلام".
لكن درويش كتب لاحقًا:"... للحكيم جورج حبش في المخيّلة الفلسطينيّة مكانة الأيقونة، حتى الذين اختلفوا معه على معالجة المعقّد بالبسيط والبداهة، أحبوه واحترموه، وأصيبوا في صحبته بعدوى الأمل من فرط ما هو صادقٌ وشفاف..."
... توفي الحكيم ومرّت السنون، وما زال يُذكر كأنما هو حي يتنقل بين بلدان المشرق والمغرب صارخًا: ثوروا...
لقد غابَ ولم يغب عن استذكارات مفكري ومناضلي العالم الحر الممتد من أوروبا حتى أميركا اللاتينيّة.
يمكنُ التأسيسُ على ما سبق لطرح سؤالٍ مهمٍّ جدًّا، مفاده: كيف حظي الحكيم بكلّ هذا التقدير والإجماع الوطني والقومي والأممي؟
لا بُدَّ أن نذهب إلى البدايات إذًا، إلى ما قبل النكبة، حيث إنَّ هناك طالبًا في الجامعة الأمريكيّة يدرس الطب البشري - اختصَّ فيما بعدُ بطبّ الأطفال - الطالب القادم من اللدّ، تلك المدينة الصغيرة قربَ يافا الكبيرة الدّلالة، التي تحتوي أهمّ مطارات فلسطين المدنية - اسمه المزيف اليوم "مطار بن غوريون" -، أثناءها كان الشاب جورج حبش وصديقه وزميل دراسته وديع حداد والعشرات من النخب الفلسطينيّة والعربيّة ممّن يتبنّون الفكر القوميّ يدرسون في الجامعة الأمريكيّة ببيروت، ويقومون باحتجاجات، ويعقدون الندوات مستشعرين الخطر القادم على فلسطين.
اندلعت حرب النكبة، لم يثق الفلسطينيّون والعرب بجيوش الأنظمة التي أتت لتسليم فلسطين للعصابات الإرهابيّة الصهيونيّة بدعوةٍ رسميّةٍ من بريطانيا المجرمة، فهبَّ الشبان، ومنهم جورج حبش ووديع حداد اللذان قاطعا الدراسة في الجامعة الأمريكيّة ويمّما شطر فلسطين، فعملا بدايةً على إسعاف الجرحى ودفن المغدورين والشّهداء.
بالنسبة لعائلة حبش الميسورة، عائلة التاجر التي تمتلك أراضيَ وبيوتًا، كان الأمرُ أكثرَ سهولة من عائلة وديع الذي رهن والده "الياس حداد" منزله في صفد ليدفع تكاليف دراسة وديع في بيروت، إلا أنّ الراهن الصفديّ تنازل عن المبلغ المُرتهن بالكامل حين علم بأنّ الطالب وديع وصديقه جورج قد تركا الجامعة الأمريكيّة وهبَّا مع آلاف الشبان للقتال في فلسطين.
فقد الحكيم أخته في ذلك العام في اللد، تعذّر دفنها كما يليق، وبعد العودة من المدفن تحت قصف المدافع والطائرات، داهمت العصابات الإرهابية منزل نقولا حبش- والد الحكيم-، وأطلقت الرصاص داخل المنزل لترويع السكان، كما كان يحدث في كلّ المدن والقرى الفلسطينيّة بُغيةَ التهجير القسري، وقتلت العشرات في شوارع اللد، رآهم الحكيم بأم عينه وكان من بينهم نساء وأطفال، هنا قرر الشاب جورج حبش حمل السلاح.
انتقل الحكيمانِ لحملِ السّلاح بعد اشتداد القتال والمذابح، فتدربا سريعًا في ميدان المعركة على استعمال السلاح البسيط المتوافر، الذي اشترى المدافعون بعضه من الأنظمة العربيّة وجيوشها، فانفجر بهم لحظة الإطلاق!
قاتل الشابان مع الآلاف من المكلومين في غير مكانٍ في فلسطين، إلّا أنّ العصابات الإرهابيّة الصهيونيّة بدعم بريطانيا وتواطؤ قيادات جيوش الأنظمة العربيّة، هيمنت على البلاد، وقامت بارتكاب جريمةٍ لم يسبق لها في التاريخ مثيلًا، لقد سمّوا فلسطين العريقة باسمٍ مزيّفٍ يحملُ تخلّف ووحشيّة القبيلة البدائيّة المسمَّاة بـ"إسرائيل".
بعد النكبة، عاد الحكيمُ ورفاقُهُ إلى بيروت لاستكمال دراسة الطب، كتب زملاؤه بأنّه شدَّدَ منذ ذلك الحين على أنّ الدراسة والعلم يمثّلان الخطوة الأولى لتحرير فلسطين ناسبًا قسمًا من مسؤولية النكبة إلى واقع التخلف والجهل العام ونفوذ البرجوازية وبقايا الإقطاع المريض، وفي فترة اختصاصه في طب الأطفال بدأ يُنظِّر لإنشاء حركةٍ ثوريّةٍ تأخذ من الفكر القومي العلماني أساسًا لها، وتطوّر "العروة الوثقى" ثم بعد ذلك يتم إنشاء حالةٍ ثوريّةٍ عسكريّةٍ ومجموعاتِ كفاحٍ مسلّح، إلا أن وديع كان يعتقد بأن البدء بالكفاح المسلّح هو الأجدى، وعلى هذا تمَّ تأسيس "حركة القوميين العرب" بعد سنواتٍ قليلةٍ من النكبة بمشاركةٍ واسعةٍ من النخب المثقّفة.
أنهى الحكيمان دراستهما وانتقلا إلى شرق الأردن، الذي باتت تنتشر فيه مخيمات اللاجئين، فأسس الطبيبان عيادةً - مستوصفًا في مخيّم الوحدات يعالج اللاجئين مجانًا، ثمَّ امتدَّا إلى مخيّمات أخرى، فتارةً يبقى الحكيم في العيادة ويذهبُ وديع إلى المخيّمات الأخرى لعلاج المرضى، وتارةً يحدث العكس، كل ما كانا يقدمانه كان مجانيًّا يستعين الحكيم بأموال عائلته وبعض المتبرعين لسدّ الاحتياجات وثمن الأدوية، وكان الطبيبان ينامان في العيادة أو يتناوبان، في تلك الفترة حظيا باحترامٍ منقطعِ النظير من قبل أبناءِ المخيّمات.
عندما تمَّ تأسيسُ منظّمة التحرير وعقد المجلس الوطنيّ برئاسة الرئيس الراحل أحمد الشقيري، شارك العديد من أعضاء حركة القوميّين العرب في المجلس الوطنيّ الذي عقد في العاصمة الفلسطينيّة القدس عام 1964، وتمَّ إقرارُ الميثاق القوميّ الفلسطينيّ- صار اسمه الوطنيّ فيما بعد- كان الحكيمُ ينظرُ إلى ما هو أبعدُ من ذلك، فرأى أنّ جيش التحرير الفلسطينيّ سيكونُ مقيّدًا من قبل الأنظمة التي يوجدُ على أراضيها، مما دفعه للتفكير مع رفاقه بتفعيل الكفاح المسلّح بشكله الثوريّ على نهج رجال حرب عصابات، بعدها تدرّب مع رفاقه العديدين، ومنهم الشاب مصطفى الزبري" أبو علي مصطفى في مدرسة أنشاص العسكريّة في مصر عام 1965؛ إذ إنّ مجموعات حركة القوميين العرب كانت من قبلُ تمتلكُ فدائيّين مندفعين، لكنّهم غير مدربين كما ينبغي، فكانوا يرتقون شهداء بسهولة، وغالبًا ما يقعون في فخّ الأنظمة على الحدود - بخاصّةٍ في الأردن ولبنان - أهمّ تلك المجموعات كانت تسمّى "شباب الثأر" و"أبطال العودة".
أنشأت حركةُ القوميين العرب شبكةً عضويّة لم يسبق لها مثيل، فامتدّت إلى كلّ البلدان العربيّة، ولأنَّ قيادتها كانت من النخبة ومن ذوي السمات الأكاديميّة، نظرت إليها الشعوب بتقديرٍ عال، أما الأنظمة فكان لها نظرة أخرى، حيث تعرّض أغلب قادتها لفترات اعتقال، لا سيّما في معتقل الجفر الصحراويّ شرق الأردن وفي كلّ بلدان الطوق، ولم يسلم الحكيم من تلك الاعتقالات التي كانت تسعى لفرملة الحركة كونها تعملُ على تثوير المجتمع العربيّ مقدّمةً للتحرّر القومي والتهيئة لتحرير فلسطين...
أدرك الحكيم ورفاقه بأنّ الأنظمة تُشكّلُ حالةً مغايرة، واشتدّت الخلافات معها بمن في ذلك مع الرئيس جمال عبد الناصر الذي دعم الحالة واستقبل الحكيم ورفاقه مرّاتٍ عدّة، كانت خلاصةُ هذا الإدراك أنّ حسابات الأنظمة لا يمكن أن تتطابق مع حسابات الثورة.
كان الصراعُ قائمًا داخل الحركة، وجدال التوجه نحو فلسطين أوّلًا أم تثوير الشّعوب العربيّة على أشُدِّه، فحُسِمُ الأمرُ بعد النكبة الثانية عام 1967، وهنا كان لا بدَّ من إطلاق جبهةٍ فلسطينيّةٍ بعمقٍ عربيّ، سمّيت بالجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، التي سرعان ما اتّسعت، ثمَّ أطلقت يد وديع حداد ليحقّق فلسفته المكبوتة ويبدأ عمليّاته الكبرى؛ ردًّا على الظلم المتّفق عليه عالميًّا ضدّ شعبه، وإظهارًا للمظلوميّة، وهو ما تمَّ إنجازُهُ فعليًّا، وتمَّ تجنيدُ الأنظمة الرجعيّة العربيّة لتشويه ذلك النضال تمهيدًا لوأده.
حظيت عمليّاتُ الجبهة الشعبيّة باحترام الشعوب وقلق الحكومات، وانتشرت الاعتقالات والملاحقات في كلِّ مكانٍ حتّى أنّها طالت الحكيم ذاته، وترافق ذلك مع نشر ثقافة العنف الثوريّ عبر الصحف والمنشورات لا سيّما مجلّة الحريّة ثمَّ الهدف التي أسّسها غسان كنفاني بطلبٍ من الحكيم ووديع ورفاقهما، فانتشرت الأفكارُ الثوريّة العلمانيّة أيّما انتشار، وحظيت بالتأييد الجماهيري، لهذا دعمت القوى الخفيّة وأيدي الأنظمة المرتبطة كل الانشقاقات التي حدثت لإضعاف جسم الشعبيّة، وتفتيت الحالة الثوريّة بتكليفٍ من الولايات المتّحدة التي أضحت سند الصهيونيّة الأوّل وراعية كيانها.
استمرّت الجبهة الشعبيّة على الرغم من الضغوط الهائلة، التي كان أبرزها مخطّط النظام الأردني، لكن الخطيئة الكبرى التي ارتكبتها الجبهة الشعبيّة وفتح وباقي القوى الفلسطينية كانت الظهور المكشوف للعلن، ما أتاح للأنظمة العميلة اصطياد الثوّار وتلفيق تهمٍ التسلّط والإساءة لأخلاقيّاتهم لترتيب ما سيحدثُ في الأردن، ثمَّ لما حدث...
كان الحكيمُ نموذجًا أخلاقيًّا ثوريًّا، فعلى الرغم من الخلافات في الرأي إلّا أنّه ظلَّ محافظًا على الثوابت ضمن المنظّمة، ومتمسّكًا بنقاء الشخصيّة الثائرة، فضبط ما استطاع بعد عودة ظهور الثورة في لبنان لإدراكه بأنّ الأنظمة والتيّارات العميلة تترصّدُ أخطاء بعض الفدائيّين لتَكرار ما حدث في الأردن.
عقب السبعينات - وفي لبنان تحديدًا - تمَّ الاهتمام أكثر بالجانب الثقافي والإعلامي، واستمر فتح الباب على مصراعيه أمام أحرار العالم للمساهمة في الثورة، وأثناءها كانت الولاياتُ المتّحدةُ والكيانُ الصهيونيّ يرتّبان مع عملائهما في لبنان والمنطقة لتكرار سيناريو أحداث الأردن، فبات الحكيم يحذّرُ مرارًا من الأخطاء التي سوف تُستغلُّ، وناقش الشهيد ياسر عرفات في ذلك مرّات عدّة، كما طرح المسألة مرارًا داخل أروقة الشعبيّة، لكن واقع الاستفزاز ومخطّط أعداء فلسطين كان أقوى، فاندلعت الحربُ الأهليّةُ الشهيرة، حتّى خرجت قوّات الثورة من بيروت عام 1982.
حافظ الحكيم بقوّةٍ ودأبٍ على ما سمّاه "وحدة وصراع" مع التيّار الفلسطيني المتنفّذ الذي تمثّله حركة فتح ورئيسها الشهيد ياسر عرفات، لكن خوض "عمليّة السّلام" ثمَّ أوسلو أجّج الخلافات بين الفلسطينيّين عمومًا، وبين كلّ من الحكيم والشهيد عرفات، حيث رفض الحكيم التسوية - اللعبة بقوّة، مُوضّحًا بأنّ ذلك مصيدةٌ دوليّةٌ لوأد الثورة، وتدجين القضية، ويثبت الواقع اليوم أن وجهة نظره كانت صحيحة، فالاحتلالُ لا يفهمُ إلا لغة القوّة، ومن الواضح أنّ الفلسطينيين لن ينجزوا شيئًا دون استنباط واستخدام القوّة بأشكالها كافةً.
استقالَ الحكيمُ بعد أن أنهكته التراجعاتُ السياسيّةُ الفلسطينيّة، لم يحدثْ من قبل أن يستقيلَ قائدٌ في أوج قوّته جماهيريًّا ودوليًّا، لكنّه عبَّر وقتها عن تحمّله بعض مسؤولية الهزيمة والتراجع، تاركًا المجال لأبي علي مصطفى لقيادة الشعبية، الذي استشهد غيلةً عام 2001.
سلَّم الحكيم كل ما يخصُّ الجبهة، سيارته وبيته، وانتقل من دمشق للعيش في بيت أخته في الأردن حتّى غادر جسده الحياة، كان قد بدأ حياته القياديّة غنيًّا وغادرها فقيرًا.
توفي جورج نقولا حبش في عمَّان يوم 26 يناير كانون الثاني عام 2008 تاركًا صورةً واسمًا مشرقًا وذكرى طيّبةً في ذهن وذاكرة الفلسطينيين والعرب وأحرار العالم، صورةً لا مثيلَ لها، وأظنُّها لن تُنسى.

