Menu

«ديموكراسي دايز إن داركنس»: النسخة الصهيونيّة

شادي عادل الزيد

نشر هذا المقال في العدد 46 من مجلة الهدف الإلكترونية

تضجُّ الحركةُ الصهيونيّةُ اليوم بصراعٍ داخليٍّ بين يمينها ويمينها المتطرّف، متمثلين بتحالف بينيت-لابيد من جهةٍ وتحالف نتنياهو-بن غفير من مكانٍ أبعد في نفس الجهة. جمع نتنياهو - هذا الرجل الذي سئمنا وجهه على مدار أكثرَ من عقدٍ ونصفٍ من الزّمان- المتطرفين من كلّ حدبٍ وصوبٍ في سبيل استعادة الكرسي، جالبًا معه إلى ضوء المسرح حركةً دينيّةً صاعدةً كانت تنازعُ من أجل جذب الانتباه من خلال الاستعراضات التافهة، كاقتحامات الأقصى والسجود الملحمي من قبل أمثال يهودا غليك.

إنّ ما يميّزُ هذه الحركة السياسية عن غيرها من الحركات اليمينية في المساحة الصهيونية ليس اختلافًا حقيقيًّا في الأهداف على الأرض، بل إنّ ما يميّزها هو تخلّيها عن المظهر الليبرالي اللامع الذي تعتمدُ عليه الدولةُ لجذب التعاطف وتشجيع الهجرة اليهوديّة، خاصّةً أنّ أغلبية اليهود في الولايات المتّحدة يقطنون في معاقل الحزب الديمقراطي الليبرالي الذي يدّعي التقدميّة الاجتماعيّة.

اشترك المتطرّفون في حكومات التسعينات والألفينات (كيهودا غليك السابق ذكره)، إلا أنّهم جلسوا في المقعد الخلفي مقارنةً بالتيّار المتلبرل السائد الذي دعمه نتنياهو خلال فترة وزارته السابقة؛ إذ تفاخر أمام الغرب بالتقدّم المزعوم في مجال حقوق النساء والمثليين، وأصبحت الأخيرة إحدى النقاط التي استخدمتها الهسبرا لكسب التعاطف في الخارج. أمّا مع الحكومة الجديدة هذه، فإنّ نتنياهو مضطرٌّ للتنازل الأيديولوجي أمام حلفائه المتدينين الذين يمسكون خناق حكومته في موجع، خاصّةً بالنسبة لموضوع المثليين الذي يعارضه هؤلاء بشدّة.

كتب الحاخامان يسحاق شابيرا ويوسف عليتزر من مستوطنة يتسهار عام 2009 كتابًا سمّاه «توراة الملك»، هو عبارةٌ عن تعاليمَ دينيّةٍ تناسب المستوطن الصهيوني. أشهر ما جاء في هذا الكتاب فقرة تسمح بقتل الأطفال الفلسطينيين بداعي أنّهم «خطرٌ مستقبليٌّ على اليهود».

جذب هذا الكتاب وقت نشره امتعاض الحكومة والتيار اليهودي الإصلاحي الذي ينتمي له أغلبية اليهود الأمريكان، الذي تجمعه بالتيار اليهودي المحافظ عداوة شديدة وكره قديم متبادل (إذ إن بعض المحافظين لا يعدّون الإصلاحيين يهودًا أصلًا، بصورةٍ شبيهةٍ بالعلاقة التي تجمع المسلمين السلفيين والمسلمين القرآنيين)، إذ إنّه كفيلٌ بتشويه الصورة الليبرالية الوردية التي تبناها التيار السائد في "إسرائيل" حينها.

حصلت «توراة الملك» على رواجٍ واسعٍ وموافقةٍ كبيرةٍ في أوساط مستوطني الضفة الغربية الذين كانوا حينها في حالةِ حذرٍ ونقمةٍ إثرَ جلاء أمثالهم من غزّة عام 2005، ومنهم حاخام مستوطنة كريات أربع دوف ليور الذي يرأس اليوم «مجلس حاخامات يهوذا والسامرة». صادرت الحكومة النسخ المطبوعة من هذا الكتاب في القدس ، ولكنّها لم تحل دون تدريسه في مناهج اليشيفات (المدارس الدينية).

موضوعي الأساسي الذي مهّدت له هنا هو تحذيراتُ الصهاينة الليبراليين بأنّ "إسرائيل" ستخسر "ديمقراطيتها" بسبب هذه الحكومة ومتطرفيها، وأنّها ستصبح "مملكة توراتية" تأتمر بأمر الحاخامات والمتشددين وقانون الهالاخاه الديني (رغم أنّ أغلبيّة اليهود في فلسطين المحتلّة غير متدينين أصلًا).

يذكرني هذا النوع من الخطاب بالخطاب الأمريكي الليبرالي العقيم الذي يعاد بحذافيره مرّةً بعدَ مرّةٍ إثر تولي أيّ رئيسٍ جمهوريٍّ زمامَ البيت الأبيض، حيث يرعدُ ويزبدُ أتباع الحزب الديمقراطي ويتنبّؤون بمجيء الصاعقة الكبرى وبزوال "الديمقراطيّة" الأمريكيّة على يد رئيس من الحزب الجمهوري لا يختلف -على أرض الواقع- عن الرئيس الديمقراطي الذي سبقه إلا بالسطحيات، فبايدن ما زال يبني جدار ترامب مع المكسيك، وترامب رسّخ ديكتاتوريّةَ الشرطة ضدّ السود في منيابوليس كما فعل أوباما في فيرغسون، وأوباما أكمل ما يدعى زورا "الحرب على الإرهاب" التي بدأها بوش الابن، وهلمّ جرًّا من كلينتون إلى واشنطن المؤسّس (ولا أحتاج أن أُذكّر القارئ أنهم كلّهم -دون أي استثناء- من أعتى حلفاء الصهيونيّة والعنصريّة والاستعمار، وسدنة في معبد النمرود الأمريكي المتجبر).

أنا أزعمُ أنّ هذه الهستيريا السياسيّة التي يعيشها الكيان الصهيوني اليوم ليست إلا نسخةً تافهةً من الهستيريا الأمريكيّة التافهة تلك، ويدلُّ على كلامي هذا بداية مقالٍ نشر في هآرتس للكاتب الليبرالي يوسي فيرتر يوم 20 كانون الثاني 2023، إذ يبدأ حديثه قائلًا: «عندما بدأت رحلة ترامب المعتوهة في البيت الأبيض، أضافت صحيفة الواشنطن بوست إلى شعارها عبارةً قاتمةً تحذيريّة: Democracy Dies In Darkness (الديمقراطيّةُ تموتُ في الظلام). اليوم في "إسرائيل" تُقتل الديمقراطيّةُ في وضح النهار بصوت (فلان وعلان) من حزب الليكود».

(من الجدير بالذكر أن الواشنطن بوست استمرّت في طباعة بروباغندا وزارة الخارجيّة الأمريكيّة ضد الصين وفنزويلا وكوبا وكوريا الشماليّة... إلخ، طيلة فترة حكم ترامب دون أي تردّدٍ أو انتقاد، مما يدفعني إلى أن أعتبر Democracy Dies In Darkness وعدًا من محرري البوست وليس تحذيرًا).

يختمُ السيد فيرتر مقاله الملحمي بهذه الكلمات: «إنّها معركةٌ لتحديد مستقبل الحركة الصهيونية (!)… إنّ المعركة هنا والآن، وإنّ البلاد والمدافعين عن بقائها قد لا يلقون من الخصم أية رحمة (؟؟؟!!!)».

ربّما يبلغُ السيد فيرتر من العمر 4 أعوام لم تفارقه براءةُ الطفولة، وربّما قد فقس من شرنقةٍ في شهر أيلول الماضي، وربّما هو قطّةٌ رضيعةٌ لم تفتح عينيها بعد لترى العالم، وربّما هو صهيونيٌّ ليبراليٌّ يُزوِّرُ دماغُهُ لهُ الحقائقَ تلقائيًّا لئلا تتضارب معتقداته المتناقضة وتدمّر بعضها، لا أدري، ولكنّه يتناسى أو يتجاهل الحقيقة التاريخيّة الثابتة أنّ الاستعمار والديمقراطيّة لا يجتمعان مهما كان، وأنّ الصهيونيّة هي رأس الحربة الاستعماريّة وأقذع مثال على الظلم والقمع وسلب الحريات، وأنّه حتى لو استلمَ رئاسةَ الوزراءِ "الإسرائيليّة" ملاكٌ منزلٌ من السماء، فإنّه لن يتمكّن من تحويل هذا الكيان إلى دولةٍ ديمقراطيّةٍ عادلة.

إنّ التغيّر الذي سيطرأ على الحركة الصهيونيّة إثر تولي نتنياهو المنصب للمرّة المليون لن يتعدى بضع سنين من المسرحيات الانتخابيّة التي سيدفعُ بها اليمين المتطرّف وسيدفعُ ثمنها الشعب الفلسطيني، ولن يؤدّي إلا إلى تخفيضٍ مؤقّتٍ في عدد المستوطنين الجدد الذين يصوتون لبايدن في الولايات المتّحدة، وربّما سيحظى الكيان بكلماتٍ لاذعةٍ رادعةٍ عن احترام حقوق الإنسان من فم المناضل الأمميّ أنطونيو غوتيريش.

أودُّ أن أُطَمْئِنَ طاقمَ هآرتس أنّ "إسرائيل" لن تخسر ديمقراطيّتها؛ لأنّ فاقد الشيء لا يخسره.